- من المتوقع أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي إلى 2.5 تريليون دولار في عام 2026، ومع ذلك لا تزال العديد من المؤسسات تتساءل عن كيفية تحويل هذا الاستثمار إلى قيمة أعمال مستدامة.
- تتغير المهارات المطلوبة في الوظائف الأكثر تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي بوتيرة تزيد على ضعفي سرعة تغيرها في الوظائف الأقل تعرضاً له، ما يجعل الاستثمار في القوى العاملة بنفس أهمية الاستثمار في التكنولوجيا.
- كل ثانيتين، يسجل شخص ما في دورة تدريبية حول الذكاء الاصطناعي التوليدي على منصة Coursera، ما يؤكد وجود طلب قوي لدى القوى العاملة على التدريب في مهارات الذكاء الاصطناعي.
يتطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة. فبعد ثلاث سنوات ونصف فقط من ظهور أول نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، أصبح الرؤساء التنفيذيون بالفعل تحت ضغط متزايد لتحقيق عوائد قابلة للقياس من استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي. وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي سيصل إلى 2.5 تريليون دولار في عام 2026 وحده. ومع ذلك، وعلى الرغم من مستويات الاستثمار القياسية، لا تزال العديد من المؤسسات تواجه السؤال نفسه: كيف يمكننا تحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى قيمة مستدامة للأعمال في وقت تستمر فيه التكنولوجيا في التطور بسرعة استثنائية؟
اتبعت كل تقنية أحدثت تحولاً جذرياً نمطاً مألوفاً. تبدأ كقوة محدثة للاضطراب، تولد قدراً هائلاً من الحماس والوعود، ثم تمر بفترة من خيبة الأمل، قبل أن تصبح في نهاية المطاف جزءاً متأصلاً من نسيج عملنا وحياتنا اليومية. لقد غيّر الإنترنت الطريقة التي نعيش ونعمل بها. وأعادت الهواتف المحمولة تشكيل كيفية تفاعلنا مع الإنترنت ومع بعضنا البعض. كما أعادت الحوسبة السحابية صياغة الطريقة التي تبني بها المؤسسات البرمجيات وتنشرها وتوسع نطاقها.
وفي كل واحدة من هذه التحولات، لم يظهر الأثر الأكبر عندما تبنت الشركات التكنولوجيا للمرة الأولى، بل عندما انتشرت قدراتها على نطاق واسع، فغيرت سير العمل، وأتاحت نماذج أعمال جديدة، وأسهمت في نهاية المطاف في تحقيق مكاسب واسعة في الإنتاجية والنمو الاقتصادي. والذكاء الاصطناعي يدخل الآن هذه المرحلة بسرعة أكبر من أي تقنية سبقته.
كل ثانيتين، يسجل شخص ما في مكان ما من العالم في دورة تدريبية حول الذكاء الاصطناعي التوليدي على Coursera، وهو ما يسلط الضوء على رغبة الأفراد في التكيف مع الذكاء الاصطناعي، وعلى شعور المؤسسات بالإلحاح لبناء قدرات في هذا المجال عبر قواها العاملة. لكن الشركات التي ستنجح في بناء مزايا مستدامة لن تكون بالضرورة تلك التي تبنت الذكاء الاصطناعي أولاً، بل تلك التي تنجح في دمجه في العمل اليومي وتحويل التجارب المنعزلة إلى قدرات تنتشر في جميع أنحاء المؤسسة.
يمكن لأربعة مبادئ قيادية أن تساعد المؤسسات على تحويل الذكاء الاصطناعي من قوة محدثة للاضطراب إلى عامل يسرّع انتشار القدرات والقيمة داخل المؤسسة.
1. تعامل مع الذكاء الاصطناعي كمبادرة أعمال، لا كتحديث تقني
تتعامل المؤسسات التي تحقق نتائج فعلية مع الذكاء الاصطناعي باعتباره جهداً لتحويل الأعمال، وليس مجرد مبادرة تكنولوجية.
وتجسد مبادرة Lakshya 2026 التابعة لشركة Larsen and Toubro، وهي شركة عالمية رائدة في الهندسة والإنشاءات، هذا النهج على أرض الواقع. ففي إطار استراتيجيتها للتحول إلى مجموعة تعتمد على التكنولوجيا، عملت الشركة على رفع مهارات قوتها العاملة المكونة من 50 ألف موظف في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال دمج التعلم في مشاريعها وتحديات أعمالها الفعلية، بدلاً من التعامل معه كبرنامج مستقل للتدريب على الذكاء الاصطناعي. وبدأ الموظفون فوراً بتطبيق المهارات الجديدة في أعمالهم اليومية، ما أدى إلى تحسن بنسبة 40% في المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال بضعة أشهر، وساهم في تسريع أجندة التحول الأوسع للشركة.
ولا تستخدم المؤسسات التي تحقق أكبر العوائد الذكاء الاصطناعي لمجرد خفض التكاليف، بل تعيد تصميم كيفية إنجاز العمل من أجل إطلاق فرص جديدة للنمو والابتكار وتقديم قيمة أكبر للعملاء.
2. ركّز على المهام بدلاً من الوظائف
يركز جزء كبير من النقاش حول الذكاء الاصطناعي على فقدان الوظائف. لكن من المرجح أن يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العمل على مستوى المهام أكثر من استبدال وظائف كاملة. لذلك ينبغي للقادة تحويل النقاش من السؤال عن الوظائف التي قد يلغيها الذكاء الاصطناعي إلى تحديد المهام التي يمكنه أتمتتها أو تسريعها أو تعزيزها.
وعندما زودت شركة Bausch + Lomb العالمية المتخصصة في صحة العيون موظفيها العاملين في المجالات المعرفية بمهارات أساسية في الذكاء الاصطناعي التوليدي، ساعدهم ذلك على تجاوز التركيز على الأعمال الروتينية. وكانت النتائج فورية؛ إذ بدأت الفرق في أتمتة إعداد التقارير، وتسريع عمليات البحث، وصياغة المراسلات بشكل أسرع، وتوفير المزيد من الوقت للتركيز على العملاء والمرضى بدلاً من المهام المتكررة. ومع تراكم مكاسب الكفاءة الصغيرة، تحولت إلى أثر ملموس وذي قيمة.
3. أنشئ مسارات تسمح بانتشار الذكاء الاصطناعي
ستعتمد المرحلة المقبلة من نمو الشركات على مدى كفاءة المؤسسات في نشر الذكاء الاصطناعي داخل أعمالها، وليس فقط على قدرتها على تطبيقه. وغالباً ما تأتي أكبر الفرص من الموظفين الأقرب إلى تفاصيل العمل، لأنهم يفهمون أين توجد نقاط الاحتكاك وأين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق أكبر قيمة. ويتمثل دور القيادة في إنشاء آليات تسمح بظهور هذه الأفكار وانتشارها وتحسينها بمرور الوقت.
وقد ظهر ذلك بوضوح في مركز الخدمات والعمليات لدى Coursera. فمن خلال الجمع بين التجريب والتعاون بين مختلف الوظائف والمشاركة المستمرة للمعرفة، تمكن الفريق من تحقيق معدل نجاح بلغ 97% في مشاريع الذكاء الاصطناعي التجريبية، وهو معدل يتجاوز بكثير الاتجاه السائد في القطاع، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن نسبة صغيرة فقط من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي التجريبية تنجح في تحقيق قيمة قابلة للقياس. والأهم من ذلك أن هذه المشاريع التجريبية تتحول في Coursera إلى قدرات قابلة للتكرار تحسن طريقة عمل الفرق في مختلف أنحاء الشركة.
يخلق الذكاء الاصطناعي أكبر قيمة عندما يتم دمجه داخل مسارات العمل القائمة، وليس عندما يضطر الموظفون إلى مغادرة سياق عملهم لاستخدامه. وسيكون التعلم أثناء سير العمل هو مستقبل تطوير القوى العاملة. فعندما يكتشف الموظفون المهارات ويمارسونها ويطبقونها ضمن سياق عملهم الفعلي، تحقق المؤسسات الأثر بشكل أسرع.
4. استثمر في المهارات بنفس قوة استثمارك في الذكاء الاصطناعي
لا يكفي الاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي وبنيته التحتية، بل تحتاج المؤسسات أيضاً إلى الاستثمار في قدرات القوى العاملة. وتشير بيانات سوق العمل إلى أن المهارات المطلوبة في الوظائف الأكثر تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي تتغير بوتيرة تزيد على ضعفي سرعة تغيرها في الوظائف الأقل تعرضاً له.
وستحتاج الشركات بشكل متزايد إلى موظفين يستطيعون الجمع بين الإلمام بالذكاء الاصطناعي والقدرات البشرية التي يصعب تعويضها. وتشير بيانات Coursera إلى زيادة مستمرة في الاستثمارات التعليمية الموجهة نحو مهارات تتمحور حول الإنسان، مثل التفكير التحليلي والتفكير الإبداعي. وفي الواقع، تضاعف الاهتمام بمهارات التفكير النقدي وحدها على Coursera خلال العام الماضي.
كل شركة تتحول تدريجياً إلى شركة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وهذا يعني أن كل شركة يجب أن تتحول أيضاً إلى مؤسسة قائمة على التعلم. وستكون المؤسسات التي تستثمر في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والمهارات البشرية معاً في أفضل موقع للتكيف والابتكار والقيادة مع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي.
من التبني إلى الميزة التنافسية
مثل موجات الإنترنت والهواتف المحمولة والحوسبة السحابية، سيصبح الذكاء الاصطناعي واسع الانتشار وجزءاً أساسياً من كيفية إنجاز العمل. ولن تعود الشركات تصف نفسها بأنها «مدعومة بالذكاء الاصطناعي»، تماماً كما أنها لا تصف نفسها اليوم بأنها «مدعومة بالإنترنت». سيصبح الذكاء الاصطناعي ببساطة جزءاً من العمل اليومي، وسيسهم بصورة كبيرة في تحسين كيفية تعاون الأفراد وابتكارهم واتخاذهم للقرارات.
وسيتميز الجيل المقبل من الشركات الرائدة في السوق بمدى نجاحها في دمج الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء المؤسسة لتمكين موظفيها، وتحويله إلى قدرة يومية تحقق قيمة مستدامة للأعمال. وهذا هو التحول الحقيقي من اضطراب الذكاء الاصطناعي إلى انتشاره.
