القائمة الرئيسية

الجبهة غير المحكومة للهجمات السيبرانية بالذكاء الاصطناعي الوكيلي

الجبهة غير المحكومة للهجمات السيبرانية بالذكاء الاصطناعي الوكيلي
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة التحول الخطير الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي الوكيلي في عالم الهجمات السيبرانية، حيث أصبحت الأنظمة قادرة على تنفيذ الهجمات والتكيف معها بسرعة الآلة وبأقل تدخل بشري، في وقت لا تزال فيه أطر الحوكمة الدولية مصممة لعصر أبطأ. وتسلط الضوء على صعوبة إسناد هذه الهجمات إلى جهات محددة، والحاجة إلى تحديث الأعراف السيبرانية العالمية، مع إبراز الفرصة المتاحة أمام الهند والاتحاد الأوروبي ودول الجنوب العالمي لقيادة إطار دولي أكثر صرامة وملاءمة قبل أن تسبق موجات الهجمات الوكيلية المقبلة قدرة العالم على تنظيمها.

مع دفع الذكاء الاصطناعي الوكيلي للهجمات السيبرانية إلى العمل بسرعة الآلة، تواجه الأعراف متعددة الأطراف، التي صُممت لعالم أبطأ تتحرك فيه العمليات بوتيرة بشرية، صعوبة متزايدة في مواكبة هذا التحول.

أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلي، بقدراتها المتنامية، تهديدًا رئيسيًا للأمن السيبراني العالمي، في وقت لم تتمكن فيه الدبلوماسية السيبرانية من مواكبة هذا التطور. فعلى سبيل المثال، تكاد الحوكمة الدولية لا تحظى بأي ذكر في سياسة الأمن السيبراني لإدارة ترامب. كما أشارت مؤسسة ديبلو ومجلة القانون والسياسات «جاست سيكيوريتي» إلى أن كلمة «الأعراف» وردت مرة واحدة فقط، وكان استخدامها مرتبطًا بالتكنولوجيا لا بالدبلوماسية.

يأتي هذا التراجع عن منظومة الحوكمة متعددة الأطراف في لحظة تشهد تحولًا هيكليًا عميقًا في مشهد التهديدات السيبرانية. وقد نتج ذلك عن ظهور الذكاء الاصطناعي الوكيلي بوصفه أداة للهجوم، بما يعني انتقالًا في طبيعة «ما الذي يهاجم» بدلًا من التركيز فقط على «من يهاجم».

ما الذي يجعل الذكاء الاصطناعي الوكيلي مختلفًا من الناحية الهيكلية؟

يمثل الانتقال من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الذكاء الاصطناعي الوكيلي نقطة تحول حاسمة في تطور هذه التكنولوجيا. إذ تستطيع الأنظمة الوكيلية التصرف من تلقاء نفسها بدلًا من الاكتفاء بتحليل البيانات أو التوصية بإجراءات كما كانت تفعل أدوات الذكاء الاصطناعي السابقة. فهي تنفذ المهام، وتصل إلى قواعد البيانات، وتنقل الملفات، وتتواصل بين المنصات، وترفع مستوى الصلاحيات بشكل مستقل مع تدخل بشري محدود للغاية.

ويمكن لوكيل ذكاء اصطناعي تعرّض للاختراق من طرف شخص غير مصرح له، أو تأثر بتعليمات عدائية وُضعت داخل بيئته، أن يتحرك عبر أنظمة الهوية والحوسبة السحابية والبرمجيات كخدمة (SaaS) من دون اكتشافه. كما يمكنه تجاوز الإجراءات الأمنية وتعديل أفعاله في أي لحظة دون تدخل بشري. وهذا يختلف عن البرمجيات الخبيثة التقليدية التي تعتمد على مشغّل بشري لتنفيذ الهجوم.

أفاد تقرير CrowdStrike العالمي للتهديدات لعام 2026، الذي يجمع معلومات عن أكثر من 280 جهة تهديد معروفة، بارتفاع حاد في مثل هذه الهجمات. فقد انخفض متوسط زمن الاختراق في جرائم الإنترنت خلال عام 2025 إلى 29 دقيقة، أي أن الهجمات أصبحت أسرع بنسبة 65 في المئة مقارنة بالعام السابق. أما أسرع اختراق سُجل على الإطلاق فقد وقع خلال 27 ثانية. وفي حادثة اختراق موثقة أخرى، بدأ استخراج البيانات بعد أربع دقائق فقط من الوصول إلى النظام. ولا يترك هذا الإطار الزمني أي مجال فعلي لتدخل دفاعي بشري.

وقال مايكل سينتوناس، رئيس CrowdStrike، خلال عرض تقديمي حديث: «ستصبح الأوامر النصية هي البرمجيات الخبيثة الجديدة».

كما أبرز التقرير أن المهاجمين يستغلون أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي لإرسال أوامر خبيثة إلى أكثر من 90 مؤسسة بهدف سرقة بيانات الاعتماد والعملات المشفرة، في مثال أصبح نموذجًا واضحًا على استخدام أنظمة منشورة لأغراض دفاعية لإطلاق هجمات.

وسجلت فرق من Google وZscaler وUnit 42 بشكل مستقل نوعًا مرتبطًا بذلك يُعرف باسم «حقن الأوامر غير المباشر»، حيث لا تُكتب الأوامر الخبيثة مباشرة داخل نموذج الذكاء الاصطناعي، بل تُخفى ضمن محتوى متاح للعامة على الإنترنت ويمكن لأي شخص الوصول إليه، بما في ذلك وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين قد يقرؤون هذا المحتوى أو يجمعونه لاحقًا. وبهذه الطريقة يمكن التلاعب بالذكاء الاصطناعي ودفعه إلى كشف معلومات أو إجراء مدفوعات نيابة عن المهاجم.

ووفقًا لتقرير Flashpoint العالمي لاستخبارات التهديدات لعام 2026، تعرض أكثر من 11.1 مليون جهاز للاختراق باستخدام برمجيات سرقة المعلومات خلال عام 2025، مع وجود مخزون بلغ 3.3 مليارات من بيانات الاعتماد والرموز السحابية المخترقة.

وتتجاوز الهجمات الحديثة الحدود الأمنية التقليدية باستخدام بيانات اعتماد وجلسات ورموز وصول مسروقة للحصول على وصول يبدو شرعيًا إلى الأنظمة. ومع ارتفاع هجمات برامج الفدية بنسبة 53 في المئة خلال عام 2025، امتد سطح الهجوم ليشمل المتصفحات والأجهزة الشخصية ومنصات البرمجيات كخدمة ووسائل الوصول الخارجية.

منظومة حوكمة بُنيت لعصر مختلف

تمثل الأعراف الحالية المتعلقة بالسلوك المسؤول للدول في الفضاء السيبراني ثمرة ما يقرب من عشرين عامًا من الجهود متعددة الأطراف المتأنية.

فقد وضعت عملية فريق الخبراء الحكوميين التابع للأمم المتحدة المعني بأمن المعلومات، التي بدأت عملها عام 2004، أحد عشر عرفًا طوعيًا وغير ملزم للسلوك المسؤول للدول في تقريرها لعام 2015. وفي وقت لاحق، توسعت المشاركة في هذه العملية لتشمل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

ودعا آخر تقرير للفريق العامل مفتوح العضوية، الصادر في يوليو 2025، إلى تطوير مزيد من الأعراف، لكنه لم يتضمن أي توصيات فورية. وتتواصل هذه المناقشات الآن في إطار الآلية العالمية الجديدة للأمم المتحدة بشأن الأمن السيبراني، التي عقدت أولى جلساتها التنظيمية في مارس 2026.

لقد تطورت هذه البنية المؤسسية وأعرافها على مدى سنوات، واعتمدت بالتوافق، ونُفذت تدريجيًا لكي تعمل في بيئة تتحرك فيها العمليات بوتيرة بشرية، ويمكن فيها إسناد الهجوم إلى دولة أو جهة فاعلة معروفة، كما يمكن تتبع العمليات بدرجة كافية من اليقين تسمح برد دبلوماسي.

غير أن إسناد الهجمات إلى منفذيها يصبح أكثر صعوبة عندما تختلط بحركة البيانات العادية. ومع كون 82 في المئة من جميع عمليات الاختراق المكتشفة خالية من البرمجيات الخبيثة، قد تغيب الأدلة الجنائية الرقمية، لأن الأطر الحالية تعتمد إلى حد كبير على اكتشاف آثار البرمجيات الخبيثة. وعندما يعمل المهاجمون باستخدام بيانات اعتماد مسروقة وأدوات مشروعة، فإنهم قد لا يتركون وراءهم أدلة واضحة.

الفرصة المميزة أمام الهند

باعتبارها دولة تتموضع بين الجنوب العالمي ودول الحوار الأمني الرباعي «كواد»، تتمتع الهند بموقع مناسب بصورة خاصة لملء الفراغ الحالي في الحوكمة.

وقد شارك أكثر من 300 ألف شخص في قمة الهند لتأثير الذكاء الاصطناعي التي استمرت خمسة أيام، فيما أيد ما لا يقل عن 92 دولة ومنظمة دولية إعلان نيودلهي.

لكن ما يزال هناك عنصر مفقود يتمثل في موقف عقائدي واضح بشأن الكيفية التي ينبغي بها للقانون الدولي الحالي أن يحكم القدرات الوكيلية للذكاء الاصطناعي، أي القدرات التي تتسم بالاستقلالية والاستمرارية والعمل عبر الحدود.

ومع ذلك، لا تزال مساهمات الهند في النقاشات الدولية بشأن الذكاء الاصطناعي الوكيلي وبناء الأعراف السيبرانية غير مكتملة التطور.

وقد اتخذت البلاد خطوة مهمة نحو الجيل المقبل من الدبلوماسية السيبرانية، إذ جرى تفعيل مقترحها لعام 2022 لإنشاء بوابة عالمية للتعاون في أمن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وبناء القدرات، بتمويل هندي كامل، خلال الجلسة العامة الموضوعية الافتتاحية للآلية العالمية.

كما أن مجموعات العمل التابعة لقمة الهند لتأثير الذكاء الاصطناعي قائمة بالفعل بوصفها آلية مؤسسية لدعم ذكاء اصطناعي آمن وموثوق. إلا أن ما ينقص هو موقف عقائدي واضح بشأن كيفية تطبيق القانون الدولي الحالي على القدرات الوكيلية للذكاء الاصطناعي التي تتسم بالاستقلالية والاستمرارية والقدرة على العمل عبر الحدود.

وبعد أن أثبتت الهند قدرتها على أن تكون جهة موثوقة تجمع دول الجنوب العالمي، أصبحت أمامها فرصة كبيرة لبناء خيار ثالث مستقل عن أولوية النهج الهجومي الأمريكي وعن التصور الصيني للسيادة الوطنية باعتبارها درعًا في مواجهة الأعراف الدولية.

وسيتطلب تحويل هذه الميزة إلى مساهمة عقائدية أن تقدم الهند مقترحًا جوهريًا داخل الآلية العالمية للأمم المتحدة.

ما الذي يتطلبه إطار ملائم للغرض؟

لا تحتاج إعادة بناء المنظومة المعيارية لعصر الذكاء الاصطناعي الوكيلي إلى البدء من الصفر. بل المطلوب هو تكييفها مع عالم لم تُصمم من أجله أصلًا: هجمات فائقة السرعة، ومنفذون يصعب تعقبهم، وذكاء اصطناعي يمكن أن يكون في الوقت نفسه مهاجمًا وضحية للهجوم.

وثمة ثلاثة تعديلات محددة مطلوبة، يرتبط كل منها بمنتدى قائم بالفعل.

أولًا، تحتاج الأعراف الإحدى عشرة الحالية لفريق الخبراء الحكوميين إلى إرشادات موثوقة تحدد كيفية تطبيقها على العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بدلًا من الدخول في مفاوضات جديدة قد تستغرق عقدًا كاملًا لوضع أعراف جديدة. وتعد الآلية العالمية للأمم المتحدة المنتدى المناسب لبدء هذه العملية.

ثانيًا، يجب تكييف تدابير بناء الثقة القائمة مع العمليات التي تجري بسرعة الآلة. إذ يفقد الإطار أهميته عندما يُقاس زمن إسناد الهجوم والرد عليه بالأيام أو الأسابيع. ولذلك، من الضروري إنشاء بروتوكول للتبادل التقني بين الحكومات، وحتى بين الخصوم، يعمل في وقت قريب من الزمن الحقيقي.

ثالثًا، يجب معالجة استخدام تكنولوجيا «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» في الهجمات السيبرانية الهجومية بشكل صريح. ويتعين أن يستند أي إطار للحوكمة إلى تعريف معياري للكيان الخبيث المستقل، أي ذلك القادر على تكرار هجماته وتكييفها وتوسيع نطاقها من دون تدخل بشري.

وهناك بالفعل أساس يمكن البناء عليه. فمعيار ISO/IEC 42001، وهو أول معيار عالمي لنظام إدارة الذكاء الاصطناعي، يضع متطلبات قابلة للتدقيق للمؤسسات بشأن حوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي طوال دورة حياتها. ويكمله معيار ISO/IEC 23894 بإرشادات خاصة بإدارة المخاطر المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. وكلا المعيارين قابل للتطبيق عمليًا على أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلي، ويمكن أن يشكلا أساسًا لإرشادات الآلية العالمية للأمم المتحدة.

ويبقى السؤال غير المحسوم هو ما إذا كان التحالف الذي تشكّل حول إعلان نيودلهي قادرًا على تحويل قوته في جمع الأطراف إلى التزام ملزم قانونيًا قبل أن تنطلق الموجة المقبلة من الهجمات الوكيلية.

وعلى الجانب التقني، يضع ملف الذكاء الاصطناعي التوليدي التابع للمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST)، إلى جانب مبادرة معايير وكلاء الذكاء الاصطناعي الجديدة، متطلبات تتعلق بهوية الوكلاء المستقلين وآليات التفويض والصلاحيات الممنوحة لهم.

وتذهب قائمة OWASP لأبرز عشرة مخاطر في التطبيقات الوكيلية لعام 2026 إلى أبعد من ذلك، إذ تحدد أنماطًا محددة للفشل مثل الإفراط في منح الوكيل حرية التصرف ومنحه صلاحيات غير منضبطة، وهي مخاطر ينبغي لأي معيار برمجي أن يراقبها.

ومن ثم، فإن المهمة الحالية لا تتمثل في صياغة مدونات سلوك جديدة، بل في إقناع الدول بالتعامل مع هذه الضوابط باعتبارها إلزامية بدلًا من كونها طوعية بالنسبة لأي حكومة أو مزود ينشر ذكاءً اصطناعيًا وكيليًا قادرًا على إحداث ضرر.

إن الدول والمنظمات الـ92 الموقعة على إعلان نيودلهي تمثل أكثر من مجرد إنجاز دبلوماسي؛ فهي تشكل تحالفًا قائمًا بالفعل من رواد بناء الأعراف لعصر الذكاء الاصطناعي الوكيلي.

ولا تزال الآلية العالمية للأمم المتحدة مبادرة لم تتحول بعد إلى نتيجة عملية ملموسة، في حين يتأخر الجدول الزمني للحوكمة عن تهديد يتحرك بسرعة الآلة.

وتمتلك الهند والاتحاد الأوروبي وشركاؤهما في الجنوب العالمي القدرة والدافع للتحرك. لكن ما يزال غير واضح هو ما إذا كان التحالف الذي تشكّل حول إعلان نيودلهي سيتمكن من تحويل قدرته على جمع الأطراف إلى التزام ملزم قانونيًا قبل أن تبدأ الموجة التالية من الهجمات القائمة على الذكاء الاصطناعي الوكيلي.

المصدر

مقالات ذات صلة