القائمة الرئيسية

الحياة الزاخرة داخل الأشجار الميتة

الحياة الزاخرة داخل الأشجار الميتة
ملخص المقال

يبرز المقال الأهمية الحيوية للخشب الميت في النظم البيئية للغابات، كونه ليس مجرد بقايا، بل مركزًا لنشاط بيولوجي معقد. فالفطريات والبكتيريا والحشرات، خاصة النمل الأبيض، تعمل بتعاون مذهل على تفكيك مكوناته العضوية الصلبة، مما يُعد أساسيًا لإعادة تدوير المغذيات ودعم تنوع بيولوجي واسع يوفر الغذاء والمأوى لملايين الكائنات. كما يلعب الخشب الميت دورًا محوريًا في دورة الكربون العالمية، حيث يطلق الكربون ويخزن جزءًا منه في التربة، مما يساهم في استقرار المناخ على المدى الطويل. لكن المقال يحذر من انخفاض كمية الخشب الميت عالميًا بسبب الممارسات البشرية كالحصاد وإزالته، مما يهدد هذه الوظائف البيئية الحيوية ويزيد من عدم اليقين بشأن التوازن المناخي، ويؤكد على ضرورة تقدير العلماء وصناع القرار لدوره المحوري في صحة الغابات واستدامة الكوكب.

قد لا يكون هناك أحد ليسمع صوت سقوط شجرة في الغابة، لكن عددًا لا يحصى من الكائنات يلاحظ ذلك. تستيقظ الفطريات الساكنة داخل الشجرة لتتغذى عليها، وتنضم إليها فطريات أخرى تزحف إليها من التربة. وتشارك البكتيريا أيضًا في هذه العملية، إذ يتحرك بعضها على امتداد خيوط الفطريات للوصول إلى عمق أكبر داخل الجذع. أما النمل الأبيض فينبه أفراد مستعمرته، فيتجمعون بأعداد كبيرة لالتهام الخشب. ومع مرور الوقت، يتحلل الخشب الميت تدريجيًا، وفي أثناء ذلك يوفر الغذاء والطاقة لحياة جديدة.

لكن تفكيك الخشب، وهو أحد أكثر المواد العضوية صلابة، أسهل قولًا من فعل، ولا يزال أمام العلماء الكثير ليتعلموه عن هذه العملية البيئية الحيوية. فبعض الباحثين يدرسون الحيل التي تستخدمها الفطريات والكائنات الدقيقة الأخرى لهضم الخشب، والطرق التي تستفيد بها الحيوانات من هذه القدرة لمصلحتها. بينما يحاول آخرون تحديد أدوار الخشب الميت في إعادة تدوير المواد العضوية والمساعدة على استقرار المناخ العالمي. وما يتعلمه العلماء بدأ يكشف عن شبكة معقدة من التفاعلات التي تحدث داخل الأشجار التي انتهت حياتها.

وتقول عالمة البيئة إيمي زان من معهد كاري لدراسات النظم البيئية في ولاية نيويورك: «كون الشيء ميتًا لا يعني أنه لم يعد يؤدي وظيفة ضخمة في النظام البيئي». لكن كمية الخشب الميت آخذة في الانخفاض في العديد من الغابات حول العالم، ومع هذا الانخفاض يتراجع أيضًا الدور الحيوي الذي يؤديه في دعم الحياة.

عندما تمتص الأشجار الكربون، يُستخدم جزء منه لبناء جزيئات بنيوية معقدة مثل السليلوز والهيميسليلوز واللجنين. ويشكل السليلوز، وهو عبارة عن خيوط متينة ومتراصة بإحكام من السكر البسيط الجلوكوز، الهيكل الأساسي للخشب، وتحيط به خيوط دقيقة من الهيميسليلوز. أما اللجنين، الذي يشبه الخرسانة ويُعد الأكثر صلابة بين هذه المكونات الثلاثة، فيعمل على تثبيت كل شيء معًا.

ويصف عالم الفطريات ديفيد هيبيت من جامعة كلارك في ماساتشوستس السليلوز واللجنين تحديدًا بأنهما «ابتكاران تطوريان مذهلان». ويقول: «لديهما العديد من الخصائص المفيدة لجدران الخلايا، ومن الصعب جدًا على الكائنات الحية هضمهما».

ولا تستطيع تفكيك هذه الجزيئات الصعبة سوى مجموعات محددة من الكائنات الدقيقة، مثل بعض الفطريات المنتمية إلى عائلة الفطريات البازيدية التي تنتج أجسامًا ثمرية على هيئة الفطر المعروف. يصل بعضها إلى الخشب الميت عبر الأبواغ التي تحملها الرياح أو الحشرات، بينما تنمو أنواع أخرى باتجاهه على هيئة خيوط متفرعة تسمى الهيفات. بل إن بعض هذه الفطريات يمكن أن يبقى ساكنًا داخل الأشجار الحية، منتظرًا تعرضها للإجهاد أو موتها.

وتمدد هذه الفطريات هيفاتها الطويلة داخل الفتحات الموجودة في الخشب، مثل الأنفاق التي تحفرها الحشرات أو الأنسجة النباتية التي تنقل المياه، أو تشق لنفسها مسارات جديدة عبر الخشب. وتطلق فطريات العفن الأبيض إنزيمات شديدة النشاط تعمل على تفكيك اللجنين للوصول إلى المكونات الأخرى، فتترك وراءها خشبًا أبيض خيطي المظهر يتكون في معظمه من السليلوز. أما فطريات العفن البني، فتُبقي اللجنين إلى حد كبير على حاله، لكنها تطلق جزيئات شديدة التفاعل تعمل على تفكيك السليلوز، تاركة وراءها مادة بنية هشة سهلة التفتت.

وتتميز الفطريات المحللة للخشب بسلوك إقليمي لافت. فإذا قطعت جذعًا متعفنًا، فغالبًا ما سترى خطوطًا سوداء تمتد عبر الخشب. وهذه الخطوط ناتجة عن الميلانين، وهو الصبغة نفسها التي تمنح جلد الإنسان لونه الداكن، وتستخدمها الفطريات لحماية نفسها من الفطريات الأخرى التي تحاول التسلل إلى مناطقها. ويقول هيبيت: «هذه هي المناطق التي تصطدم فيها الغزلات الفطرية ببعضها بعضًا، وتخوض في الأساس معركة للسيطرة على الأرض».

ولفترة طويلة، اعتقد الباحثون أن الحشرات تؤدي دورًا صغيرًا نسبيًا في تحلل الخشب، لكن اتضح أنها من العناصر الرئيسية في هذه العملية، ولا سيما في المناطق المدارية وشبه المدارية. ووفقًا لدراسة أجراها عالم البيئة سيباستيان زايبولد وزملاؤه في جامعة دريسدن للتكنولوجيا بألمانيا عام 2021، فإن الحشرات مسؤولة عن نحو ثلث تحلل الخشب الميت على مستوى العالم. وتشمل هذه الكائنات دبابير الخشب وأنواعًا مختلفة من الذباب والسوس والخنافس وغيرها من الخنافس، وبالطبع النمل الأبيض، الذي يعد من أكثر الكائنات تخصصًا في أكل الخشب.

وتسرّع هذه الحشرات عملية التحلل الميكروبي من خلال طحن الخشب إلى قطع أصغر، بينما تهضم بعضه بنفسها أيضًا. ولا تستطيع معظم هذه الحشرات القيام بذلك من دون الكائنات الدقيقة المحللة للسليلوز التي تعيش في أمعائها، ولا يوجد من يتقن هذه العملية بكفاءة تضاهي النمل الأبيض. ويقول يان شوبوتنيك، عالم بيئة النمل الأبيض في الجامعة التشيكية لعلوم الحياة في براغ، إن هذه الحشرات تشكل مستعمرات ضخمة وتدافع بشراسة عن الخشب الميت الذي تعتمد عليه في مواجهة الحشرات الأخرى. ويضيف أن بعض أنواع النمل الأبيض «يمكنها أن تلتهم شجرة كبيرة بالكامل خلال عقد واحد».

وفي أنظمة بيئية مثل السافانا الأسترالية الجافة، يغزو بعض أنواع النمل الأبيض الأشجار الحية أيضًا، وهي خطوة غير شائعة لأن الأنسجة الحية تحتوي على مركبات دفاعية شديدة الفاعلية. ويقول شوبوتنيك إن هذه الأنواع تغزو جذور الأشجار ثم تشق طريقها إلى الخشب الميت الموجود في قلب الشجرة، حيث يمكن أن تكون مستويات هذه المركبات الكيميائية أقل.

ووفقًا لأبحاث أجرتها زان، التي شاركت في تأليف مقال حول الخشب الميت ودورة الكربون في مجلة Annual Review of Ecology, Evolution, and Systematics عام 2024، فإن أكثر من 30 في المئة من الكتلة الحيوية في مثل هذه السافانا تستهلكها حشرات النمل الأبيض التي تقوم بتجويف جذوع الأشجار من الداخل. وتقول: «جزء كبير من عملية التحلل في السافانا يحدث في الواقع بينما تكون الشجرة لا تزال حية».

وقد طورت أنواع أخرى من النمل الأبيض علاقة تكافلية مع الفطريات، فبدلًا من تفكيك اللجنين بنفسها، تستعين بالفطريات للقيام بهذه المهمة، وتزرعها كما يعتني المزارعون بمحاصيلهم. ففي إفريقيا وآسيا، تجمع بعض أنواع النمل الأبيض أبواغ فطريات العفن الأبيض من البيئة، ثم تنميها على بنية تشبه المشط وتبنيها من المواد النباتية الميتة. ويعتني النمل الأبيض بهذه البنية ويغذيها بالخشب الذي يجمعه، ثم يأكل الخليط بعد أن تقوم الفطريات بتحليله.

وتغذي الكائنات التي تلتهم الخشب بدورها كائنات حية أخرى. فهناك أنواع عديدة من الخنافس تتغذى على الأبواغ أو الغزلات الفطرية أو الأجسام الفطرية للفطريات المحللة للخشب، بينما تتخصص بعض أنواع النمل في اصطياد النمل الأبيض وأكله. وتشير التقديرات إلى أن ثلث أنواع الحشرات في الغابة يعتمد على الخشب الميت بطريقة أو بأخرى، وهذه الحشرات تصبح بدورها غذاءً للافقاريات الأخرى، إضافة إلى الطيور والخفافيش. كما توفر جذوع الأشجار المتعفنة أماكن ممتازة لنمو شتلات الأشجار، فضلًا عن كونها مواقع مناسبة لأعشاش الحيوانات وأوكارها وجحورها.

ويقول زايبولد: «من الواضح جدًا أن هذا النوع من الموائل وهذا المورد يمثلان جزءًا من الحياة على الأرض يجب علينا الحفاظ عليه».

لكن عندما يختفي الجذع تدريجيًا، إلى أين يذهب الخشب في نهاية المطاف؟ تستخدم الكائنات التي تتغذى على الخشب جزءًا من الكربون للحصول على الطاقة، وتطلق ثاني أكسيد الكربون كناتج فضلات، بينما تطلقه النمل الأبيض أيضًا في صورة غاز الميثان. وينتقل جزء آخر من الكربون إلى بناء أجسام هذه الكائنات، كما تستخدم بعض أنواع النمل الأبيض فضلاتها الغنية باللجنين لبناء الأعشاش والتلال. وعندما تتحلل هذه المنشآت، يتحرر بعض الكربون إلى الهواء، بينما يبقى جزء منه على الأرض إلى جانب بقايا قطع الخشب. ومع مرور الوقت، تصبح هذه البقايا جزءًا من دبال التربة، ما يساعدها على الاحتفاظ بالماء ودعم الكائنات الدقيقة واللافقاريات والجذور التي تعيش فيها.

لكن الخشب الميت، والتنوع الحيوي المرتبط به، شهد انخفاضًا حادًا في العديد من الغابات حول العالم. فقد تحولت الغابات إلى مزارع لإنتاج الأخشاب، حيث تُحصد الأشجار قبل أن تموت طبيعيًا. كما يزيل بعض العاملين في إدارة الغابات الخشب الميت لتقليل كمية الوقود المتاحة لحرائق الغابات. وقد تُزال الجذوع أيضًا بسبب الاعتقاد بأنها توفر بيئة لتكاثر الحشرات الضارة التي تهاجم الأشجار الحية، لكن علماء البيئة يقولون إن هذا الخطر مبالغ فيه. كذلك يُجمع الخشب الميت أحيانًا ليُحرق في محارق صناعية بهدف إنتاج الطاقة الحيوية.

ويقدّر عالم نظام الأرض ستيفن أليسون من جامعة كاليفورنيا في إرفاين أنه رغم أن معظم الكربون الموجود في الخشب الميت ينتهي به المطاف في الهواء، فإن جزءًا منه يظل محبوسًا في التربة لأكثر من قرن. ويقول: «الخشب الميت صديقك حقًا. أنت تريد المزيد منه، وتريد أن يبقى موجودًا لفترة أطول».

وهناك مؤشرات على حدوث تغيير. ففي السنوات الأخيرة، بدأت الجهات المعنية بوضع السياسات في أوروبا والولايات المتحدة تشجع الحفاظ على الخشب الميت، من خلال خطط لإدارة الغابات تشترط مثلًا تركه في مكانه وعدم إزالته. وقد بدأ الخشب الميت في العودة إلى الغابات الأمريكية، لكن الوضع لم يتغير بعد في بعض المناطق الأخرى من العالم، ولا سيما الأماكن التي يفتقر فيها الناس إلى الوعي بفوائده، بحسب زايبولد.

وربما لا يكون ذلك مفاجئًا. ففي السنوات الأخيرة، تزايد تقدير الدور المهم الذي تؤديه الأشجار الحية في صحة الكوكب والتنوع الحيوي، لكن إقناع الناس بأهمية الأشجار الميتة أصعب بكثير. ومع ذلك، فإن هذه الأشجار المتحللة ضرورية للاقتصاد الدائري الطبيعي للغابة، حيث تتحول الكائنات الميتة مرة أخرى إلى عناصر تغذي الحياة.

الخشب الميت ودورة الكربون

يطلق الخشب المتحلل كميات كبيرة من الكربون المسبب لارتفاع حرارة الكوكب إلى الغلاف الجوي. وقد يبدو ذلك مقلقًا، لكنه في الحقيقة جزء من عملية طبيعية تساعد على استقرار المناخ على المدى الطويل. فالغابات تتمتع بقدرة كبيرة على امتصاص الكربون، ما يعوض جزءًا كبيرًا من الكربون المنبعث نتيجة حرق الوقود الأحفوري. وعندما تموت الأشجار وتتحلل، يعود جزء كبير من هذا الكربون إلى الغلاف الجوي. وقد استمرت هذه العملية لآلاف السنين بوصفها جزءًا من دورة الكربون العالمية، التي تنتقل فيها ذرات الكربون بين الصخور والمحيطات والغلاف الجوي والكائنات الحية والمواد الميتة.

وعلى المقاييس الزمنية الجيولوجية الطويلة، من المرجح أن تكون حسابات الكربون في الغابات متوازنة، كما يقول عالم البيئة سيباستيان زايبولد من جامعة دريسدن للتكنولوجيا في ألمانيا. ويرجع ذلك إلى أن الأشجار تمتص الكربون أثناء عملية البناء الضوئي، لكنها تطلقه أيضًا عندما تتنفس. ومع تحلل الخشب الميت، تساعد هذه العمليات مجتمعة، أي عمليات امتصاص الكربون وإطلاقه، على الحفاظ على استقرار تركيب الغلاف الجوي.

لكن العلماء يشعرون بالقلق من أن تغير المناخ قد يعبث بهذا التوازن الدقيق. فدرجات الحرارة المرتفعة تسرّع عملية تحلل الخشب بواسطة الكائنات الدقيقة، كما قد تسمح للنمل الأبيض الذي يفضل الدفء، والذي يمثل محللًا أساسيًا للمواد العضوية في المناطق المدارية، بالاستقرار في مناطق جديدة. وهذا يعني إطلاق المزيد من الكربون. وقد يؤدي ارتفاع حرارة الكوكب أيضًا إلى زيادة أعداد الأشجار الميتة بسبب تفاقم حالات الجفاف وحرائق الغابات والعواصف. ومن ناحية أخرى، قد يؤدي ارتفاع كمية الكربون في الهواء إلى زيادة كمية الكربون التي تمتصها النباتات. ولا يزال من غير الواضح أي العمليات ستكون الغالبة، تلك التي تمتص الكربون أم تلك التي تطلقه، بحسب عالم نظام الأرض ستيفن أليسون من جامعة كاليفورنيا في إرفاين. ويقول: «هناك قدر كبير من عدم اليقين».

وتعد دراسة هذه العمليات أمرًا أساسيًا لبناء نماذج حاسوبية دقيقة تشرح كيفية عمل مناخ كوكبنا. وفي الوقت الحالي، تتجاهل معظم النماذج عملية تحلل الخشب الميت أو تبسطها بدرجة كبيرة. وتقول عالمة البيئة إيمي زان من معهد كاري لدراسات النظم البيئية في ولاية نيويورك: «نحتاج إلى البدء في إدخال هذه العمليات في نماذجنا للكربون، وإلا فقد نحصل على نتائج خاطئة جدًا».

المصدر

مقالات ذات صلة