القائمة الرئيسية

التواصل الحيوي بين التنفس والدماغ

التواصل الحيوي بين التنفس والدماغ
ملخص المقال

التنفس، وهو سلوك حيوي وتلقائي يُعد معجزة فسيولوجية، ضروري للحياة لتزويد الجسم بالأكسجين والتخلص من ثاني أكسيد الكربون. يدير الدماغ هذه العملية المعقدة والموثوقة والمرنة في آن واحد، حيث يتكيف معدل التنفس مع التوتر والنشاط البدني ويتناسق بسلاسة مع سلوكيات كالأكل والكلام والتنهد. وقد كشف الباحثون عن آليات عصبية لهذه العملية، أبرزها تحديد "المركب ما قبل بوتزينغر" (preBötC) في جذع الدماغ كمولد للإيقاع التنفسي، بالإضافة إلى دوائر عصبية تتحكم في التنهد وإصدار الأصوات. ولا يقتصر تأثير التنفس على الجانب الفسيولوجي، بل يمتد ليشمل حالتنا الذهنية، حيث يؤثر في المشاعر والإدراك والذاكرة من خلال مزامنة التذبذبات الكهربائية في مناطق واسعة من الدماغ، خصوصًا عند التنفس عبر الأنف. وتُظهر دراسات حديثة أن تقنيات التنفس المنضبط، المستوحاة من ممارسات قديمة كاليوغا، يمكن أن تسهم في تهدئة العقل وعلاج اضطرابات القلق والمزاج، مما يجعل التنفس أداة قوية ومتعددة الأوجه للصحة الجسدية والعقلية.

إذا كنت محظوظًا بما يكفي لتعيش حتى سن الثمانين، فمن المحتمل أن تأخذ خلال حياتك ما يصل إلى مليار نفس، وأن تستنشق وتزفر كمية من الهواء تكفي لملء نحو 50 منطادًا من مناطيد غووديير أو أكثر. نحن نأخذ نحو 20 ألف نفس يوميًا، فنستنشق الأكسجين الذي تحتاج إليه خلايانا وأنسجتنا لإنتاج الطاقة، ونتخلص من ثاني أكسيد الكربون الذي يتراكم في الجسم نتيجة عمليات الأيض الخلوي. والتنفس ضروري للحياة إلى درجة أن الإنسان يموت عادة خلال دقائق قليلة إذا توقف عن التنفس.

إنه سلوك تلقائي إلى حد كبير لدرجة أننا نميل إلى اعتباره أمرًا مسلمًا به. لكن التنفس في الحقيقة يمثل أعجوبة فسيولوجية، فهو موثوق للغاية ومرن بصورة مذهلة في الوقت نفسه. ويمكن لمعدل التنفس أن يتغير تقريبًا في لحظة استجابة للتوتر أو الاستثارة، بل يمكن أن يتغير حتى قبل أن يبدأ النشاط البدني بالازدياد. كما أن التنفس يتناسق بسلاسة شديدة مع سلوكيات أخرى مثل تناول الطعام والتحدث والضحك والتنهد، لدرجة أنك ربما لم تلاحظ من قبل كيف يتغير تنفسك ليتلاءم معها. ويمكن للتنفس أيضًا أن يؤثر في حالتك الذهنية، وهو ما يظهر في ممارسات التنفس المنضبط التي تتبعها رياضة اليوغا وغيرها من التقاليد التأملية القديمة.

وفي السنوات الأخيرة، بدأ الباحثون في الكشف عن بعض الآليات العصبية الكامنة وراء التنفس وتأثيراته العديدة في الجسم والعقل. ففي أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حدد علماء الأعصاب شبكة من الخلايا العصبية في جذع الدماغ تعمل على تحديد إيقاع التنفس. وكان هذا الاكتشاف نقطة انطلاق لأبحاث تبحث في كيفية دمج الدماغ للتنفس مع السلوكيات الأخرى. وفي الوقت نفسه، بدأ الباحثون في العثور على أدلة تشير إلى أن التنفس قد يؤثر في نشاط مناطق واسعة من الدماغ، بما في ذلك مناطق تؤدي أدوارًا مهمة في المشاعر والإدراك.

يقول جاك إل. فيلدمان، عالم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وأحد المشاركين في تأليف مقال حديث حول التفاعل بين التنفس والمشاعر نُشر في مجلة Annual Review of Neuroscience: «للتنفس وظائف كثيرة. وهو أمر معقد للغاية لأننا نغير باستمرار وضعية أجسامنا وعمليات الأيض لدينا، ولذلك يجب أن يكون التنفس منسقًا مع كل هذه السلوكيات الأخرى».

كل نفس سيمفونية من الرئتين والعضلات والدماغ

في كل مرة تستنشق فيها الهواء، تمتلئ رئتاك بهواء غني بالأكسجين، ثم ينتشر الأكسجين من الرئتين إلى مجرى الدم ليُنقل بعد ذلك إلى أنحاء الجسم. وتحتوي الرئتان البشريتان عادة على نحو 500 مليون كيس هوائي صغير يُعرف باسم الحويصلات الهوائية، وهي أكياس دقيقة تنتقل عبر جدرانها الغازات بين الممرات الهوائية ومجرى الدم. وتبلغ المساحة السطحية الإجمالية لهذا السطح الذي يحدث عنده تبادل الغازات نحو 750 قدمًا مربعًا، أي أكبر قليلًا من مساحة شقة نموذجية مؤلفة من غرفة نوم واحدة في سان فرانسيسكو، وأصغر قليلًا من مساحة ملعب لكرة المضرب.

يقول فيلدمان: «الشيء المذهل في الثدييات، بما فيها البشر، هو أننا نحشر مساحة سطحية هائلة داخل صدورنا». وكلما زادت مساحة السطح، زادت كمية الغازات التي يمكن تبادلها في كل ثانية.

لكن الرئتين لا تستطيعان القيام بهذه المهمة بمفردهما. فهما في الأساس كيسان رخوا الملمس من الأنسجة. ويقول فيلدمان: «لكي تنجح هذه العملية، يجب ضخ الهواء إلى الرئتين كما يحدث مع المنفاخ». وهذا هو ما يحدث بالفعل. ففي كل عملية شهيق، تنقبض عضلة الحجاب الحاجز الموجودة في الجزء السفلي من تجويف الصدر، فتهبط إلى الأسفل بنحو نصف بوصة. وفي الوقت نفسه، تتحرك العضلات الوربية الموجودة بين الأضلاع بالقفص الصدري إلى أعلى وإلى الخارج، وهو ما يؤدي إلى توسيع الرئتين وسحب الهواء إلى داخلهما. وإذا سبق أن تعرضت لضربة في المعدة أفقدتك القدرة على التنفس للحظات، فأنت تعرف تأثير الحجاب الحاجز، وإذا سبق أن تناولت أضلاعًا مشوية، فقد تعاملت مع العضلات الوربية دون أن تدرك ذلك.

وفي حالة الراحة، تنقبض هذه العضلات فقط أثناء الشهيق. أما الزفير فيحدث بصورة سلبية عندما ترتخي العضلات وتنكمش الرئتان. وأثناء ممارسة الرياضة، تنقبض مجموعات مختلفة من العضلات لدفع الهواء إلى الخارج بصورة نشطة وتسريع عملية التنفس.

وعلى عكس عضلة القلب، التي تحتوي على خلايا منظمة لضرباتها تحدد إيقاعها، تتلقى العضلات التي تتحكم في التنفس أوامرها من الدماغ. ونظرًا إلى الأهمية الحيوية لهذه الإشارات الدماغية، فقد استغرق العلماء وقتًا طويلًا بشكل مفاجئ حتى تمكنوا من تحديد مصدرها. وكان أحد أوائل من تساءلوا عن مصدر هذه الإشارات جالينوس، الطبيب اليوناني الذي لاحظ أن المصارعين الذين تنكسر أعناقهم فوق مستوى معين كانوا يفقدون القدرة على التنفس بصورة طبيعية. وأشارت تجارب لاحقة إلى جذع الدماغ، وفي ثلاثينيات القرن العشرين، أثبت عالم وظائف الأعضاء البريطاني إدغار أدريان أن جذع دماغ سمكة ذهبية بعد تشريحه يستمر في إنتاج نشاط كهربائي إيقاعي، واعتقد أن هذا النشاط يمثل الإشارة التي تولد النمط الأساسي للتنفس.

لكن الموقع الدقيق لمولد نمط التنفس في جذع الدماغ ظل مجهولًا حتى أواخر ثمانينيات القرن العشرين، عندما تمكن فيلدمان وزملاؤه من تضييق نطاق البحث إلى شبكة تضم نحو 3 آلاف خلية عصبية في جذع دماغ القوارض، بينما تحتوي الشبكة نفسها لدى البشر على نحو 10 آلاف خلية عصبية. وتُعرف هذه المنطقة الآن باسم «المركب ما قبل بوتزينغر» أو preBötzinger Complex، ويُختصر اسمها إلى preBötC. وتُظهر الخلايا العصبية الموجودة فيها تلقائيًا دفعات إيقاعية من النشاط الكهربائي، ثم تنتقل هذه الإشارات عبر خلايا عصبية وسيطة لتوجه العضلات التي تتحكم في التنفس.

وعلى مر السنين، افترض بعض الأشخاص أن اسم بوتزينغر يعود إلى عالم تشريح شهير، وربما كان ألمانيًا أو نمساويًا، كما يقول فيلدمان. لكن الاسم في الحقيقة جاء إليه بصورة مفاجئة خلال عشاء في مؤتمر علمي، حين اشتبه في أن أحد زملائه كان يستعد بطريقة غير مناسبة لنسب الاكتشاف إلى نفسه. فرفع فيلدمان كأسه واقترح نخبًا، ثم اقترح تسمية منطقة الدماغ نسبة إلى النبيذ الذي كان يُقدم في ذلك المساء، والذي جاء من المنطقة المحيطة ببلدة بوتزينغن في ألمانيا. وربما كان الآخرون قد أصبحوا أكثر استعدادًا للموافقة بفضل ذلك النبيذ، فوافقوا على الفكرة، واستقر الاسم منذ ذلك الحين. ويقول فيلدمان: «العلماء غريبون بالقدر نفسه الذي يكون عليه أي شخص آخر. نحن نستمتع بفعل أشياء كهذه».

يمكن للنفس الطويل والعميق أن يعبر عن أشياء كثيرة، مثل الحزن والارتياح والاستسلام والشوق والإرهاق. لكن البشر ليسوا الكائنات الوحيدة التي تتنهد، إذ يُعتقد أن جميع الثدييات تفعل ذلك، وربما يعود السبب إلى أن التنهد يؤدي وظيفة بيولوجية مهمة، إلى جانب خصائصه التعبيرية.

تحديد الخلايا التي تضبط إيقاع التنفس

ركز جزء كبير من أبحاث فيلدمان اللاحقة على فهم الكيفية الدقيقة التي تولد بها الخلايا العصبية في منطقة preBötC إيقاع التنفس. كما أرست هذه الأبحاث أساسًا لعمل مختبره ومختبرات أخرى على فهم كيفية تنسيق الدماغ بين التنفس والسلوكيات الأخرى التي تتطلب تغييرات في نمط التنفس.

ويُعد التنهد أحد الأمثلة المثيرة للاهتمام. فالنفس الطويل والعميق يمكن أن يعبر عن أشياء كثيرة، مثل الحزن والارتياح والاستسلام والشوق والإرهاق. لكن البشر ليسوا الكائنات الوحيدة التي تتنهد، إذ يُعتقد أن جميع الثدييات تفعل ذلك، وربما يعود السبب إلى أن التنهد يؤدي وظيفة بيولوجية مهمة إلى جانب كونه وسيلة للتعبير. ويتنهد الإنسان كل بضع دقائق، ويبدأ كل تنهد بشهيق يدخل إلى الرئتين كمية من الهواء تبلغ نحو ضعف كمية الهواء التي تدخل في النفس الطبيعي. ويشتبه العلماء في أن هذه العملية تساعد على فتح الحويصلات الهوائية التي انهارت، وهي الحجرات الصغيرة داخل الرئة التي يحدث فيها تبادل الغازات، بطريقة تشبه إلى حد ما النفخ في قفاز مطاطي حتى تنفتح أصابعه. وتدعم عدة خطوط من الأدلة هذه الفكرة. فعلى سبيل المثال، ثبت أن أجهزة التنفس الاصطناعي في المستشفيات، عندما تُبرمج بحيث تتضمن تنهدات دورية، يمكن أن تحسن وظائف الرئة وتحافظ على مستويات الأكسجين في دم المرضى.

وفي دراسة نُشرت عام 2016 في مجلة Nature، حدد فيلدمان وزملاؤه أربع مجموعات صغيرة من الخلايا العصبية يبدو أنها مسؤولة عن توليد التنهدات لدى القوارض. وتوجد مجموعتان من هذه الخلايا في منطقة من جذع الدماغ بالقرب من preBötC، وترسلان إشارات إلى المجموعتين الأخريين الموجودتين داخل preBötC. وعندما قتل الباحثون هذه الخلايا العصبية في preBötC باستخدام سم شديد الانتقائية، توقفت الفئران عن التنهد، لكن تنفسها ظل قويًا وطبيعيًا. وفي المقابل، عندما حقن العلماء الفئران بببتيدات عصبية تعمل على تنشيط هذه الخلايا، أصبحت الفئران تتنهد بمعدل يزيد عشرة أضعاف. وبعبارة أخرى، خلص الباحثون إلى أن هذه المجموعات الأربع من الخلايا العصبية تشكل دائرة عصبية تخبر منطقة preBötC بأن تقطع برنامجها المعتاد المتمثل في إنتاج أنفاس بالحجم الطبيعي، وأن تطلب بدلًا من ذلك نفسًا أعمق.

وتؤدي منطقة preBötC أيضًا دورًا في تنسيق سلوكيات أخرى مع التنفس. فقد استخدم عالم الأعصاب كيفن ياكل، الذي كان أحد المتعاونين مع فيلدمان في دراسة التنهد، إلى جانب زملائه، الفئران لدراسة التفاعلات بين التنفس وإصدار الأصوات. فعندما تُفصل الفئران حديثة الولادة عن عشها، تصدر صرخات فوق صوتية ذات تردد مرتفع جدًا بحيث لا يستطيع البشر سماعها. وعادة ما تصدر عدة صرخات على فترات منتظمة خلال نفس واحد، وهو ما يشبه إلى حد ما المقاطع الصوتية في الكلام البشري، كما يقول ياكل، الذي يعمل الآن في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. ويقول: «لديك إيقاع تنفس أبطأ، وداخل هذا الإيقاع يوجد إيقاع أسرع لإصدار الأصوات».

ولفهم كيفية حدوث ذلك، عمل الباحثون بطريقة عكسية بدءًا من الحنجرة، وهي الجزء من الحلق المسؤول عن إنتاج الصوت. واستخدموا أدوات تتبع تشريحية لتحديد الخلايا العصبية التي تتحكم في الحنجرة، ثم تتبعوا اتصالاتها عائدين إلى مجموعة من الخلايا في جذع الدماغ، في منطقة أطلقوا عليها اسم «المذبذب الشبكي المتوسط» أو intermediate reticular oscillator، واختصارًا iRO. وباستخدام مجموعة متنوعة من التقنيات، اكتشف الباحثون أن قتل خلايا iRO العصبية أو تثبيط نشاطها يؤدي إلى فقدان القدرة على إصدار الصرخة، بينما يؤدي تنشيطها إلى زيادة عدد الصرخات في كل نفس.

وعندما قام الباحثون بتشريح شرائح من أنسجة الدماغ تحتوي على خلايا iRO العصبية، استمرت هذه الخلايا في إطلاق إشاراتها بنمط منتظم. ويقول ياكل: «هذه الخلايا العصبية تنتج إيقاعًا يشبه تمامًا الصرخات لدى الحيوان، فهو أسرع من إيقاع التنفس الذي تولده منطقة preBötC، لكنه يحدث داخله».

وأشارت تجارب إضافية إلى أن خلايا iRO العصبية تساعد على دمج إصدار الأصوات مع التنفس، وذلك من خلال إخبار منطقة preBötC بإجراء استنشاقات صغيرة تقطع عملية الزفير، ما يسمح لسلسلة من الصرخات القصيرة بأن تتلاءم بصورة دقيقة مع نفس زفير واحد. وبعبارة أخرى، لا تنتج صرخات الفئران الإيقاعية من سلسلة من عمليات الزفير، بل من زفير واحد طويل تتخلله عدة انقطاعات قصيرة.

وقد تكون لهذه النتائج، التي نُشرت في وقت سابق من هذا العام في مجلة Neuron، تداعيات على فهم اللغة البشرية. ويقول ياكل إن عدد المقاطع الصوتية التي ينطق بها الإنسان في الثانية يقع ضمن نطاق ضيق نسبيًا عبر جميع لغات البشر. وربما يعود ذلك، كما يقترح، إلى القيود التي يفرضها احتياج الإنسان إلى تنسيق إصدار الأصوات مع التنفس.

ضبط الإيقاع في الدماغ

أشارت دراسات حديثة إلى أن التنفس يمكن أن يؤثر في أداء الإنسان في مجموعة واسعة بشكل مفاجئ من الاختبارات المعملية. فقد تؤثر المرحلة التي يكون فيها الشخص من دورة الشهيق والزفير في قدرات متنوعة، بدءًا من اكتشاف لمسة خفيفة وصولًا إلى التمييز بين الأجسام ثلاثية الأبعاد. ووجدت إحدى الدراسات أن الناس يميلون إلى أخذ الشهيق قبل أداء مهمة معرفية مباشرة، وأن القيام بذلك يميل إلى تحسين أدائهم. كما وجدت عدة دراسات أن هذه التأثيرات تحدث فقط عندما يكون التنفس عبر الأنف، بينما لا يظهر التأثير نفسه عند التنفس عبر الفم.

وتتركز إحدى الأفكار الناشئة حول كيفية حدوث ذلك على التذبذبات الإيقاعية الموثقة جيدًا للنشاط الكهربائي في الدماغ. وتُقاس هذه الموجات غالبًا باستخدام أقطاب كهربائية توضع على فروة الرأس، وهي تعكس النشاط التراكمي لآلاف الخلايا العصبية. وقد جادل بعض علماء الأعصاب على مدى عقود بأن هذه الموجات تعكس التواصل بين مناطق متباعدة من الدماغ، وهو تواصل قد يكون أساسًا لبعض الجوانب المهمة من الإدراك. فقد تكون هذه التذبذبات، على سبيل المثال، الطريقة التي يدمج بها الدماغ المعلومات الحسية التي تتم معالجتها بصورة منفصلة في المناطق السمعية والبصرية من الدماغ، لينتج في النهاية ما نختبره بوصفه إدراكًا متكاملًا لأصوات المشهد وصوره. بل إن بعض العلماء اقترحوا أن هذا النشاط المتزامن قد يكون أساس الوعي نفسه، مع الإقرار بأن إثبات ذلك ليس أمرًا سهلًا على الإطلاق.

وتشير الأدلة المتزايدة إلى أن التنفس قد يحدد إيقاع بعض هذه التذبذبات. ففي تجارب أُجريت على القوارض، اكتشفت عدة فرق بحثية أن إيقاع التنفس يؤثر في موجات النشاط داخل الحُصين، وهي منطقة دماغية تؤدي دورًا أساسيًا في التعلم والذاكرة. وأثناء اليقظة، يرتفع النشاط الكهربائي الجماعي للخلايا العصبية في الحُصين وينخفض بمعدل ثابت، يتراوح عادة بين ست وعشر مرات في الثانية. ويُعرف هذا الإيقاع باسم «إيقاع ثيتا»، وهو موجود لدى جميع الحيوانات التي دُرست في هذا السياق، بما فيها البشر.

ولا يقتصر دور إيقاع التنفس على مزامنة النشاط في مناطق الدماغ المشاركة في المشاعر والذاكرة، بل يمكنه أيضًا التأثير في أداء الإنسان للمهام التي تتضمن المشاعر والذاكرة.

وفي دراسة نُشرت عام 2016، كان عالم الأعصاب أدريانو تورت من الجامعة الفيدرالية في ريو غراندي دو نورتي في البرازيل وزملاؤه يحاولون دراسة تذبذبات ثيتا، لكنهم لاحظوا أن أقطابهم الكهربائية تلتقط أيضًا إيقاعًا آخر أبطأ، يبلغ نحو ثلاث قمم في الثانية، وهو معدل قريب تقريبًا من معدل تنفس الفأر أثناء الراحة. وفي البداية، شعر الباحثون بالقلق من أن يكون هذا النشاط مجرد أثر مصطنع، ربما ناتجًا عن عدم استقرار القطب الكهربائي أو عن حركة الحيوان، كما يقول تورت. لكن تجارب إضافية أقنعتهم بأن النشاط الإيقاعي حقيقي ومتزامن مع التنفس، وأنه يعمل أيضًا مثل بندول الإيقاع الذي يحدد وتيرة تذبذبات ثيتا الأسرع في الحُصين.

وفي الفترة نفسها تقريبًا، أبلغت عالمة الأعصاب كريستينا زيلانو وزملاؤها عن نتائج مشابهة لدى البشر. وباستخدام بيانات جُمعت من أقطاب كهربائية وضعها الجراحون داخل أدمغة مرضى الصرع لمراقبة نوباتهم، اكتشف الباحثون أن التنفس الطبيعي يزامن التذبذبات داخل عدة مناطق من الدماغ، بما فيها الحُصين واللوزة الدماغية، وهي منطقة تؤدي دورًا مهمًا في معالجة المشاعر. وتراجع هذا التأثير المتزامن عندما طلب الباحثون من المشاركين التنفس عبر الفم، ما يشير إلى أن الإشارات الحسية الناتجة عن مرور الهواء عبر الأنف تؤدي دورًا رئيسيًا في هذه العملية.

ولم يقتصر الأمر على أن إيقاع التنفس يزامن النشاط في مناطق الدماغ المرتبطة بالمشاعر والذاكرة، بل وجد زيلانو وزملاؤها أنه يمكن أن يؤثر أيضًا في أداء الأشخاص للمهام التي تتطلب معالجة المشاعر والذاكرة. ففي إحدى التجارب، راقب الباحثون تنفس المشاركين وطلبوا منهم تحديد المشاعر التي تعبر عنها مجموعة من الصور لأشخاص، وهي صور أعدها علماء النفس لاختبار القدرة على التعرف على المشاعر. وكان المشاركون أسرع في تحديد الوجوه التي تعبر عن الخوف عندما ظهرت الصورة أثناء الشهيق مقارنة بظهورها أثناء الزفير. وفي اختبار مختلف، كان المشاركون أكثر دقة في تذكر ما إذا كانوا قد شاهدوا صورة معينة من قبل عندما عُرضت عليهم أثناء الشهيق. ومرة أخرى، كانت التأثيرات أقوى عندما كان المشاركون يتنفسون عبر الأنف.

وتشير أعمال أحدث إلى أن إيقاع التنفس قد يزامن النشاط ليس داخل مناطق الدماغ فحسب، بل بينها أيضًا. ففي إحدى الدراسات، وجد عالما الأعصاب نيكولاوس كاراليس وأنطون سيروتا أن معدل التنفس يزامن النشاط بين الحُصين وقشرة الفص الجبهي لدى الفئران أثناء النوم. ويقترح كاراليس وسيروتا في ورقة بحثية نُشرت في وقت سابق من هذا العام في مجلة Nature Communications أن هذا التزامن قد يؤدي دورًا في تكوين الذكريات طويلة الأمد. ويرى كثير من علماء الأعصاب أن الذكريات تتشكل في البداية داخل الحُصين، قبل أن تُنقل أثناء النوم إلى قشرة الدماغ لتخزينها على المدى الطويل، وهي عملية يُعتقد أنها تتطلب نشاطًا متزامنًا بين الحُصين والقشرة الدماغية.

ويرى تورت أن هذه النتائج تشير إلى وجود روابط مهمة بين التنفس ووظائف الدماغ، لكنه يؤكد أن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لربط هذه النتائج ببعضها. ويقول إن الأدلة على تأثير التنفس في التذبذبات الدماغية قوية، لكن التحدي الآن يتمثل في معرفة ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى السلوك والإدراك والمشاعر.

هل يمكن للتنفس المنضبط أن يهدئ العقل؟

على مدى آلاف السنين، مارس أتباع اليوغا وغيرها من تقاليد التأمل القديمة تقنيات التنفس المنضبط بهدف التأثير في حالتهم الذهنية. وفي السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بالآليات البيولوجية التي تقف وراء هذه التأثيرات، وبكيفية الاستفادة منها لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من القلق واضطرابات المزاج.

وتقول هيلين لافريتسكي، وهي طبيبة نفسية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، إن أحد التحديات يتمثل في فصل تأثير التنفس عن الجوانب الأخرى لهذه الممارسات. وتقول: «من الصعب جدًا تحديد ما هو الأكثر فاعلية عندما تطبق تدخلًا متعدد المكونات يتضمن تمارين التمدد والحركة والتصور الذهني والترديد». ناهيك عن المكونات الثقافية والروحية التي يربطها كثير من الأشخاص بهذه الممارسات.

وعلى مدى سنوات طويلة، تعاونت لافريتسكي مع علماء الأعصاب وغيرهم لدراسة كيفية تأثير الأنواع المختلفة من التأمل في الدماغ وفي المؤشرات البيولوجية للتوتر ووظائف المناعة. ووجدت، من بين أمور أخرى، أن التأمل يمكن أن يحسن الأداء في الاختبارات المعملية للذاكرة، وأنه يمكن أن يغير الاتصال بين مناطق الدماغ لدى كبار السن الذين يعانون من ضعف إدراكي بسيط، وهو حالة قد تكون مقدمة لمرض ألزهايمر وأنواع أخرى من الخرف. وفي دراسات أحدث لم تُنشر نتائجها بعد، اتجهت لافريتسكي إلى دراسة ما إذا كانت تقنيات التحكم في التنفس وحدها يمكن أن تساعد الأشخاص.

وتقول لافريتسكي، وهي أيضًا مدربة يوغا معتمدة: «على الرغم من أنني طبيبة نفسية، فإن أبحاثي تركز على كيفية تجنب وصف الأدوية». وهي ترى أن تمارين التنفس قد تكون بديلًا جيدًا لكثير من الأشخاص، ولا سيما مع إجراء مزيد من الأبحاث لمعرفة تقنيات التنفس التي تحقق أفضل النتائج لكل حالة، وكيف يمكن تكييفها لتناسب احتياجات الأفراد. وتقول: «لدينا جميعًا هذه الأداة، وعلينا فقط أن نتعلم كيفية استخدامها».

المصدر

مقالات ذات صلة