كان يُنظر إلى القدرات القوية للذكاء الاصطناعي في السابق على أنها احتمال بعيد، لكنها تحولت بسرعة إلى واقع ملموس. وقد ترك ظهور الذكاء الاصطناعي الحديث، الذي يعتمد على تقنيات متقدمة في التعلم الآلي والتعلم العميق، الحكومات في سباق للحاق بالتطورات واتخاذ قرارات بشأن كيفية تجنب قائمة طويلة من التهديدات التي يمكن أن تواجه المجتمع، مثل الدعاية التي أصبحت أكثر قدرة على الإقناع، والهجمات الإلكترونية على البنية التحتية العامة، والقدرة على ممارسة مستويات غير مسبوقة من المراقبة من جانب الحكومات والشركات.
وفي مواجهة الحاجة إلى الحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي، تسلك الدول والمناطق مسارات مختلفة. ويتصدر الاتحاد الأوروبي المشهد من خلال إطار شامل يركز على حماية حقوق الأفراد وضمان خضوع الجهات التي تطور الذكاء الاصطناعي للمساءلة، بينما تعطي الصين الأولوية لسيطرة الدولة على حساب الحريات الشخصية. أما الولايات المتحدة، فتحاول اللحاق بالركب بينما تعمل على تحقيق توازن بين تشجيع الابتكار والحاجة إلى معالجة المخاوف المتعلقة بالسلامة والأخلاقيات.
وتؤكد هذه الاستراتيجيات المتنوعة مدى صعوبة تنظيم الذكاء الاصطناعي، إذ يتعين على الحكومات التعامل مع أولويات متنافسة في الوقت نفسه الذي تحاول فيه معالجة آثاره الواسعة والممتدة. وعلى الصعيدين الوطني والدولي، هل يمكننا الوصول إلى أرضية مشتركة تتيح إدارة الذكاء الاصطناعي بمسؤولية وضمان توجيهه لخدمة أفضل مصالح البشرية؟
تتقدم عالمة السياسة أليسون ستانغر من كلية ميدلبري إحدى أبرز الشخصيات المشاركة في هذا النقاش. وإلى جانب عملها أستاذة في ولاية فيرمونت، تشغل ستانغر منصب أستاذة منتسبة في مركز بيركمان كلاين للإنترنت والمجتمع بجامعة هارفارد، وهي مؤلفة لعدد من الكتب، من بينها كتابها المرتقب بعنوان «من انتخب شركات التكنولوجيا الكبرى؟».
وفي مقال نُشر عام 2024 في مجلة Annual Review of Political Science، تستكشف ستانغر والمؤلفون المشاركون معها المشهد العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، مع تسليط الضوء على التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والتهديد المحتمل الذي قد يشكله على الأنظمة الديمقراطية.
وتحدثت مجلة Knowable Magazine مع ستانغر حول كيفية تنظيم الذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني بما يخدم القيم الديمقراطية، وكيف يمكننا إنشاء إطار عالمي يعالج التحديات المشتركة. وقد حُررت المقابلة من أجل الاختصار والوضوح.
كيف تصفين تهديدات الذكاء الاصطناعي؟
هناك طريقتان للنظر إلى الأمر. فهناك ما أحب أن أعتبره تهديدات للديمقراطية، حيث يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم مشكلات قائمة أصلًا، مثل المخاوف المتعلقة بالخصوصية، وتقلبات الأسواق، والمعلومات المضللة. ثم هناك التهديدات الوجودية التي تواجه البشرية، مثل الذكاء الاصطناعي غير المتوافق، أي الذكاء الاصطناعي الذي لا يتصرف بما يتوافق مع الأهداف والقيم البشرية المقصودة، وحروب الطائرات المسيّرة، وانتشار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.
هناك حجة شائعة تقول إن البشر كانوا دائمًا يشعرون بالقلق من التقنيات الجديدة، وإن الذكاء الاصطناعي ليس سوى أحدث تطور في هذا المجال. كيف يختلف الذكاء الاصطناعي؟
أعتقد أن هذا رد منطقي على معظم مراحل التاريخ البشري. فالتكنولوجيا تتغير، ثم تتكيف البشرية معها، ويظهر توازن جديد. لكن ما يختلف في هذا الابتكار التكنولوجي تحديدًا هو أن مطوريه لا يفهمونه بالكامل. فإذا فكرنا في اختراقات تكنولوجية أخرى، مثل السيارة، فقد لا أعرف كيف أصلح سيارتي، لكن هناك شخصًا يعرف ذلك. أما في حالة الذكاء الاصطناعي التوليدي، فعلى الرغم من أن مطوريه يفهمون الشبكات العصبية والتعلم العميق، وهما الخوارزميات التي تقوم عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، فإنهم لا يستطيعون التنبؤ بما سيفعله النموذج.
وهذا يعني أنه إذا حدث خطأ بالغ الخطورة، فلن يتمكن المطورون بالضرورة من معرفة كيفية إصلاحه على الفور. وهذا العنصر المتعلق بالمعرفة هو ما يأخذنا إلى ما يتجاوز القدرات البشرية المعتادة على التفكير والفهم. وبهذا المعنى، فإن الأمر يشبه حقًا «ذكاءً فضائيًا».
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزيد من خطورة حروب الطائرات المسيّرة وانتشار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية؟
التهديدات الوجودية التي تواجه البشرية لا تعني بالضرورة وجود روبوتات قاتلة. فقد تعني ببساطة أنظمة ذكاء اصطناعي تخرج عن السيطرة، أو تفعل أشياء لم تُصمم للقيام بها، أو أشياء لم نتوقع أن تكون قادرة على فعلها أو أنها ستفعلها. وستظهر التهديدات الوجودية عندما يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة يُوثق فيها به لاتخاذ قرارات من دون تدخل بشري.
وتُعد الطائرات المسيّرة مثالًا جيدًا على ذلك. قد تفكر في الأمر على النحو التالي: حسنًا، سيبقى الطيارون المقاتلون في منازلهم، وسنترك أجهزة الكمبيوتر تقاتل أجهزة الكمبيوتر، وبذلك يفوز الجميع. لكن هذا النوع من الحروب يتسبب دائمًا في أضرار جانبية، وكلما زادت استقلالية هذه الأنظمة، زاد الخطر.
وهناك أيضًا خطر استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء أسلحة بيولوجية أو كيميائية. والمشكلة الأساسية هنا هي كيفية منع إساءة استخدام هذه التكنولوجيا من جانب جهات سيئة. وينطبق الأمر نفسه على الهجمات الإلكترونية، حيث يمكن حتى لمخترق عادي واحد الاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، أي النماذج المتاحة للعامة التي يمكن تخصيصها وتشغيلها من جهاز كمبيوتر محمول، لاختراق أنواع مختلفة من الأنظمة.
«ستظهر التهديدات الوجودية عندما يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة يُوثق فيها به لاتخاذ قرارات من دون تدخل بشري».
أليسون ستانغر
وكيف يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم التهديدات الأكثر إلحاحًا للديمقراطية، مثل المعلومات المضللة وتقلبات الأسواق؟
حتى من دون الذكاء الاصطناعي، فإن نظام وسائل التواصل الاجتماعي القائم حاليًا يتعارض بصورة أساسية مع الديمقراطية. فعندما نناقش أفضل الخطوات السياسية المقبلة، نحتاج إلى أساس مشترك يتمثل في إيمان الناس بأن هناك مجموعة من الحقائق التي يتفقون على أنها صحيحة، لكن هذا الأساس تعرض للتفكيك بسبب خوارزميات التوصية التي تولد انتشارًا فيروسيًا للمحتوى القائم على الكراهية والمعلومات المضللة والدعاية. والذكاء الاصطناعي لا يفعل سوى أتمتة كل هذه الأمور، وجعل تضخيم الكلام البشري وتشويهه أسهل.
والأتمتة هي أيضًا ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة تقلبات الأسواق المالية، لأننا أصبحنا نملك كل هذه النماذج الحاسوبية المؤتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المعاملات المالية، حيث تحدث الأمور بسرعة كبيرة ومن دون تدخل بشري.
كما يشكل الذكاء الاصطناعي تهديدًا حقيقيًا جدًا لاستقلالية الأفراد. وأفضل طريقة يمكنني بها وصف ذلك هي أنه إذا سبق لك أن تلقيت فاتورة عن شيء ما بشكل غير صحيح، فأنت تعرف مدى صعوبة الوصول إلى شخص حقيقي عبر الهاتف. وبدلًا من ذلك، تجد نفسك تتعامل مع مجموعة من الأنظمة الآلية التي تطرح عليك الأسئلة وتعيدك إلى النقطة نفسها مرارًا وتكرارًا، من دون أن تحصل على خدمة مباشرة من شخص. هكذا أصف التهديد الخفي الحقيقي للذكاء الاصطناعي. فإذا أصبح الناس يعتمدون عليه بشكل متزايد، فسوف نجد أنفسنا جميعًا في نهاية المطاف عالقين في عالم شبيه بعالم كافكا، يجعلنا نشعر بأننا صغار للغاية ولا قيمة لنا، وكأننا لا نمتلك حتى حقوقًا إنسانية أساسية.
كيف تعرفين حوكمة الذكاء الاصطناعي؟
الحوكمة هي اتخاذ قرار بشأن الطريقة التي سنتعاون بها، على المستوى البلدي ومستوى الولايات والمستوى الفدرالي والمستوى العالمي، للتعامل مع هذا الابتكار التكنولوجي الهائل والجديد الذي سيعيد تشكيل مجتمعنا وسياساتنا.
ما التشريعات أو المبادرات الأخرى التي طبقتها الولايات المتحدة للحماية من تهديدات الذكاء الاصطناعي؟
كانت المبادرة الرئيسية هي الأمر التنفيذي الذي أصدره جو بايدن بشأن الذكاء الاصطناعي ووقّعه عام 2023. ويوجه هذا الأمر الحكومة الفدرالية بشأن ما ينبغي أن تعطيه الأولوية وكيف ينبغي أن تصوغ السياسات، مع التركيز على ضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي آمنًا ومأمونًا وأخلاقيًا، من خلال وضع معايير للاختبار وحماية الخصوصية ومعالجة مخاطر الأمن القومي، إلى جانب تشجيع الابتكار والتعاون الدولي. وبشكل أساسي، يضع الأمر التنفيذي حواجز وضوابط تهدف إلى الحفاظ على الديمقراطية بدلًا من تقويضها. وقد ألغى الرئيس دونالد ترامب هذا الأمر بالفعل.
كما أنشأت إدارة بايدن معهد سلامة الذكاء الاصطناعي، الذي يركز على تطوير علوم وممارسات سلامة الذكاء الاصطناعي، ومعالجة المخاطر التي تهدد الأمن القومي والسلامة العامة وحقوق الأفراد. وليس من الواضح حتى الآن ما الذي سيحدث لهذا المعهد في ظل إدارة ترامب.
ما القوانين الوطنية التي ترين أنها الأهم للحد من الذكاء الاصطناعي؟
نحتاج إلى أن نوضح تمامًا أن البشر لديهم حقوق، لكن الخوارزميات لا تملك حقوقًا. فالنقاش الوطني حول حرية التعبير على المنصات الإلكترونية أصبح مشوهًا ومربكًا في الوقت الحالي. ويبدو أن المحكمة العليا اعتقدت أن منصات التواصل الاجتماعي ليست سوى ناقلات للمعلومات، أي أنها تنقل ببساطة ما ينشره الناس بطريقة ما وفق ترتيب زمني. لكن القرار الأخير بالإجماع الذي أيد حظر TikTok يشير إلى أن فهم المحكمة لهذه المنصات أصبح أكثر دقة.
كل ما تراه على الإنترنت مر عبر خوارزمية مصممة خصيصًا لتحسين مستوى التفاعل، وقد اتضح أن البشر يكونون أكثر تفاعلًا عندما يكونون غاضبين. ولذلك نحتاج إلى تحميل الشركة التي صممت تلك الخوارزمية المسؤولية القانونية عن أي ضرر تسببت فيه. تتمتع الشركات بحقوق في حرية التعبير، لكن الشركة هي في النهاية مجموعة من البشر، وهذا يختلف عن الآلة التي تمثل أداة يستخدمها البشر.
هل أحرزت الولايات المتحدة أي تقدم في هذا الاتجاه؟
في الولايات المتحدة، قدمنا بالفعل تشريعات تهدف إلى إلغاء المادة 230، والتي يمكن تبسيطها بالقول إنها حصانة من المسؤولية القانونية تنص على أن المنصات ليست ناشرة، وبالتالي فهي غير مسؤولة عن أي شيء يحدث عليها. ولا توجد شركة أخرى في الولايات المتحدة، باستثناء شركات التكنولوجيا، تتمتع بهذه الحصانة من المسؤولية.
ومن خلال وجود هذه الحصانة، لم تضطر المحاكم إلى التعامل مع أي من هذه القضايا وكيفية ارتباطها بالديمقراطية الدستورية الأمريكية. وإذا أُقرت التشريعات المقترحة، فستنتهي صلاحية المادة 230 بحلول نهاية عام 2025، وهو ما سيسمح بتطور الاجتهادات القضائية المتعلقة بالتعديل الأول للدستور بما يتناسب مع الساحة العامة الافتراضية التي نعيش فيها الآن، كما سيجعل المنصات مسؤولة مثلها مثل أي شركة أخرى.
«تتمتع الشركات بحقوق في حرية التعبير، لكن الشركة هي في النهاية مجموعة من البشر، وهذا يختلف عن الآلة التي تمثل أداة يستخدمها البشر».
أليسون ستانغر
بعيدًا عن الأمر التنفيذي لبايدن، هل هناك تشريعات مقترحة للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة؟
هناك بالفعل قدر كبير من التشريعات التي أُعدت بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي. فهناك قانون المساءلة الخوارزمية، الذي يلزم الشركات بتقييم تأثير الأنظمة المؤتمتة للتأكد من أنها لا تؤدي إلى نتائج تمييزية أو متحيزة. وهناك قانون المساءلة عن التزييف العميق، الذي يسعى إلى تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى مضلل أو ضار باستخدام تقنيات التزييف العميق. وهناك أيضًا قانون مستقبل ابتكار الذكاء الاصطناعي، الذي يشجع على دراسة تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والقوى العاملة والأمن القومي. وكل ما علينا فعله هو العمل على تحويل كل هذه التشريعات المقترحة إلى واقع.
لكننا في الوقت الحالي لا نركز بما يكفي على هذا الأمر. فالولايات المتحدة هي موطن شركات التكنولوجيا الكبرى، وما تفعله الولايات المتحدة يهم العالم بأسره. ومع ذلك، لم يكن الذكاء الاصطناعي موضوعًا للنقاش خلال الحملة الانتخابية. كما أننا لا نجري النقاش العام المطلوب حتى يتمكن السياسيون من اتخاذ إجراءات لمعالجة الغياب الكامل للضوابط. لقد كانت أوروبا رائدة في حوكمة الذكاء الاصطناعي، وهناك الكثير الذي يمكننا تعلمه من الاتحاد الأوروبي.
ما نوع التنظيم الذي وضعه الاتحاد الأوروبي؟
هناك قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي، الذي يصنف أنظمة الذكاء الاصطناعي وفق مستويات مختلفة من المخاطر، وهي المخاطر غير المقبولة، والمخاطر العالية، والمخاطر المحدودة، والمخاطر الدنيا، ويفرض قواعد أكثر صرامة على التطبيقات ذات المخاطر الأعلى. وهناك أيضًا قانون الأسواق الرقمية، الذي يستهدف المنصات الإلكترونية الكبرى لمنع الممارسات الاحتكارية. كما يوجد قانون الخدمات الرقمية، الذي يلزم المنصات بإزالة المحتوى غير القانوني، ومكافحة المعلومات المضللة، وتوفير قدر أكبر من الشفافية بشأن الخوارزميات والإعلانات.
وأخيرًا، هناك اللائحة العامة لحماية البيانات، أو GDPR، وهي التشريع الأسبق الذي يمنح الأفراد قدرًا أكبر من السيطرة على بياناتهم الشخصية، ويفرض على الشركات متطلبات تتعلق بجمع البيانات ومعالجتها وحمايتها. وقد اعتمدت ولاية كاليفورنيا بالفعل نسخة من هذه اللائحة عام 2018.
كيف ترين إمكانية تحقيق حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي؟ وهل ينبغي أن تكون لدينا معاهدات دولية مثل تلك الموجودة بشأن الأسلحة النووية؟
أعتقد أننا ينبغي أن نطمح إلى إبرام معاهدات، نعم، لكنها لن تكون مثل المعاهدات المتعلقة بالأسلحة النووية، لأن الأسلحة النووية أسهل بكثير في التنظيم. فالأشخاص العاديون لا يستطيعون الوصول إلى المكونات اللازمة لصنع سلاح نووي، بينما تتوافر أجزاء كبيرة من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تجاريًا.
ما الفرق الرئيسي في طريقة تنظيم الصين والولايات المتحدة للذكاء الاصطناعي؟
تمتلك الصين أخلاقيات واضحة جدًا لنظامها السياسي، وهي أخلاقيات نفعية تقوم على تحقيق أكبر قدر من الخير لأكبر عدد ممكن من الناس. أما الديمقراطيات الليبرالية فهي مختلفة. فنحن نحمي حقوق الأفراد، ولا يمكن التضحية بهذه الحقوق من أجل مصلحة الأغلبية.
تمارس الحكومة الصينية سيطرة أكثر إحكامًا على الشركات التي تبني أنظمة الذكاء الاصطناعي هناك. فعلى سبيل المثال، أصدرت الصين عام 2023 «تدابير إدارة خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي»، التي تلزم مقدمي الخدمات بضمان توافق المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي مع القيم الاشتراكية الأساسية للحكومة. كما يجب على مقدمي الخدمات منع المحتوى الذي يمكن أن يقوض الوحدة الوطنية أو الاستقرار الاجتماعي، وهم مسؤولون عن قانونية بيانات التدريب والمخرجات التي تنتجها أنظمتهم.
وبما أن هناك علاقة تكافلية بين الشركات والدولة، فإن المراقبة الحكومية لا تمثل مشكلة. فإذا حصلت شركة على بياناتك الشخصية، فسيحصل الحزب الشيوعي عليها أيضًا. ولذلك تتمتع الصين بحوكمة ممتازة للذكاء الاصطناعي، وبسلامة ممتازة للذكاء الاصطناعي، لكن مواطنيها ليسوا أحرارًا. وهذه ليست مقايضة أعتقد أن العالم الحر ينبغي أن يكون مستعدًا لقبولها.
كيف يؤثر هذا الاختلاف بين الأنظمة السلطوية والديمقراطية على الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي؟
ما اقترحته هو اتباع نهج ذي مسارين، بحيث نعمل مع حلفائنا على الحفاظ على الحرية والديمقراطية حية، وفي الوقت نفسه نعمل على تقليل مخاطر الحرب مع الدول غير الديمقراطية. ولا تزال هناك أمور يمكننا الاتفاق عليها مع دول مثل الصين. فعلى سبيل المثال، يمكننا التوصل إلى اتفاق بشأن عدم المبادرة باستخدام الأسلحة الإلكترونية ضد البنية التحتية الحيوية.
قد يقول أحدهم: حسنًا، لكن الناس سيفعلون ذلك على أي حال. غير أن الطريقة التي تعمل بها هذه الاتفاقيات هي أن مجرد الحديث عن المشكلة والاعتراف بوجودها يؤدي إلى إنشاء قنوات للتواصل، ويمكن أن تكون هذه القنوات مفيدة جدًا في حالات الأزمات.
أخيرًا، كيف تعتقدين أن الانقسام السياسي في أمريكا، حيث يميل الجمهوريون إلى دعم نهج عدم التدخل في الأعمال، سيؤثر على تنظيم الذكاء الاصطناعي؟
هناك أشخاص يؤمنون حقًا بنهج عدم التدخل في السوق، وغالبًا ما ينظر الجمهوريون إلى الحكومة باعتبارها جهة إدارية غير كفؤة في تطبيق التنظيمات. وهناك بعض الحقيقة في ذلك. لكن هذا يطرح السؤال: من سيضع الضوابط إذا لم تفعل الحكومة ذلك؟ لن تكون الشركات هي من يفعل ذلك، لأن هذه ليست مهمتها. فمهمة الحكومة هي حماية المصلحة العامة وضمان عدم تجاوز الشركات لحدود معينة والتسبب في إلحاق الضرر بالناس.
يفهم الأوروبيون هذا الأمر بشكل غريزي، لكن الأمريكيين لا يفهمونه أحيانًا، رغم أنهم غالبًا ما يستفيدون من الضوابط الحكومية التي تهدف إلى ضمان السلامة العامة. وآمل أن نتمكن من تغيير موقفهم من دون أن نضطر إلى انتظار وقوع كارثة واسعة النطاق حتى يتعلموا الدرس من خلال التجربة.
