في تجارب واعدة، يدفع العلاج بالعاثيات البكتيريا إلى الوقوع في معضلة لا مخرج منها، فتتراجع دفاعاتها أمام أدوية كانت قد طورت مقاومة لها
في عام 1910، وبينما كان عالم الأحياء الدقيقة الفرنسي الكندي فيليكس ديريل يتفحص مزرعة بكتيرية تحت المجهر، لاحظ بعض «البقع الشفافة» في مزارعه البكتيرية. واتضح أن هذا الأمر الشاذ كان ناتجًا عن فيروسات تفترس البكتيريا. وبعد سنوات، بدأ ديريل في استخدام هذه الفيروسات، التي أطلق عليها اسم العاثيات البكتيرية، لعلاج المرضى الذين عانوا من الزحار بعد الحرب العالمية الأولى.
وفي العقود التالية، استخدم ديريل وغيره العلاج بالعاثيات لعلاج الطاعون الدبلي وغيره من حالات العدوى البكتيرية، إلى أن تراجع استخدام هذه التقنية بعد الانتشار الواسع للمضادات الحيوية في أربعينيات القرن العشرين.
لكن مع تطور مقاومة البكتيريا لمزيد من المضادات الحيوية، بدأ الباحثون يعيدون النظر في العلاج بالعاثيات، وأحيانًا بطريقة مبتكرة. فبدلًا من استخدام العاثيات لمجرد قتل البكتيريا مباشرة، يهدف النهج الجديد إلى دفع البكتيريا إلى الوقوع في معضلة تطورية لا تستطيع فيها الإفلات من العاثيات والمضادات الحيوية في الوقت نفسه.
وقد أظهر هذا النهج، الذي يستخدم ما يسمى «التوجيه بالعاثيات»، نتائج واعدة في الاختبارات الأولية، لكن مدى فائدته لا يزال بحاجة إلى إثبات.
وهناك بالتأكيد حاجة إلى إيجاد طرق جديدة لمواجهة العدوى البكتيرية. فأكثر من 70 في المئة من حالات العدوى البكتيرية المكتسبة في المستشفيات في الولايات المتحدة تقاوم نوعًا واحدًا على الأقل من المضادات الحيوية. كما أن بعض مسببات الأمراض، مثل الراكدة والزائفة والإشريكية القولونية والكليبسيلا، والتي تصنفها منظمة الصحة العالمية ضمن أكبر التهديدات التي تواجه صحة الإنسان، تقاوم مضادات حيوية متعددة. وفي عام 2019، ارتبطت مقاومة مضادات البكتيريا بوفاة 4.95 مليون شخص حول العالم، ما زاد الحاجة إلى خيارات علاجية أكثر فعالية.
إحدى الطرق التي تستطيع بها البكتيريا تطوير مقاومة للمضادات الحيوية تتمثل في استخدام تراكيب موجودة في أغشيتها ومصممة لإخراج الجزيئات غير المرغوب فيها من الخلية. ومن خلال تعديل هذه «مضخات الطرد» بحيث تتعرف على المضاد الحيوي، تستطيع البكتيريا التخلص من الدواء قبل أن يتسبب في تسممها.
واتضح أن بعض العاثيات تستخدم مضخات الطرد نفسها للدخول إلى الخلية البكتيرية. ومن المفترض أن تلتصق العاثية بذيلها بالجزء الخارجي من بروتين المضخة، مثل مفتاح ينزلق داخل قفل، ثم تحقن مادتها الوراثية داخل الخلية. وقد دفع هذا التوافق المحظوظ بول تيرنر، عالم الأحياء التطورية في جامعة ييل، إلى اقتراح أن علاج المريض بالعاثيات والمضادات الحيوية في الوقت نفسه يمكن أن يحاصر البكتيريا في وضع لا مخرج منه. فإذا طورت البكتيريا قدرة على تعديل مضخات الطرد لديها بحيث لا تتمكن العاثية من الارتباط بها، فلن تعود هذه المضخات قادرة على طرد المضادات الحيوية، وستفقد البكتيريا مقاومتها. أما إذا حافظت على مقاومتها للمضادات الحيوية، فستقتلها العاثيات، كما أوضح تيرنر وزملاؤه في مجلة «المراجعة السنوية لعلم الفيروسات» عام 2023.
يقول مايكل هوشبرغ، عالم الأحياء التطورية في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، الذي يدرس كيفية منع تطور مقاومة البكتيريا، إن النتيجة هي هجوم ذو شقين. ويقول: «إنه يشبه نوعًا ما تأثيرًا متقاطعًا». ويمكن للمبدأ نفسه أن يستهدف جزيئات بكتيرية أخرى تؤدي دورًا مزدوجًا في مقاومة الفيروسات والمضادات الحيوية.
اختبر تيرنر هذه الفرضية على بكتيريا الزائفة الزنجارية المقاومة لأدوية متعددة، وهي بكتيريا تسبب عدوى خطيرة، ولا سيما في مرافق الرعاية الصحية. وتمتلك هذه البكتيريا أربع مضخات طرد تشارك في مقاومة المضادات الحيوية، وتوقع تيرنر أنه إذا تمكن من العثور على عاثية تستخدم إحدى هذه المضخات بوصفها طريقًا للدخول إلى الخلية، فستضطر البكتيريا إلى إغلاق الباب أمام العاثية من خلال تحوير المستقبل، ما سيعيق قدرتها على ضخ المضادات الحيوية إلى الخارج.
ومن خلال أخذ عينات من البيئة، جمع فريق تيرنر 42 سلالة من العاثيات التي تصيب الزائفة الزنجارية. ومن بين جميع العاثيات، ارتبطت إحداها، وهي OMKO1، بإحدى مضخات الطرد، ما جعلها المرشح المثالي للتجربة.
بعد ذلك زرع الباحثون بكتيريا الزائفة الزنجارية المقاومة للمضادات الحيوية مع OMKO1، على أمل أن يجبر ذلك البكتيريا على تعديل مضخة الطرد لديها لمقاومة العاثية. ثم عرّضوا هذه البكتيريا المقاومة للعاثيات، إلى جانب نظيراتها الطبيعية الحساسة للعاثيات، لأربعة مضادات حيوية كانت البكتيريا قد طورت مقاومة لها، وهي التتراسيكلين والإريثرومايسين والسيبروفلوكساسين والسيفتازيديم.
وكما توقعت النظرية، كانت البكتيريا التي طورت مقاومة للعاثية أكثر حساسية للمضادات الحيوية من البكتيريا التي لم تتعرض للعاثية. وهذا يشير إلى أن البكتيريا أُجبرت بالفعل على التخلي عن مقاومتها للمضادات الحيوية بسبب حاجتها إلى مقاومة العاثية.
وأظهر باحثون آخرون أيضًا أن التوجيه بالعاثيات يمكن أن يعيد حساسية البكتيريا تجاه المضادات الحيوية الشائعة التي كانت قد طورت مقاومة لها. ففي إحدى الدراسات، أظهر فريق بحثي دولي أن عاثية تسمى Phab24 يمكن استخدامها لإعادة حساسية بكتيريا الراكدة البومانية للمضاد الحيوي كوليستين، وهي بكتيريا تسبب أمراضًا تهدد الحياة.
وفي دراسة ثانية، أخذ باحثون في جامعة موناش بأستراليا عينات من بكتيريا ممرضة لدى المرضى. ووجدوا أن عدة عاثيات، من بينها سلالات تعرف باسم ΦFG02 وΦCO01، دفعت البكتيريا إلى تعطيل جين يساعد على تكوين طبقتها الخارجية المهمة، أو كبسولتها. وتعمل هذه الطبقة بوصفها نقطة دخول للعاثيات، لكنها تساعد البكتيريا أيضًا على تكوين أغشية حيوية تمنع المضادات الحيوية من الوصول إليها. ولذلك أدى التخلص من هذه الطبقة إلى جعل الراكدة البومانية حساسة لعدة مضادات حيوية كانت قد طورت مقاومة لها سابقًا.
وفي دراسة ثالثة، اكتشف باحثون من جامعة ليفربول أنه عندما تعرضت سلالة من الزائفة الزنجارية كانت مقاومة لجميع المضادات الحيوية للعاثيات، أصبحت البكتيريا حساسة لمضادين حيويين كانا يُعدان غير فعالين في الأصل ضد الزائفة الزنجارية.
ويقول بنجامين تشان، عالم الأحياء الدقيقة في جامعة ييل الذي يعمل مع تيرنر، إن فريق تيرنر استخدم التوجيه بالعاثيات في عشرات الحالات من العلاج الشخصي ضمن بيئات سريرية. ويقول تشان إن النتائج، التي لا يزال كثير منها غير منشور، كانت واعدة حتى الآن. ومن السهل نسبيًا التخلص من العدوى غير التنفسية، كما أن التهابات الرئة، التي لا يُتوقع أن يتمكن نهج التوجيه بالعاثيات من القضاء عليها بالكامل، غالبًا ما تظهر بعض التحسن. ويقول: «أستطيع القول إننا حققنا نجاحًا كبيرًا إلى حد ما في استخدام التوجيه بالعاثيات لعلاج العدوى صعبة التدبير، وتقليل مقاومة مضادات الميكروبات في كثير من الحالات». لكنه يشير إلى أنه يصعب أحيانًا تحديد ما إذا كان التوجيه بالعاثيات هو المسؤول فعلًا عن حالات الشفاء.
قد لا ينجح العلاج بالعاثيات مع جميع أنواع البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، كما يقول عالم الأحياء الجزيئية غراهام هاتفول من جامعة بيتسبرغ. ويرجع ذلك إلى أن العاثيات شديدة التخصص في العائل الذي تصيبه، وبالنسبة إلى معظم العاثيات، لا يعرف أحد ما الهدف الذي ترتبط به على سطح الخلية البكتيرية. ولكي ينجح التوجيه بالعاثيات في مواجهة مقاومة المضادات الحيوية، يجب أن ترتبط العاثية بجزيء يشارك في تلك المقاومة، وليس من الواضح مدى تكرار حدوث هذا التوافق المحظوظ.
ويقول جيسون غيل، الذي يدرس بيولوجيا العاثيات في جامعة تكساس إيه آند إم، إنه ليس من السهل التنبؤ بما إذا كانت عاثية معينة ستؤدي إلى استعادة حساسية البكتيريا للمضادات الحيوية. ولذلك يتعين البحث عن الفيروس المناسب في كل مرة.
ويعرف غيل من تجربته مدى تعقيد هذا النهج. فقد كان جزءًا من فريق من الباحثين والأطباء استخدم العاثيات لعلاج مريض مصاب بعدوى بالراكدة البومانية المقاومة لعدة أدوية. وبعد أقل من أربعة أيام على إعطاء الفريق العاثيات عن طريق الوريد ومن خلال الجلد، استيقظ المريض من غيبوبة وأصبح مستجيبًا للمضاد الحيوي مينوسيكلين، الذي كان غير فعال سابقًا، في نجاح لافت.
لكن عندما حاول غيل إجراء تجربة مماثلة في مزارع الخلايا، حصل على نتيجة مختلفة. فقد طورت الراكدة البومانية مقاومة للعاثيات، لكنها حافظت أيضًا على مقاومتها للمينوسيكلين. يقول غيل: «لا يوجد فهم آلي كامل للعملية. ومن المحتمل أن تختلف العلاقة بين مقاومة العاثيات والحساسية للمضادات الحيوية باختلاف سلالة البكتيريا والعاثية والمضاد الحيوي». وهذا يعني أن التوجيه بالعاثيات قد لا ينجح دائمًا، بحسب قوله.
ومن جانبه، يشير تيرنر إلى مشكلة محتملة أخرى، وهي أن العاثيات قد تكون فعالة أكثر من اللازم. فإذا أدى العلاج بالعاثيات، على سبيل المثال، إلى قتل كميات كبيرة من البكتيريا وترسب بقاياها في مجرى الدم بسرعة، فقد يؤدي ذلك إلى حدوث صدمة إنتانية لدى المرضى. ولا يعرف العلماء حتى الآن كيفية التعامل مع هذه المشكلة.
وهناك مصدر قلق آخر يتمثل في أن الأطباء يمتلكون قدرة أقل على التحكم الدقيق في العاثيات مقارنة بالمضادات الحيوية. يقول هوشبرغ: «يمكن للعاثيات أن تتحور، ويمكنها أن تتكيف، ولديها جينوم». ويشير إلى أن المخاوف المتعلقة بالسلامة تمثل أحد العوامل التي تعيق الاستخدام الروتيني للعلاج بالعاثيات في دول مثل الولايات المتحدة، وتجعله مقتصرًا على تطبيقات تُقيّم حالة بحالة، مثل الحالات التي يعمل عليها تيرنر وتشان.
ربما كان العلاج بالعاثيات متقدمًا تقنيًا أكثر من اللازم بالنسبة إلى أربعينيات القرن العشرين، وحتى اليوم لا يزال العلماء يكافحون لفهم أفضل الطرق لاستخدامه. يقول تيرنر إن ما نحتاج إليه الآن هو تجارب صارمة تعلمنا كيفية جعل هذا العلاج يعمل.
