القائمة الرئيسية

ماذا يحدث للنسّاجين؟ دروس للذكاء الاصطناعي من الثورة الصناعية

ماذا يحدث للنسّاجين؟ دروس للذكاء الاصطناعي من الثورة الصناعية
ملخص المقال

يناقش المقال التأثير المزدوج للذكاء الاصطناعي على سوق العمل، مبرزًا قدرته على إعادة وظائف المهارات المتوسطة المفقودة مع التقنيات السابقة، ولكنه يحذر في الوقت نفسه من احتمال إزاحته لقطاعات بأكملها وزيادة عدم المساواة. يقدم الاقتصاديون وجهتي نظر: المتفائلون يرون فيه محركًا للنمو وخلق وظائف جديدة على غرار الثورة الصناعية، بينما يرى آخرون أن حجم التغيير غير مسبوق وقد يؤثر على نسبة كبيرة من الوظائف ويقلل الأجور. يستشهد المقال بتطور موقف الاقتصادي ديفيد ريكاردو خلال الثورة الصناعية، الذي أدرك لاحقًا الآثار السلبية للآلات على العمال. ويؤكد الاقتصاديون المعاصرون، مثل دارون أسيموغلو وسيمون جونسون، على ضرورة التدخل الحكومي الحكيم ووضع سياسات جريئة وبرامج لإعادة تأهيل المهارات لضمان توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع وتجنب تفاقم الاضطرابات الاجتماعية، مشيرين إلى أن مستقبل العمل يعتمد بشكل كبير على كيفية إدارة هذه التكنولوجيا الجديدة.

إذا أُدير الذكاء الاصطناعي بالطريقة الصحيحة، فقد تكون لديه القدرة على إعادة وظائف المهارات المتوسطة التي فُقدت مع صعود أجهزة الكمبيوتر، بحسب ما يرى اقتصاديون. لكنه قد يؤدي أيضًا، مثل المصانع الميكانيكية في الماضي، إلى إخراج قطاعات بأكملها من سوق العمل.

في غمضة عين، بدأ الذكاء الاصطناعي في التحول إلى أداة تعيد تشكيل مختلف جوانب الحياة، بدءًا من سيارات الأجرة ذاتية القيادة، مرورًا ببرمجيات تقرأ صور الأشعة السينية بدقة تضاهي دقة أطباء الأشعة، ووصولًا إلى مساعدين افتراضيين يستطيعون جدولة الاجتماعات وكتابة رسائل البريد الإلكتروني، وانتهاءً بموسيقى أصلية، وإن كانت مشتقة في بعض جوانبها، يمكن إنتاجها في لحظات وبأسلوب موزارت أو مارلي. وكما حدث مع تقنيات أحدثت اضطرابًا في الماضي، مثل السيارات وأنوال النسيج الميكانيكية وغيرها، يعد الذكاء الاصطناعي بإحداث تغيير جذري في العالم الذي نعيش فيه، بما في ذلك عالم العمل.

وبينما يثير هذا التحول الانبهار والقلق في الوقت نفسه، يناقش الاقتصاديون وصانعو السياسات الكيفية التي سيعيد بها الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا الذكاء الاصطناعي العام المنتظر بشدة، تشكيل القوى العاملة.

ويرى المتفائلون تقنيًا أن التكنولوجيا كانت تاريخيًا محركًا قويًا للنمو الاقتصادي، إذ أسهمت في ظهور صناعات جديدة ووظائف مبتكرة. وهذا ما حدث بالفعل مع ظهور السيارات. فقد تراجعت أعداد صانعي العربات ومربي الخيول وأصحاب الإسطبلات، في الوقت الذي ظهرت فيه وظائف جديدة في صناعة النفط الناشئة، ثم في قطاعات جديدة تمامًا مثل الفنادق المخصصة للمسافرين بالسيارات، والتي عُرفت لاحقًا باسم الموتيلات، ودور السينما المخصصة للسيارات. فلماذا لا يحدث الأمر نفسه مع الذكاء الاصطناعي؟

لكن آخرين يرون أن التغييرات التي سيحدثها الذكاء الاصطناعي تختلف من حيث الحجم والنطاق. فقد قدر اقتصاديون في صندوق النقد الدولي أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في ما يصل إلى 40 بالمئة من جميع الوظائف، مع إحلال الآلات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي محل أعمال كان البشر يؤدونها تقليديًا، وكان كثير منها يتطلب مهارات عالية. وحتى عندما لا تختفي الوظائف، فإن العمل الذي يؤديه البشر قد يصبح أقل قيمة، ما قد يؤدي إلى انخفاض الأجور، بحسب أنطون كورينيك، الخبير في اقتصاديات الذكاء الاصطناعي في جامعة فرجينيا.

ومع انتشار هذه المخاوف على نطاق واسع، فربما ليس من المصادفة أن اثنين من الحائزين الثلاثة على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 2024 كتبا على نطاق واسع عن الذكاء الاصطناعي وتأثيره المحتمل في الوظائف.

ويرى دارون أسيموغلو وسيمون جونسون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أننا يجب أن نتصرف بوعي وعناية لضمان توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وذلك من خلال تدخل الحكومة، ووضع سياسات جديدة وجريئة، وإطلاق برامج لإعادة تأهيل المهارات، لتجنب تعميق عدم المساواة وزيادة الاضطرابات الاجتماعية في عصر يتزايد فيه الاعتماد على الأتمتة.

وينصح الاقتصاديان، ونحن نخوض هذه المرحلة، بالاستفادة من دروس الماضي، وتحديدًا بدايات الثورة الصناعية، وهي فترة أخرى شهدت اضطرابات اقتصادية واجتماعية، والاستفادة كذلك من المرونة الفكرية التي تحلى بها أحد الشخصيات البارزة في ذلك العصر، وهو الإنجليزي ديفيد ريكاردو.

ويقول أسيموغلو وجونسون وزملاؤهما إنه إذا تصرف صانعو السياسات بحذر ومرونة، كما فعل ريكاردو، فقد يساعد الذكاء الاصطناعي حتى في استعادة ما أصبح مهددًا مع بداية الطفرة التكنولوجية، أي الوظائف الجيدة ذات الأجور المناسبة لأفراد الطبقة الوسطى.

التغييرات تصل إلى حياة الناس

وُلد ريكاردو عام 1772، وكان عضوًا في البرلمان واقتصاديًا بارزًا في عصره. وفي سنوات شبابه، كان متفائلًا بالتكنولوجيا إلى حد ما. فقد كان يعتقد أن آلات الغزل الجديدة، التي تحول القطن الخام إلى خيوط، ستزيد إنتاجية العمال وستثبت فائدتها للجميع، من العمال إلى أصحاب الأعمال والجمهور.

وكان يدرك أن الآلات الجديدة قد تؤدي في البداية إلى إزاحة بعض العاملين في الغزل من منازلهم، لكنه كان يعتقد أن هؤلاء الأشخاص سيجدون في نهاية المطاف أعمالًا في أماكن أخرى.

وهذا ما حدث بالفعل في البداية. فقد ازدهرت صناعة المنسوجات القطنية خلال حياة ريكاردو. وكانت آلات الغزل الجديدة التي طُورت في سبعينيات القرن الثامن عشر تجعل إنتاج الخيوط أسرع وأرخص. وكان العمال الذين اعتادوا غزل الخيوط في منازلهم باستخدام عجلات الغزل قد تضرروا من هذه الآلات الجديدة، لكن كثيرين منهم تمكنوا من الانتقال إلى صناعة منزلية أخرى كانت آخذة في النمو، وهي نسج الخيوط التي أصبحت أكثر وفرة وأقل تكلفة وتحويلها إلى أقمشة.

ولم تتضمن الطبعة الأولى من كتاب ريكاردو «مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب»، التي نُشرت عام 1817، أي إشارة إلى الآثار السلبية المحتملة للآلات في العمال. بل إنه أعلن في خطاب ألقاه عام 1819 أمام مجلس العموم الإنجليزي أن «الآلات لم تقلل الطلب على العمالة».

لكن واقعًا مختلفًا كان يتشكل مع اختراع ثانٍ هو أنوال النسيج الآلية، التي ظهرت بعد آلات الغزل بنحو جيل كامل.

كان بإمكان نول نسيج آلي واحد إنتاج كمية من القطن تفوق ما ينتجه من 10 إلى 20 نسّاجًا يدويًا يعملون من منازلهم، كما كانت هذه الآلات ضخمة إلى درجة أنها كانت تحتاج إلى أن توضع داخل مبانٍ مخصصة للمصانع، ما أدى إلى القضاء على إمكانية استمرار صناعة النسيج المنزلية.

ومع تفوق النسيج في المصانع على النسيج المنزلي، لم يعد أمام العمال الذين فقدوا وظائفهم مكان يذهبون إليه، لأن أنوال النسيج الآلية لم تكن تخلق سوى عدد قليل نسبيًا من الوظائف الجديدة داخل المصانع.

وبالنسبة إلى النسّاجين الذين كانوا يعملون من منازلهم، كان الأمر كارثيًا. فقد انخفض دخل الأسر التي يعمل أفرادها في النسيج اليدوي إلى النصف خلال فترة امتدت خمس سنوات وبدأت عام 1814 في بلدتين في لانكشاير، بحسب ما يروي أسيموغلو وجونسون في مقال نُشر عام 2024 في مجلة Annual Review of Economics.

وكان متوسط أجر العاملين في النسيج اليدوي في صناعة القطن الإنجليزية يبلغ 240 بنسًا أسبوعيًا عام 1806، لكنه انخفض إلى أقل من 100 بنس أسبوعيًا بحلول عام 1820، أي في الفترة نفسها تقريبًا التي كان فيها ريكاردو يلقي خطابه أمام مجلس العموم.

حتى عمال المصانع الذين حصلوا على وظائف في تشغيل أنوال النسيج الآلية الجديدة والقوية لم تكن أوضاعهم جيدة. فقد شهدت أجورهم الحقيقية نموًا محدودًا للغاية بين عامي 1806 و1835.

وأدى اتساع فجوة الثروة إلى اضطرابات اجتماعية، خصوصًا في المناطق الصناعية الشمالية التي تضررت بشدة. وفي أغسطس 1819، فُككت مظاهرة كبرى في مانشستر بالقوة المميتة، وكان يُقدر أن نحو 60 ألف شخص شاركوا فيها للمطالبة بإصلاحات سياسية، فيما أصبح يُعرف بمذبحة بيترلو.

وكان ريكاردو قد شاهد بنفسه آثار أنوال النسيج الآلية في صناعة القطن، ولذلك غيّر موقفه جذريًا. وظهرت رؤية أكثر تعقيدًا بشأن الميكنة في الطبعة الثالثة من كتاب «المبادئ»، التي نُشرت عام 1821.

وأضاف ريكاردو فصلًا جديدًا كاملًا لمناقشة تأثير الآلات، وكتب في ما يشبه التراجع عن موقفه السابق: «إن السبب نفسه الذي قد يزيد صافي إيرادات الدولة، قد يؤدي في الوقت ذاته إلى جعل جزء من السكان فائضًا عن الحاجة، وإلى تدهور حالة العامل».

تراجع أوضاع أصحاب «المهارات المتوسطة»

يقول أسيموغلو وجونسون إن التحول في موقف ريكاردو يحمل دروسًا مهمة لاقتصاديي سوق العمل وصانعي السياسات اليوم، وهم يتعاملون مع تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف والأجور.

لكن هذه المشكلة لم تبدأ مع الذكاء الاصطناعي. بل إنها كانت تتشكل منذ ثمانينيات القرن الماضي مع انتشار التقنيات الرقمية التي سرعان ما أصبحت تهيمن على قطاعات واسعة من الأعمال والتجارة والمجتمع، مثل أجهزة الكمبيوتر والإنترنت والهواتف الذكية والتجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي.

وكما حدث مع أنوال النسيج الآلية في بداية الثورة الصناعية، لم تنجح هذه التقنيات في توزيع الأرباح على العمال العاديين. وبدلًا من ذلك، يقول جونسون إن ما فعلته هذه التقنيات «هو مساعدة الأكثر مهارة أو الأكثر تعليمًا».

وفي الوقت نفسه، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، شهدت أجور أصحاب «المهارات المتوسطة»، مثل الأشخاص الذين لم يلتحقوا بالكليات التي تستغرق الدراسة فيها أربع سنوات، حالة من الركود أو الانخفاض بالقيمة الحقيقية.

ويكتب ديفيد أوتور، خبير اقتصاديات العمل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مقال بمجلة Noēma، أن الثورة التكنولوجية «ألغت بفعل الأتمتة شريحة واسعة من الوظائف ذات المهارات المتوسطة» في مجالات الدعم الإداري والأعمال الكتابية والإنتاج في وظائف العمال اليدويين.

ومثل الغزالين والنسّاجين في الماضي، شاهد هؤلاء الأشخاص مصادر رزقهم تتلاشى. وكانت النتيجة إفراغ الطبقة الوسطى من جزء كبير من قاعدتها، بحسب أوتور، ما أجبر كثيرين على التوجه إلى وظائف أقل مهارة وأدنى أجرًا.

وفي الواقع، بينما ارتفع متوسط دخل الأسرة في الولايات المتحدة بنسبة 95 بالمئة بعد احتساب التضخم خلال العقود الأربعة الماضية، وفقًا لمؤسسة بيتر جي بيترسون، وهي مؤسسة غير ربحية تركز على الوضع المالي للولايات المتحدة، فإن هذه المكاسب تفاوتت بصورة كبيرة بين أصحاب الدخول المرتفعة والفئات الأقل دخلًا.

فقد ارتفع الدخل في أعلى مجموعة من حيث الدخل بنسبة 165 بالمئة بين عامي 1981 و2021، في حين لم يزد إلا بنسبة 38 بالمئة لدى المجموعة الأدنى دخلًا. أي أن المجموعة الأكثر ثراءً حققت مكاسب تزيد على أربعة أضعاف ما حققته المجموعة الأقل دخلًا.

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد؟

والآن يأتي الذكاء الاصطناعي. فهل سيؤدي إلى تفاقم هذا الاتجاه، أم أنه قد يمثل، إذا أُدير بالطريقة الصحيحة، فرصة جديدة؟

يبدي جونسون وأوتور وأسيموغلو قدرًا من التفاؤل.

ويكتب أوتور: «الذكاء الاصطناعي، إذا استُخدم بصورة جيدة، يمكن أن يساعد في استعادة قلب سوق العمل الأمريكي الذي يعتمد على المهارات المتوسطة والطبقة الوسطى، والذي أفرغته الأتمتة والعولمة من جزء كبير من وظائفه».

ومن خلال تدريب الأفراد على استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها، قد يتمكن العاملون من أصحاب المهارات المتوسطة من تولي العديد من مهام اتخاذ القرار التي كان يُفترض سابقًا أنها حكر على الأطباء والمحامين ومهندسي البرمجيات وحتى أساتذة الجامعات.

فعلى سبيل المثال، يمكن لعامل صحي ذي خبرة أن يتقن استخدام جهاز طبي جديد، مثل نوع جديد من القسطرة، أو أن ينفذ إجراءً طبيًا غير مألوف خلال حالة طبية طارئة.

ويقول أوتور إنه في قطاع الرعاية الصحية «هناك عدد هائل من القرارات المتخصصة التي يجب اتخاذها، وتقنيات كثيرة مستخدمة، وعدد كبير من مقدمي الرعاية الذين تلقوا تدريبًا صارمًا لكنهم ليسوا أطباء حاصلين على درجة MD، ومع ذلك من المرجح أن يتمكنوا من أداء مهام بمستوى أعلى، أي مهام ذات مخاطر أكبر، إذا حصلوا على أدوات دعم أفضل».

ويُعد التصوير بالموجات فوق الصوتية للرئة، على سبيل المثال، تقنية واعدة لتشخيص المرضى الذين يعانون ضيق التنفس. وعلى الرغم من أن الأطباء عادة ما يجرون هذا الفحص ويفسرون نتائجه، أظهرت دراسة حديثة أن العاملين في الرعاية الصحية الذين ليست لديهم خبرة في استخدام الموجات فوق الصوتية للرئة «تمكنوا من الحصول على مقاطع عالية الجودة من صور الموجات فوق الصوتية للرئة باستخدام أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي»، بحسب أوتور.

وفي أماكن أخرى، يضيف أوتور، تستفيد صناعة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء من أدوات الذكاء الاصطناعي التي توفر إرشادات في الوقت الفعلي وتشخيصًا عن بُعد، ما يمكّن الفنيين من حل مشكلات أكثر تعقيدًا.

ويستطيع الفنيون الموجودون بالفعل في منزل أو مبنى استخدام أداة ذكاء اصطناعي شبيهة بـ ChatGPT لاستكشاف المشكلات وإصلاحها من خلال مخطط انسيابي. وفي السابق، ربما كانوا يضطرون إلى الاتصال بخبير هاتفيًا للحصول على المساعدة.

ويقول جونسون إن هناك مثالًا سابقًا على هذه التحولات، أي قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، يتمثل في صعود مهنة ممارسي التمريض.

ويقول: «لم يكن هناك عدد كبير من ممارسي التمريض قبل 30 عامًا. أما الآن، فأصبح كل عيادة لطبيب أطفال تضم ممارسي تمريض. والآباء يشعرون بامتنان كبير لما يحصلون عليه من مشورة وإمكانية الوصول إلى الرعاية، لأن لديهم أشخاصًا ذوي مهارات عالية لا يحملون درجات MD، لكنهم أصبحوا قادرين على أداء هذه المهام، إذ مكنتهم تراخيصهم ومنحتهم الصلاحيات اللازمة».

ويضيف جونسون أن الفكرة ليست استبدال الأطباء.

ويقول: «نحن نقول ببساطة: أعيدوا التوازن. عززوا قدرات الأشخاص الذين لم يحصلوا على أربع سنوات من التعليم الجامعي. ومكّنوهم من أن يكونوا أكثر إنتاجية».

لكن ليس جميع الاقتصاديين مقتنعين بأن هذا النوع من الحلول سينجح مع الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا عندما يصل الذكاء الاصطناعي العام، الذي يتمتع بقدرات معرفية بمستوى البشر.

ويقول كورينيك: «يتمثل الاختلاف الرئيسي عن التغيرات التكنولوجية السابقة في أن الذكاء الاصطناعي العام سيكون قادرًا على أداء أي مهمة معرفية، ما قد يترك عددًا قليلًا من الأدوار الاقتصادية الفريدة للعمال البشر».

ويضيف أن هذا «قد يؤدي إلى إزاحة واسعة النطاق للعمالة وانخفاض كبير في الأجور»، ما لم تتدخل الحكومات لمنع اتساع فجوة الثروة بصورة أكبر.

وعلى المدى القصير، يقول كورينيك، قد يعني ذلك رفع مهارات العاملين في وظائف تتطلب قدرات لا تزال فريدة من نوعها لدى البشر، مثل «التواصل الإنساني الأصيل، والذكاء العاطفي، والإشراف الأخلاقي»، وهي مجالات لا تتفوق فيها الآلات أو لا تلبي فيها حاجة إنسانية.

وقد تشمل الأمثلة على ذلك المعالجين النفسيين، ومقدمي رعاية الأطفال، والمرشدين الدينيين.

وعلى المدى الأبعد، قد تحتاج المجتمعات إلى تحولات أكبر، مثل تقاسم الازدهار من خلال تطبيق فكرة الدخل الأساسي الشامل، أي مدفوعات نقدية منتظمة تقدمها الحكومات للمواطنين دون شروط، سواء كانوا يعملون أم لا.

إرشادات من الماضي

لا توجد في الوقت الحالي سوى دراسات قليلة مقنعة حول تأثير الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي العام، في الوظائف والأجور على مستوى العالم.

ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الباحثين مضطرون إلى أخذ وظائف لم تظهر بعد، في صناعات لم تُبتكر بعد، في الحسبان.

لكن بينما ننتظر انكشاف هذا العالم الجديد، قد تقدم لنا حياة ديفيد ريكاردو وعصره بعض الأفكار التي تستحق التأمل.

كان تأثير الآلات الجديدة التي أُدخلت إلى مصانع النسيج الإنجليزية في أوائل القرن التاسع عشر في حياة العمال أسوأ بكثير مما توقعه ريكاردو.

وقد استغرق الأمر منه وقتًا طويلًا حتى يدرك ذلك. وعندما أدركه، كان قد اقترب من سن الخمسين، وكان ثريًا وواسع العلاقات وفي قمة مسيرته المهنية.

وكان من السهل عليه أن يتجاهل الآثار السلبية لهذه الآلات المذهلة، أي أنوال النسيج الآلية. لكنه بدلًا من ذلك اعترف ريكاردو بخطئه وعدّل نظرياته.

ويقول جونسون إن هذا النوع من التفكير المرن والنزاهة الفكرية سيكون حاسمًا في عصر الذكاء الاصطناعي.

ويكتب هو وأسيموغلو في بحثهما: «لدينا الكثير لنتعلمه من انفتاح ريكاردو على الأفكار الجديدة وطرق التفكير الجديدة في الاقتصاد».

وقد تعلمت إنجلترا بالفعل من انهيار صناعة النسيج اليدوي وما عانته الطبقة العاملة عمومًا.

فقد وسعت البلاد المشاركة السياسية لمدنها الصناعية. وقبل عام 1832، لم تكن مدن مثل مانشستر ممثلة أصلًا في البرلمان.

وفي عام 1833، أقرّت إنجلترا قانون المصانع، الذي أدخل ما يمكن اعتباره أحد أوائل القوانين القابلة للتنفيذ في العالم لتنظيم عمل الأطفال في المصانع. وكان القانون يتطلب إجراء عمليات تفتيش للمصانع.

وفي أربعينيات القرن التاسع عشر، ألغت الحكومة قوانين الحبوب الحمائية، وهو ما جعل الغذاء أكثر وفرة وأقل تكلفة بالنسبة إلى الطبقة العاملة في المدن.

وكان ريكاردو، المؤيد للتجارة الحرة، من أبرز الأصوات التي ضغطت من أجل إلغاء قوانين الحبوب.

والعالم الجديد يندفع نحونا بسرعة.

وقد طرح دانيال كوكوتايلو، الباحث السابق في مجال الحوكمة لدى شركة OpenAI المطورة لـ ChatGPT، والذي يرأس الآن مشروع AI Futures Project، سيناريو يفترض أن الذكاء الاصطناعي العام سيقود إلى طفرة اقتصادية بحلول عام 2027، لكنه سيتسبب في الوقت نفسه في فقدان ملايين الوظائف، لأن برمجياته ستتفوق على البشر في البرمجة والبحث وغيرهما من المهام المعرفية.

ويقول كوكوتايلو الآن: «قد يستغرق الأمر بضع سنوات أطول من عام 2027».

وتختلف التوقعات الأخرى. فهي تتراوح بين عالم تصبح فيه نسبة متزايدة من الثروة محتجزة لدى قلة من الناس، وعالم يساعد فيه الذكاء الاصطناعي على تقليل أوجه عدم المساواة.

ويعتمد الأمر بدرجة كبيرة على الطريقة التي ستختار بها حكوماتنا التصرف.

ويقول جونسون: «إن كل الذكاء وكل المواهب الموجودة في مجال علوم الكمبيوتر تتجه نحو السعي وراء الذكاء الاصطناعي، بدرجة لم أشهد مثلها منذ الطفرة الكبيرة التي شهدها الإنترنت في نهاية تسعينيات القرن الماضي».

لكنه يضيف أن النظر إلى الثورة الصناعية والتاريخ بصورة أوسع يوضح أن «مجرد امتلاك آلات جديدة ومعجزة لا يعني أن معظم الناس سيستفيدون منها».

مقالات ذات صلة