القلب معجزة بيولوجية. فهو ينبض نحو 2.5 مليار مرة خلال متوسط عمر الإنسان. وعلى خلاف خلايا الجلد التي تموت وتتجدد باستمرار، يكاد القلب البالغ السليم لا يتجدد على الإطلاق، رغم كل ما يتعرض له من اهتراء وتلف.
وللقلب قدرة أخرى استثنائية: مقاومة الأورام. فكل نسيج في الجسم تقريبًا يمكن أن يصاب بالسرطان، لكن القلب نادرًا ما يحدث له ذلك. وتظهر السرطانات في أنسجة القلب في أقل من 0.3% من حالات تشريح الجثث، أو نحو 1.5 حالة لكل مليون شخص سنويًا.
وقد حيّرت الطريقة التي يمنع بها القلب السرطانَ الباحثين طويلًا. وقد يؤدي تحديد دفاعاته الخفية إلى ابتكار علاجات للأنسجة الأكثر عرضة للإصابة، بما في ذلك الأعضاء التي تسبب أعلى معدلات الوفاة مثل الثدي والرئة والقولون والمستقيم.
وقد يكون الإجهاد الميكانيكي المستمر هو المفتاح. إذ تشير دراسة جديدة من جامعة ترييستي إلى أن القلب، مع كل نبضة، يدفع ضد الضغط بطريقة تخفف نشاط الجينات المرتبطة بنمو الأورام. وفي تجربة تشبه إلى حد ما تجارب فرانكنشتاين، زرع الباحثون قلوبًا حية في أعناق الفئران، حيث ظلت القلوب حية لكنها لم تتعرض للإجهاد الميكانيكي.
وعندما حقن الفريق خلايا سرطانية، أبطأت قلوب الفئران التي كانت تنبض غزو السرطان، بينما اجتاح السرطان القلوب المزروعة بالكامل تقريبًا خلال أسابيع. كما أن أنسجة القلب النابضة التي نمت في المختبر قاومت الأورام أيضًا مقارنة بالأنسجة التي لم تكن تنبض.
ولا تشعر خلايا القلب بالإجهاد وحدها. فخلايا الرئة والجلد والعضلات تتعرض له أيضًا، لكن بطرق مختلفة وغالبًا أقل انتظامًا. ومن الممكن أن تؤدي إعادة إنتاج قوى تشبه تلك الناتجة عن ضربات القلب، وربما باستخدام أجهزة قابلة للارتداء، إلى توسيع هذا النوع من الحماية الطبيعية ليشمل أنواعًا أكثر شيوعًا من السرطان.
آلام النمو
نمو الخلايا سلاح ذو حدين. فمن ناحية، يعد ضروريًا لشفاء الجسم وتجديده. فالجلد يتعرض باستمرار للإشعاع والسموم، كما يصاب بالجروح والكدمات. ولإصلاح الأضرار، تتجدد خلايا الجلد كل 40 إلى 56 يومًا. أما خلايا الكبد، التي تتعرض للقصف بالمواد الكيميائية الموجودة في الطعام والأدوية والكحول، فتتجدد للحفاظ على وظائف الكبد حتى بعد تعرضه لإصابات كبيرة.
لكن السرطان هو الثمن الذي ندفعه مقابل النمو. إذ تنشأ الأورام عندما يؤدي انقسام الخلايا إلى إتلاف الحمض النووي. ومع مرور الوقت، تنمو السرطانات وتنتشر. ولهذا السبب لا نصاب بالسرطان في أسناننا أو أظافرنا أو شعرنا، فالخلايا التي تكوّن هذه الأجزاء ميتة. كما أن الخلايا التي نادرًا ما تنقسم تفلت إلى حد كبير من السرطان. فالخلايا العصبية الناضجة لا تتجدد إلا بالكاد ونادرًا ما تشكل أورامًا سرطانية. أما خلايا الدم الحمراء، التي تفتقر إلى نواة وإلى الحمض النووي، فلا يمكن أن تصبح سرطانية على الإطلاق. وخلايا عضلة القلب تشبهها في هذا الجانب. فعلى الرغم من انقباضها وتعرضها للتلف بلا توقف، لا يجدد نفسه سنويًا سوى نحو 1% منها أو أقل.
وهذا يفسر جزئيًا سبب ندرة سرطانات القلب الأولية. لكن العضو يقاوم أيضًا السرطانات الثانوية الغازية التي تنتقل إليه من أنسجة أخرى، والتي تكون عادةً أكثر فتكًا بكثير.
وكتب وايت بالتزر وجيمس مارتن من كلية بايلور للطب، وهما لم يشاركا في الدراسة: «حتى النقائل السرطانية في القلب غالبًا ما تكون صامتة سريريًا، أي من دون أعراض يمكن اكتشافها، ولا تُكتشف حالات كثيرة منها إلا بالمصادفة أو أثناء تشريح الجثث».
وهنا تكمن المفارقة. فالقلب مغمور بالأكسجين والمواد الغذائية، وهي بيئة مثالية لاستقرار الخلايا السرطانية المهاجرة ونموها. ومع ذلك، فإنها لا تفعل ذلك. وقد يكون أحد الأسباب هو عدم قدرة القلب على التجدد. وقد أشارت دراسات سابقة إلى أن القوى الميكانيكية الناتجة عن ضربات القلب تحد من انقسام الخلايا. وتساءل الفريق عما إذا كانت هذه القوى نفسها تحمي القلب أيضًا من السرطان.
تحت الضغط
لاختبار فكرتهم، كان على الباحثين صنع قلب حي لا ينبض.
وقال مؤلف الدراسة جوليو تشوتشي لمجلة Science: «كان ذلك الجزء الأكثر صعوبة، لأن إبقاء القلب ساكنًا أمر بالغ الصعوبة».
وقد طوّر الباحثون تقنية مستخدمة مع مرضى قصور القلب في مراحله النهائية لإزالة الإجهاد الميكانيكي. ففي البشر، يتولى جهاز مزروع مهمة ضخ الدم. أما هنا، فنقل الفريق قلبًا متبرعًا به إلى عنق فأر، ووصلوه بالأوعية الدموية. واستمر قلب الحيوان نفسه في ضخ الدم بصورة طبيعية، بينما ظل القلب المزروع حيًا لكنه لم يؤد أي وظيفة.
ثم حقن الباحثون خلايا سرطان الرئة، التي تنتشر غالبًا إلى القلب، في كلا العضوين. وخلال أسبوعين، كانت خلايا القلب المزروع السليمة قد اجتاحتها الخلايا السرطانية تقريبًا بالكامل. أما في القلب النابض، فنادرًا ما غطت الأورام أكثر من 20% من حجرة واحدة. وتحت الضغط المستمر، واجهت الخلايا السرطانية صعوبة في الانقسام.
لكن وجود فأر بقلبين ليس أمرًا اعتياديًا بالتأكيد. كما أن زراعة الأعضاء تنطوي على خطر مهاجمة الجهاز المناعي للعضو المزروع والإصابة بالعدوى، وهما عاملان يمكن أن يؤثرا في كيفية تطور السرطان. وقال تشوتشي: «هناك الكثير من العوامل المربكة».
لذلك انتقل الفريق إلى استخدام «قلب اصطناعي» زُرعت فيه خلايا سرطانية، بحيث يمكن التحكم في القوى الميكانيكية وزيادتها أو خفضها بمعزل عن العوامل الأخرى. وكما حدث في تجارب زراعة القلب، انتشر السرطان في الأنسجة بعد إزالة الإجهاد الميكانيكي. لكنه كان محصورًا في الغالب على سطح الأنسجة النابضة وبكميات أقل.
وللبحث عن تفسير لذلك، قارن الباحثون نشاط الجينات في أنسجة مرضى انتشرت سرطاناتهم إلى القلب والكبد والرئتين، فوجدوا نمطًا مميزًا للتعبير الجيني في القلب. وفي الأنسجة المصممة هندسيًا، غيّر الإجهاد الميكانيكي طريقة تغليف الحمض النووي، مما حد من وصول الخلايا إلى الجينات المرتبطة بالنمو والسرطان.
ويوجد بروتين على سطح نواة الخلية، وهي مركز الحمض النووي فيها، يترجم القوى الفيزيائية القادمة من خارج الخلية إلى إشارات تحدد الجينات التي يجري تشغيلها أو إيقافها. وعندما عطّل الباحثون هذا البروتين، أصبحت الخلايا السرطانية الغازية «عمياء» تجاه ضربات القلب ونمت بحرية.
لطالما عرف العلماء أن الإجهاد الميكانيكي يؤثر في السرطان. فعندما تنمو السرطانات، تصبح الخلايا الأنسجة المحيطة بها أكثر صلابة، مما يعزز بقاءها ونموها وقدرتها على التهرب من الجهاز المناعي ومقاومة الأدوية. وتشير النتائج الجديدة إلى أن حركة الأنسجة التي تستضيف الورم تؤدي دورًا أيضًا، كما أن البروتين الذي حُدد حديثًا قد يكون هدفًا محتملًا للأدوية.
ويستكشف الفريق الآن ما إذا كان من الممكن محاكاة القوى الشبيهة بضربات القلب في أعضاء أخرى لمنع نمو السرطان. فالرئتان والجلد وغيرها من الأنسجة تتمدد وتنقبض بالفعل، لكنها تظل عرضة للإصابة بالسرطان.
وقال تشوتشي: «نعتقد حقًا أن المفتاح هنا هو الضغط المستمر الذي يحدث في القلب». ويعمل الباحثون مع مهندسين على تطوير جهاز قابل للارتداء لعلاج الميلانوما، وهي نوع من سرطان الجلد، بحيث يضغط على الخلايا بطريقة مشابهة لضربات القلب. وتبدو النتائج الأولية واعدة.
