عندما زار سي مايكل غيبسون طبيبه في بوسطن في ربيع عام 2023، كانت نتائج تحاليل الدم محيرة. كانت مستويات الكوليسترول لديه جيدة إلى حد ما، فقد كان يتناول بالفعل أدوية الستاتين للحفاظ على انخفاض مستوى الكوليسترول «الضار»، لكن الشرايين التي تنقل الدم إلى قلبه كانت رغم ذلك ممتلئة بترسبات خطيرة. يقول غيبسون، وهو نفسه طبيب قلب في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي: «لم يكن الأمر منطقيًا».
لذلك طلب غيبسون من طبيبه فحص مستوى نوع محدد من الكوليسترول في دمه، يُعرف باسم البروتين الدهني أ. وهنا ظهر التفسير، فقد كان لديه أكثر من ضعف المستوى الطبيعي من هذا النوع من الكوليسترول. واتضح أن غيبسون من الأشخاص غير المحظوظين الذين ورثوا استعدادًا لارتفاع مستويات البروتين الدهني أ، وهو يشتبه في أن جده، الذي توفي بنوبة قلبية عن عمر يناهز 45 عامًا، كان يعاني من الحالة نفسها.
يمتلك نحو شخص واحد من كل خمسة أشخاص هذا الاستعداد الوراثي المؤسف، ولا يوجد ما يمكنهم فعله لمواجهته، لكن هذا قد يتغير قريبًا. إذ يبحث العلماء في أدوية يمكنها خفض مستويات البروتين الدهني أ، إلى جانب أساليب أخرى قد تقلل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بدرجة أكبر مما تستطيع أدوية الستاتين فعله.
وقد كانت أدوية الستاتين، التي اعتُمدت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي لخفض مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة، أداة منقذة للحياة، إذ تقلل خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية بنسبة تصل إلى 50 في المئة لدى أكثر من 200 مليون شخص حول العالم يتناولون هذه الأدوية. ومع ذلك، لا يزال بعض مستخدمي الستاتين يصابون بأمراض القلب، بل إن بعضهم يموتون بسببها. ولا تزال أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الرئيسي للوفاة في الولايات المتحدة وحول العالم. ومن الواضح أن هناك شيئًا مفقودًا في الصورة المتعلقة بالكوليسترول.
وتشمل الصورة التي بدأت تتضح اليوم ليس فقط الكوليسترول الضار، أو كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة، والكوليسترول الجيد، أو كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة، بل أيضًا البروتين الدهني أ ومادة أخرى لا تزال غير مفهومة جيدًا تُعرف باسم «كوليسترول البقايا». ويهدف الباحثون الطبيون إلى تقليل مستويات جميع هذه الأنواع باستثناء كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة. أما هذا الكوليسترول نفسه، فعلى الرغم من أنه لا يزال يُنظر إليه على أنه مفيد، فقد اتضح أنه أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا. ولم تؤدِ المحاولات المختلفة لرفع مستوياته إلى تحسين صحة الناس بما يتجاوز ما تحققه أدوية الستاتين بالفعل.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الخيبة وغيرها من خيبات الأمل التي لم تحقق فيها الأدوية النتائج المتوقعة، يشعر كثير من الباحثين بالتفاؤل تجاه العلاجات التي تخضع حاليًا للتجارب السريرية. ويقول ستيفن نيكولز، طبيب القلب في مؤسسة موناش هيلث في ملبورن بأستراليا: «إنه وقت مثير للغاية حقًا».
كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة
على الرغم من سمعته السيئة بين المهتمين بالصحة، يؤدي الكوليسترول أدوارًا مهمة في أجسامنا. فهو يساعد على التحكم في استقرار أغشية الخلايا وسيولتها، كما يمثل مادة أولية مهمة لصناعة هرمونات مثل التستوستيرون والإستروجين. وما يهم بالنسبة إلى صحتنا هو الجهة التي يرافقها جزيء الكوليسترول أثناء انتقاله داخل الجسم.
وبسبب طبيعته الشمعية، لا يمتزج الكوليسترول جيدًا بالماء، ولذلك لا يستطيع الانتقال عبر مجرى الدم بمفرده. فجزيئات الكوليسترول المنفردة ستنفصل عن الدم، تمامًا كما ينفصل الزيت عن الماء. والحل الذي يستخدمه الكوليسترول هو الارتباط بمعقدات من البروتينات والدهون تُعرف باسم البروتينات الدهنية، وهي التي تنقله داخل الجسم. وتشمل هذه الناقلات البروتين الدهني منخفض الكثافة والبروتين الدهني مرتفع الكثافة وأنواعًا أخرى. ولا يقتصر دور الكوليسترول على كونه حمولة تحملها هذه الجزيئات، بل يمثل أيضًا جزءًا بنيويًا منها.
تتكون البروتينات الدهنية في الأمعاء والكبد، وهي تنقل الكوليسترول والدهون إلى أنسجة الجسم. وتذهب الدهون إلى العضلات لاستخدامها في إنتاج الطاقة، أو إلى الأنسجة الدهنية لتخزينها. أما الكوليسترول فيُسلّم إلى الأنسجة ليُستخدم في تكوين أغشية الخلايا أو إنتاج الهرمونات. ويمكن أيضًا إعادة الكوليسترول إلى الكبد، حيث يمكن تخزينه، أو دمجه في بروتينات دهنية جديدة، أو تحويله إلى أحماض صفراوية يستخدمها الجهاز الهضمي لتفكيك الدهون، أو إرساله إلى خارج الجسم للتخلص منه.
وعندما تكون جزيئات النقل القادمة من الكبد قد سلّمت معظم دهونها، تتحول إلى جزيئات البروتين الدهني منخفض الكثافة، لكنها تظل محملة بكميات كبيرة من الكوليسترول. وتبدأ المشكلة عندما لا تعود هذه الجزيئات إلى الكبد لإعادة تدويرها، بل تتسلل إلى جدران الأوعية الدموية وتتعرض لتغيرات كيميائية. وهناك تحفز أو تزيد من حدة استجابة مناعية تُعرف بالالتهاب. واستجابة لذلك، تصل الخلايا المناعية لابتلاع جزيئات البروتين الدهني منخفض الكثافة، لكن إذا ابتلعت كمية كبيرة منها، فقد تعلق داخل جدار الوعاء الدموي. وهنا تبدأ الخطوات الأولى لتكوين لويحة تصلب الشرايين.
ومع مرور الوقت، تتراكم داخل هذه اللويحة كميات أكبر من الكوليسترول والدهون والخلايا المناعية، مما يقلل المساحة التي يمكن للدم أن يتدفق عبرها وينقل الأكسجين إلى الأنسجة. وإذا حدت اللويحة من تدفق الدم إلى القلب، فقد تسبب ألمًا في الصدر يُعرف بالذبحة الصدرية. كما يمكن أن تؤدي اللويحة إلى تكوين جلطة دموية، قد تنفصل وتسد أوعية دموية في مكان آخر. ويمكن للجلطة أن تسبب سكتة دماغية، على سبيل المثال، أو نوبة قلبية.
ومن الواضح اليوم أن انخفاض مستوى كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة في مجرى الدم أفضل للصحة. وتنجح أدوية الستاتين في تحقيق ذلك، إذ تخفض مستويات هذا الكوليسترول بما يصل إلى نحو النصف. وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى تأثير أكبر، أو الذين لا يستطيعون تحمل أدوية الستاتين بسبب آثار جانبية مثل آلام العضلات أو ضعفها، توجد أدوية أحدث. ويقول ستيفن نيسن، طبيب القلب في كليفلاند كلينك في أوهايو: «أصبح لدينا الآن القدرة على خفض مستوى كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة لدى أي شخص تقريبًا إلى النطاق الذي نعتبره مناسبًا».
البروتين الدهني أ
لكن علاجات خفض كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة لا تحقق عمومًا تأثيرًا كبيرًا في مستويات البروتين الدهني أ، الذي يُنطق «بروتين دهني ليتل إيه». وتتكون هذه المادة من جزيئات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة إلى جانب بروتين إضافي يسمى البروتين الشحمي أ. ولا يزال هذا النوع غامضًا بالنسبة إلى العلماء، إذ لا يعرفون وظيفته الطبيعية. ومع ذلك، ونظرًا إلى أن البروتين الشحمي أ يشبه إلى حد ما بروتينًا يشارك في تخثر الدم، فقد يكون له دور في التئام الجروح. لكن يبدو أنه ليس ضروريًا جدًا لبقاء الحيوانات، إذ إن الجين الذي يحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتين الشحمي أ موجود، على نحو غريب، لدى بعض أنواع الرئيسيات فقط. وقد تطور جين مشابه لدى القنافذ.
كما لا يزال من غير الواضح لماذا يُعد البروتين الدهني أ شكلًا سيئًا من الكوليسترول، لكنه بالتأكيد يسبب مشكلات في كثير من الأحيان. فهو ينقل الكوليسترول إلى جدران الأوعية الدموية مثلما يفعل البروتين الدهني منخفض الكثافة، ويعزز تخثر الدم الذي يمكن أن يسد الشرايين، كما يمكنه تحفيز الالتهاب وزيادة خطر تشكل الجلطات. وإذا كان مستوى البروتين الدهني أ لديك مرتفعًا، فالأمر مؤسف. ويقول غيبسون: «أدوية الستاتين لن تخفضه. والتمارين الرياضية لا تخفضه. والنظام الغذائي لا يخفضه».
يمكن لبعض الأدوية الأحدث الخافضة لكوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة أن تخفض مستوى البروتين الدهني أ بدرجة محدودة، لكن من المرجح أن هذا الانخفاض ليس كافيًا لتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بشكل ملحوظ، بحسب أناند روهاتغي، طبيب القلب في المركز الطبي التابع لجامعة تكساس ساوث وسترن في دالاس. وفي الحالات الشديدة، لا يستطيع الأطباء سوى إجراء عملية لتنقية الدم تُعرف باسم فصادة الدم، تُجرى بصورة منتظمة لإزالة البروتين الدهني أ.
ولفترة طويلة، تجاهل الأطباء البروتين الدهني أ. تقول براكريتي غابا، طبيبة القلب في مستشفى بريغهام والنساء في بوسطن: «لم يكن أحد يقيسه، لأنك لم تكن تستطيع فعل أي شيء حياله». لكن هذا قد يتغير الآن، مع قيام عدة مجموعات باختبار أدوية تستهدف هذه المادة. وقد فحصت غابا مستوياتها بنفسها خلال مؤتمر لأطباء القلب، حيث ظهرت مؤخرًا أجنحة تقدم فحوصًا مجانية لهذا النوع من الكوليسترول.
وتستخدم كثير من هذه الأدوية التجريبية تقنيات وراثية لإسكات الجين المسؤول عن إنتاج البروتين الشحمي أ. وفي عدد قليل من الدراسات الصغيرة التي شملت عشرات إلى بضع مئات من المشاركين في كل دراسة، نجحت علاجات مختلفة تستهدف هذا الجين في خفض مستويات البروتين الدهني أ بنسب متفاوتة، تراوحت بين عدم حدوث أي تغيير ووصول الانخفاض إلى 92 في المئة. لكن لا يزال من غير المعروف ما إذا كان خفض مستوى البروتين الدهني أ سيؤدي فعلًا إلى تقليل مشكلات القلب والأوعية الدموية. وتقول ليزلي تشو، طبيبة القلب في كليفلاند كلينك التي تشارك في قيادة إحدى التجارب: «لن نعرف ذلك في الوقت الحالي».
وتُعد دراسة HORIZON التي تقودها تشو الأكثر تقدمًا، وهي تختبر علاجًا يعتمد على إسكات الجين المسؤول عن إنتاج البروتين الدهني أ، مقارنة بدواء وهمي، لدى أكثر من 8300 شخص لديهم مستويات مرتفعة من البروتين الدهني أ وتاريخ من مشكلات القلب مثل النوبات القلبية أو السكتات الدماغية. والأمل هو أن يؤدي خفض البروتين الدهني أ إلى تقليل معدلات النوبات القلبية والسكتات الدماغية والحاجة إلى إجراءات طبية لتحسين تدفق الدم والوفاة. لكن لم يكن من المتوقع ظهور نتائج دراسة HORIZON قبل عام 2025. وهناك تجربة أخرى تشارك غابا فيها، تُعرف باسم OCEAN(a) Outcomes، تختبر نهجًا مشابهًا لدى نحو 6000 شخص، لكن لم يكن من المتوقع اكتمالها قبل نهاية عام 2026.
كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة
مثلما يُعرف البروتين الدهني أ وكوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة بأنهما من الأنواع الضارة، ظل كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة يُنظر إليه منذ فترة طويلة باعتباره النوع الجيد. ويُعتقد أن جزيئات البروتين الدهني مرتفع الكثافة تساعد من خلال سحب الكوليسترول من اللويحات. ثم تنقل هذا الكوليسترول إلى الكبد لإعادة تدويره أو التخلص منه. ويصف بوب إكل، الطبيب المتقاعد المتخصص في أمراض القلب والتمثيل الغذائي والأستاذ الفخري في كلية الطب بجامعة كولورادو أنشوتز، هذا النظام بأنه «شاحنة جمع القمامة» الخاصة بالكوليسترول في الجهاز القلبي الوعائي.
وإذا كانت المستويات المرتفعة من كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة مفيدة، فقد استنتج العلماء أن زيادة عدد أفراد فريق التنظيف هذا ستكون أفضل. ويمكن لممارسة الرياضة وفقدان الوزن أن يرفعا مستوى هذا الكوليسترول. وحاول العلماء تحقيق الأمر نفسه باستخدام الأدوية، لكن النتائج كانت مخيبة للآمال. فقد رفعت الأدوية بالفعل مستويات كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة، لكنها لم تنقذ حياة الأشخاص الذين كانوا يتناولون أدوية الستاتين بالفعل، كما كانت أقل فعالية من الستاتين في منع النوبات القلبية والسكتات الدماغية. ويقول أناتول كونتوش، عالم الكيمياء الحيوية المتخصص في الدهون في جامعة السوربون في باريس: «باختصار شديد، فشلت الأساليب الرامية إلى رفع مستوى كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة. لم ينجح شيء فعليًا».
وليس واضحًا تمامًا سبب فشل رفع مستوى كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة لدى الأشخاص الذين يتناولون الستاتين. وربما كانت فكرة زيادة هذا الكوليسترول خاطئة من الأساس. فقد يكون ارتفاع مستوى كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة مجرد مؤشر على صحة جيدة للقلب والأوعية الدموية، وليس سببًا مباشرًا لها، بحسب روهاتغي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن رفع مستواه بشكل مصطنع لن يكون مفيدًا.
لكن المشكلة ربما تكمن أيضًا في فهم مبسط للغاية لكوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة. فالعلماء يعرفون الآن أن هذا النوع من البروتين الدهني يأتي في أشكال عديدة ويمكنه أداء وظائف متعددة. وإلى جانب إزالة الكوليسترول من اللويحات، يمكنه مكافحة الالتهاب، وهذا أمر جيد. لكن في بعض الأحيان يمكن أن يتحول البروتين الدهني مرتفع الكثافة إلى عامل ضار ويعزز الالتهاب بدلًا من مقاومته، بحسب تشو، رغم أن الآلية التي يحدث بها ذلك ليست واضحة. وتضيف أن الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي لإنتاج كميات كبيرة جدًا من كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب.
وقد تكون المشكلة إذن أن الأدوية المختلفة التي صُممت لزيادة كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة ركزت على الكمية بدلًا من الجودة، وزادت النوع الخطأ من هذا الكوليسترول. فعلى سبيل المثال، رفعت إحدى الفئات الواعدة من الأدوية مستويات البروتين الدهني مرتفع الكثافة من خلال تثبيط إنزيم ينقل الكوليسترول بعيدًا عن جزيئات البروتين الدهني مرتفع الكثافة ويعطيه لجزيئات البروتين الدهني منخفض الكثافة. لكن عدة دراسات وجدت أن هذه المثبطات فشلت في تحسين صحة القلب. وربما يكون السبب أن منع انتقال الكوليسترول بعيدًا عن جزيئات البروتين الدهني مرتفع الكثافة يعني أن هذه الجزيئات أصبحت أقل قدرة على التقاط كوليسترول جديد من اللويحات، مما يترك الكوليسترول عالقًا فيها. وبعبارة أخرى، كانت شاحنات جمع القمامة هذه ممتلئة بالفعل.
ولذلك تتمثل الخطة الجديدة، وهي محاولة أخيرة لإنقاذ الأرواح باستخدام البروتين الدهني مرتفع الكثافة، في مساعدة هذا البروتين على أداء وظيفته في إزالة الكوليسترول بصورة أفضل، بدلًا من مجرد زيادة كميته. فعلى سبيل المثال، يرأس غيبسون تجربة سريرية لدواء يسمى CSL112. ويتكون هذا الدواء من المكون البروتيني الرئيسي لجزيئات البروتين الدهني مرتفع الكثافة، أي المادة الأولية اللازمة لتكوين هذه الجزيئات، لكنها لا تزال خالية من الكوليسترول. ويبدو أن جزيئات CSL112 تعمل من خلال تكوين جزيئات جديدة من البروتين الدهني مرتفع الكثافة تكون مهيأة لحمل أكبر قدر ممكن من الكوليسترول.
وفي دراسة أولية شملت أكثر من 1200 شخص، تلقى ثلثا المشاركين تقريبًا حقنًا من CSL112، وكان العلاج آمنًا. وعندما أخذ العلماء عينات من الدم لإجراء اختبارات مخبرية، وجدوا أنه كلما ارتفعت جرعة CSL112 التي تلقاها المشاركون، ازدادت قدرة دمائهم على سحب الكوليسترول.
وفي دراسة أخرى تُعرف باسم AEGIS II، اختبر الباحثون حقن CSL112 لدى مجموعة أكبر من الأشخاص الذين أصيبوا للتو بنوبة قلبية، وكان من المرجح أن يستفيدوا أكثر من العلاج. وتابعت الدراسة 18200 شخص لمدة عام، وهدفت إلى معرفة ما إذا كان CSL112 يمنع حدوث نوبات قلبية ثانية وسكتات دماغية ووفيات لدى هذه الفئة. وقال نيكولز قبل عدة أشهر: «هذه دراسة كبيرة وحاسمة فعلًا، وإذا لم تنجح، فأعتقد أن المجال بأكمله سيتخلى عن كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة بشكل كامل».
وفي منتصف فبراير، أعلنت شركة CSL، ومقرها كينغ أوف بروسيا في ولاية بنسلفانيا، وهي الشركة المصنعة لـ CSL112، أن الدراسة لم تحقق هدفها الرئيسي المتمثل في خفض الأحداث القلبية الكبرى مثل السكتة الدماغية أو النوبة القلبية أو الوفاة. ولا يزال الباحثون يحللون البيانات، ومن المقرر عرض النتائج بمزيد من التفصيل في مؤتمر الكلية الأمريكية لأمراض القلب في أبريل.
الدهون الثلاثية
إذا بدت الصورة المتعلقة بالبروتين الدهني مرتفع الكثافة غامضة، فإن الوضع أكثر تعقيدًا فيما يتعلق بالدهون الثلاثية، وهي المكون الدهني في الدم الذي تحمله جزيئات البروتينات الدهنية. وتعتمد كمية الدهون الثلاثية لدى الشخص على نمط حياته، بما في ذلك النظام الغذائي وممارسة الرياضة وغير ذلك. وترتبط المستويات المرتفعة من الدهون الثلاثية بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، كما يمكن للمستويات المرتفعة جدًا أن تؤدي إلى التهاب البنكرياس، المعروف باسم التهاب البنكرياس الحاد. ولذلك كان من المنطقي افتراض أن التخلص من الدهون الثلاثية سيكون مفيدًا للصحة، وقد حاولت دراسات كثيرة تحقيق ذلك، لكن النتائج كانت محيرة.
ومن أبرز المرشحين لخفض الدهون الثلاثية علاج يعتمد على زيت السمك، الغني بالأحماض الدهنية أوميغا 3، مثل حمض إيكوسابنتاينويك وحمض دوكوساهيكساينويك. وقد ارتبطت الأنظمة الغذائية الغنية بالأسماك الدهنية أو بأحماض أوميغا 3 منذ فترة طويلة بانخفاض معدلات مشكلات القلب والأوعية الدموية. ويُعتقد أن الأسماك أو مكملات زيت السمك تعمل من خلال تقليل إنتاج الدهون في الكبد.
ولذلك، وفي دراسة تُعرف باسم REDUCE IT، اختبر الباحثون مشتقًا عالي النقاء من حمض إيكوسابنتاينويك لدى أكثر من 4000 شخص مصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية أو مرض السكري. وقارنوا هؤلاء المرضى بعدد مماثل من الأشخاص الذين تلقوا زيتًا معدنيًا خاملًا باعتباره دواءً وهميًا.
للوهلة الأولى، بدت النتائج التي أُعلنت عام 2019 «مذهلة حقًا»، بحسب نيكولز، الذي لم يشارك في التجربة. ففي المجموعة التي تناولت حمض إيكوسابنتاينويك لمدة نحو خمس سنوات، انخفض خطر الإصابة بمشكلات القلب والأوعية الدموية الرئيسية أو الوفاة بنسبة 25 في المئة أو أكثر مقارنة بمن تلقوا الدواء الوهمي. لكن الغريب أن هذه الفائدة ظهرت من دون انخفاض كبير في مستويات الدهون الثلاثية نفسها.
وبعبارة أخرى، يقول كينيث فاينغولد، اختصاصي الغدد الصماء والأستاذ الفخري للطب في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: «إذا كان حمض إيكوسابنتاينويك يعمل، فإنه يفعل شيئًا آخر غير خفض الدهون الثلاثية». فقد يكون له مثلًا تأثير في مقاومة الالتهاب أو في تثبيت أغشية خلايا القلب.
وبناءً على نتائج دراسة REDUCE IT، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في عام 2019 على مشتق حمض إيكوسابنتاينويك عالي النقاء كدواء للأشخاص الذين لديهم مستويات مرتفعة من الدهون الثلاثية وعوامل خطر أخرى للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. لكن الأمور ازدادت تعقيدًا في عام 2020، عندما نشر نيكولز ونيسن وزملاؤهما تجربة أخرى تُعرف باسم STRENGTH. وكانت هذه الدراسة تهدف أيضًا إلى خفض الدهون الثلاثية لدى مرضى مرتفعي الخطورة، بلغ عددهم نحو 6500 شخص، باستخدام مزيج من حمض إيكوسابنتاينويك وحمض دوكوساهيكساينويك. وقارن الباحثون هؤلاء المرضى بأشخاص تلقوا زيت الذرة كدواء وهميًا. لكن الفريق أوقف الدراسة مبكرًا لأنه، رغم انخفاض مستويات الدهون الثلاثية، لم يبدُ أن مزيج حمض إيكوسابنتاينويك وحمض دوكوساهيكساينويك أحدث أي تأثير مفيد في معدلات النوبات القلبية أو السكتات الدماغية أو دخول المستشفى بسبب مشكلات القلب أو الوفاة.
ولا يزال الباحثون يناقشون سبب نجاح دراسة REDUCE IT بينما تعثرت دراسة STRENGTH. وعند إعادة النظر في نتائج REDUCE IT، يرى بعض الخبراء مشكلة في الزيت المعدني الذي استُخدم كدواء وهمي. فقد ارتفعت مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة وعلامات الالتهاب لدى تلك المجموعة، وإذا كان المشاركون في المجموعة الضابطة قد أصبحوا في وضع أسوأ مما كانوا سيكونون عليه لو لم يتلقوا أي شيء، فإن بياناتهم ستجعل العلاج التجريبي يبدو أفضل مما هو عليه في الواقع.
لكن غيبسون، الذي كان جزءًا من فريق REDUCE IT، يقدم تفسيرًا مختلفًا، وهو أن حمض إيكوسابنتاينويك النقي أفضل من مزيج حمض إيكوسابنتاينويك وحمض دوكوساهيكساينويك. واستنادًا إلى النتائج التي توصلت إليها REDUCE IT، يشير إلى دراسة أقدم تعود إلى تسعينيات القرن الماضي قارنت بين أشخاص يتناولون حمض إيكوسابنتاينويك إلى جانب الستاتين وأشخاص يتناولون الستاتين وحده، ووجدت أيضًا عددًا أقل من الأحداث التاجية الكبرى لدى مجموعة حمض إيكوسابنتاينويك.
ثم جاءت في عام 2022 أحدث ضربة للفكرة التي كانت واعدة في السابق بشأن خفض الدهون الثلاثية، وهي تجربة PROMINENT، التي اختبر فيها إكل وزملاؤه دواء يسمى بيمابيفيبرات يخفض مستويات الدهون الثلاثية في الدم. وكان أكثر من 10 آلاف مشارك في الدراسة مصابين بمرض السكري من النوع الثاني، وارتفاع الدهون الثلاثية وانخفاض كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة، وكانوا معرضين لخطر الإصابة بأحداث قلبية وعائية. لكن رغم انخفاض مستويات الدهون الثلاثية بنحو 26 في المئة في المتوسط لدى المجموعة التي تلقت الدواء، لم يُحدث ذلك أي فرق في معدل الأحداث القلبية الوعائية.
وتشير النتائج مجتمعة إلى أن الدهون الثلاثية قد تكون مؤشرًا على سوء صحة القلب والأوعية الدموية من دون أن تكون هي السبب وراء المشكلة. ويخلص إكل إلى أن «الدهون الثلاثية كانت مجرد متفرجين أبرياء». لكنه يضيف أن الاستثناء قد يتمثل في الأشخاص الذين لديهم مستويات مرتفعة جدًا من الدهون الثلاثية، والذين يكونون معرضين لخطر الإصابة بالتهاب البنكرياس، وقد يظلون مستفيدين من علاجات خفض الدهون الثلاثية.
كوليسترول البقايا
هذا مصطلح يُستخدم بصورة غير دقيقة إلى حد ما، ولا تزال العلوم المتعلقة به في طور الاستقرار. ففي عيادة الطبيب، يفترض الأطباء أن أي كوليسترول ليس من البروتين الدهني مرتفع الكثافة أو البروتين الدهني منخفض الكثافة يمثل جزءًا متبقيًا أو «بقايا». ومن وجهة نظر جزيئية، فإن كوليسترول البقايا هو بروتين دهني ناقل للدهون في مرحلة وسطية. فقد غادر الكبد محملًا بالدهون والكوليسترول، وسلّم بعض الدهون الثلاثية إلى أنسجة الجسم، لكنه لم يتخلص من كمية كبيرة من حمولته بحيث يتحول إلى بروتين دهني منخفض الكثافة. كما تتحول الكيلوميكرونات القادمة من الأمعاء إلى جزيئات متبقية بعد استنفاد الدهون التي تحملها.
وعند الأشخاص الذين يتمتعون بعملية أيض صحية، يتخلص الجسم بسرعة من الجزيئات المتبقية. لكن إذا كان الشخص يعاني من مشكلة مثل مرض السكري أو السمنة، فقد تبقى هذه البقايا الدهنية في الجسم لفترة أطول. وقد يتراكم كوليسترول البقايا داخل لويحات تصلب الشرايين، وربما يكون خطره مماثلًا لخطر كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة التقليدي المعروف باسم الكوليسترول الضار. وقد ربطت بعض الدراسات بالفعل بين المستويات المرتفعة من كوليسترول البقايا وأمراض القلب والأوعية الدموية، بشكل مستقل إلى حد كبير عن قياسات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة لدى المرضى. وهذا يشير إلى أن التخلص من هذه البقايا قد يكون مفيدًا.
ومع ذلك، لا تزال هذه المواد أشبه بصندوق أسود إلى حد ما. ويقول فاينغولد: «ما زلنا لا نعرف بدقة كيفية تعريفها، ولا نعرف بدقة كيفية قياسها، ولذلك من الصعب نوعًا ما أن نكون دقيقين بشأن البقايا». ومع ذلك، يهتم بعض الباحثين بالعلاجات التي قد تستهدف هذه البقايا، إضافة إلى الدهون الثلاثية أو بدلًا منها. فعلى سبيل المثال، يختبر نيكولاس مارستون، طبيب القلب في مستشفى بريغهام والنساء، وزملاؤه دواء يسمى أوليزارسن، ويقول إنه يبدو أنه يعزز التخلص من الجزيئات التي تحمل الكوليسترول. لكن الأمر سيتطلب مزيدًا من الدراسات لمعرفة ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى انخفاض مشكلات القلب والأوعية الدموية.
ويقول نيسن إن كوليسترول البقايا «مهم على الأرجح»، ولذلك، وعلى الرغم من أن العلوم المتعلقة به لا تزال في مراحلها الأولى، فإنه يشعر بالتفاؤل بشأن الإمكانات التي قد توفرها العلاجات التي تستهدفه.
وخلاصة القول، إن الصورة التي بدأت تتشكل تشير إلى أن بعض أشكال كوليسترول البروتين الدهني مرتفع الكثافة مفيدة، بينما تكون جميع البروتينات الدهنية الأخرى ضارة. وقد يكون أفضل نهج، بحسب الخبراء، هو خفض جميع أنواع الكوليسترول غير المرتبطة بالبروتين الدهني مرتفع الكثافة، سواء من خلال النظام الغذائي وممارسة الرياضة أو باستخدام بعض الأدوية الجديدة، إذا أثبتت فعاليتها.
ويقول فاينغولد: «إذا لم يكن بروتينًا دهنيًا مرتفع الكثافة، فعلينا تقليله إلى أدنى مستوى ممكن. كلما كان أقل، كان أفضل».
