يصعب تشخيص الفصام. فقد تظهر لدى المرضى هلوسات أحيانًا، أو انسحاب اجتماعي في بعض الحالات، أو أوهام، لكنها لا تكون موجودة دائمًا. وبصورة عامة، يبدو كلامهم مختلفًا عن المعتاد. ويعتمد الأطباء على خبرتهم وعلى إشارات دقيقة لتحديد مدى اختلاف كلام كل مريض، إلى جانب متابعة الأعراض التي تظهر مع مرور الوقت، من أجل ترجيح تشخيص الفصام بدلًا من اضطراب نفسي آخر. ويؤدي ذلك إلى تأخر التشخيص. فالأمريكيون الذين يعانون من اضطرابات ذهانية، والذين يزيد عدد المصابين بالفصام بينهم على 3 ملايين شخص، يحصلون في المتوسط على تشخيص بعد مرور عام ونصف تقريبًا على ظهور الأعراض الأولى.
ويبحث العلماء حاليًا فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحسين التشخيص والرعاية من خلال الاستماع إلى أمور لا يستطيع الأطباء سماعها أو قياسها بصورة كمية، حتى لو لم يعتمد البرنامج سوى على بضع دقائق من المحادثة. ولن يدخل الذكاء الاصطناعي إلى العيادات بصورة واسعة بين عشية وضحاها، لكنه يُنظر إليه باعتباره الجبهة الجديدة في مجال الرعاية النفسية، وقد يتيح الكشف المبكر والدقيق عن الاضطرابات، إلى جانب مراقبتها بصورة شخصية اعتمادًا على أعراض يصعب تمييزها.
يقول توماس إنسل، وهو طبيب نفسي وعالم أعصاب تولى قيادة المعهد الوطني للصحة النفسية في الولايات المتحدة لمدة 13 عامًا: «لدينا الأدوات التي تمكننا من القيام بذلك بدرجة من الدقة لم تكن متاحة لنا من قبل».
الفصام اضطراب يؤثر في إدراك الإنسان للواقع، وفي طريقة تفكيره وتنظيمه لمشاعره. ويؤثر في نحو 23 مليون شخص حول العالم، وعادة ما يُشخَّص بين أواخر سنوات المراهقة وبداية الثلاثينيات من العمر. ولا يعرف العلماء سبب الإصابة به على وجه التحديد، لكن الأبحاث تشير إلى أنه قد ينتج عن مزيج من العوامل الوراثية والبيئية وكيمياء الدماغ وتعاطي المواد.
ويشدد الأطباء على أهمية اكتشاف الاضطراب في أقرب وقت ممكن، لأن تركه دون علاج لفترة أطول يرتبط باستجابة أقل للعلاج، وارتفاع خطر فقدان أنسجة الدماغ، وتفاقم الأعراض، والانتحار. لكن الأطباء النفسيين يرتكبون الأخطاء في كثير من الأحيان.
ويرجع جزء من المشكلة إلى أن التشخيص يعتمد حاليًا على تقييمات ذاتية. فاستنادًا إلى ما يقوله المريض والطريقة التي يقوله بها، يستخدم الأطباء واحدًا من عدة مقاييس مختلفة لتقييم شدة الأعراض والوصول إلى التشخيص. إلا أن هذه العملية يصعب توحيدها، وقد تختلف تقييمات الأطباء للحالة نفسها بنسبة تتراوح بين 30% و50%.
وقد يساعد الذكاء الاصطناعي في أتمتة هذه العملية، ما يجعل التشخيص أسرع وأكثر دقة في الوقت نفسه. ويقول إنسل: «للمرة الأولى، قد تكون لدينا طريقة تمكننا من تحديد ذلك بصورة موضوعية: إلى أي مدى يعاني الشخص من الأوهام؟ وما مدى تفكك الترابط بين أفكاره؟ وإلى أي درجة يفتقر كلامه إلى الترابط؟»
ويرى الأطباء النفسيون أن الكلام يمثل مؤشرًا قويًا لتقييم الحالة العقلية للشخص، لأنه يمكن أن يكشف عن اضطراب التفكير، وهو أحد السمات المميزة للفصام. ويميل الأشخاص الذين يعانون من اضطراب في التفكير إلى الانتقال بصورة غير منتظمة من فكرة إلى أخرى، في مسار فوضوي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في اكتشافه. ويعرف الأطباء أيضًا أن المصابين بالفصام يتحدثون بطريقة مختلفة. فقد تكون نبرة صوتهم أكثر رتابة أو آلية، وقد يتوقفون لفترات أطول أثناء الكلام. كما قد يفتقر مستوى صوتهم إلى التباين مقارنة بالأشخاص الأصحاء، الذين يرفعون أصواتهم أو يخفضونها تبعًا لسياق المحادثة ومحتواها. لكن من الصعب استخدام هذه الاختلافات في التشخيص، ولا سيما خلال المراحل المبكرة من المرض.
وتساءل فريق من الباحثين في هولندا عما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على المساعدة في ذلك. فاختاروا تسجيلات صوتية لأشخاص سبق أن شخّصهم أطباء نفسيون بالإصابة بالفصام، ثم استخدموا برمجيات لقياس 88 سمة، من بينها ارتفاع الصوت، وطول فترات التوقف، وطريقة نطق حروف العلة، والتنغيم. وبعد ذلك استخدموا هذه القياسات لتدريب برنامج للذكاء الاصطناعي على التمييز بين الأشخاص المصابين بالفصام وغير المصابين به.
وعندما اختبر الفريق نظام الذكاء الاصطناعي باستخدام ملفات صوتية لمرضى جدد لم يسبق للنظام أن استمع إليهم، تمكن من التمييز بين مرضى الفصام والأشخاص الأصحاء بدقة بلغت 86.2%، بل تمكن أيضًا من التمييز بين الأنواع الفرعية المختلفة للاضطراب.
ويقول ألبان فوبل، المؤلف المشارك في الدراسة والباحث في جامعة ماكغيل في مونتريال، الذي يدرس استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب النفسي، إن هذا النهج ليس مفيدًا بصورة خاصة في الحالات الأكثر وضوحًا. لكنه يرى أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في اكتشاف المرضى الموجودين في المراحل المبكرة من الاضطراب، أو الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالفصام، كما يمكن أن يساعد في التنبؤ بعودة الأعراض بعد تحسنها. ويقول: «هناك مؤشرات مشجعة على أننا نستطيع التقاط أمور دقيقة جدًا، وأمور يجد الأطباء النفسيون صعوبة أكبر بكثير في اكتشافها أو التنبؤ بها».
واتبعت صني تانغ، وهي طبيبة نفسية وباحثة في معاهد فاينشتاين للأبحاث الطبية بالقرب من مدينة نيويورك، نهجًا مختلفًا. فبدلًا من دراسة أصوات الكلام، ركز فريقها على محتواه. وأنشأ الفريق نوعًا من الذكاء الاصطناعي يُعرف باسم نموذج التعلم الآلي، ليمنح كل كلمة في النص المفرغ لمحادثة المريض عنوانًا رياضيًا يشبه عنوان المنزل. ومن خلال النظر إلى مجموعة هذه العناوين، يستطيع برنامج تانغ تحديد ما إذا كانت الجملة تبقى داخل الحي العام نفسه، أم تغادر المدينة ثم تعود إليها مرة أخرى، وهو ما يمكن أن يشير إلى اضطراب التفكير. وبهذه الطريقة، تقول تانغ إنها تستطيع قياس «كيفية تدفق المعنى أثناء كلام الشخص».
وعندما زودت تانغ النظام بنصوص مفرغة من كلام أشخاص مصابين بالفصام وآخرين غير مصابين به، وجدت أن الذكاء الاصطناعي تمكن من التمييز بين المجموعتين بدقة بلغت 87%. في المقابل، لم تتجاوز دقة المقيمين السريريين الذين قيّموا المرضى من دون استخدام الذكاء الاصطناعي 68%.
وبعيدًا عن التشخيص، قد يتمكن الأطباء مستقبلًا من استخدام الذكاء الاصطناعي للمراقبة الروتينية لشدة الأعراض وتطورها لدى المريض بمرور الوقت. وتساعد هذه المتابعة الأطباء على تقديم رعاية أكثر دقة واستجابة لحالة المريض، من خلال تقييم ما إذا كان العلاج يحقق التأثيرات المطلوبة، والكشف عن العلامات المبكرة لعودة الأعراض.
وفي الوقت الحالي، تتطلب هذه المراقبة لقاء الأطباء بالمرضى بصورة منتظمة، وهو ما يستهلك قدرًا هائلًا من الوقت والمال. ويمكن للذكاء الاصطناعي، من الناحية النظرية، أن يوفر الرعاية نفسها بجزء بسيط من التكلفة، وأن يتيح تقديمها عن بُعد. وتقول تانغ، التي تأمل في أن يصبح لديها أداة جاهزة لإجراء التجارب السريرية بحلول عام 2030: «يمكن أن تجعل شخصًا يتحدث إلى تطبيق أو جهاز لبضع دقائق، ثم تحصل على تقييم كفء وموثوق نسبيًا بشأن الحالة الذهانية لهذا الشخص».
ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين إنجازه قبل أن يصبح تشخيص الذكاء الاصطناعي جاهزًا للاستخدام في العيادات. فمن ناحية، لا يتجاوز أداء الذكاء الاصطناعي جودة البيانات التي دُرّب عليها، وهناك أوجه قصور خطيرة في هذه البيانات. إذ تستخدم العديد من الدراسات مجموعات صغيرة من الأشخاص لا تمثل السكان ككل، وفقًا لمراجعة للدراسات التي استخدمت الذكاء الاصطناعي لإجراء تشخيصات نفسية. ويقول جيفري جيرارد، وهو عالم نفس في جامعة كانساس وقاد التحليل المنشور عام 2026 في مجلة «المراجعة السنوية لعلم النفس السريري»: «نحن بحاجة إلى عينات أكبر، وعينات أكثر تنوعًا».
وهناك مشكلة أخرى تتمثل في أن الأشخاص قد يتحدثون ببطء أكبر ليس لأنهم يعانون من مرض نفسي، وإنما لأنهم أكبر سنًا أو لأنهم يتحدثون بلغة ثانية. كما قد يبدو صوت الأشخاص مختلفًا في ظروف تسبب ضغطًا نفسيًا، مثل غرف الطوارئ، أو تحت تأثير الأدوية أو المرض الجسدي، بحسب ساندرا يوست، وهي أخصائية علم نفس سريري في جامعة UiT القطبية الشمالية في النرويج.
ويقول جون توروس، وهو طبيب نفسي ومتخصص في المعلوماتية الطبية في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي التابع لجامعة هارفارد، إن هذا الأمر يخلق «فجوة بين البحث والتطبيق»، إذ قد تحقق مؤشرات الصوت نتائج جيدة في الدراسات، لكنها تؤدي بصورة سيئة في العالم الحقيقي.
ومن الناحية المثالية، ينبغي للأطباء أن يعرفوا كيف يبدو صوت المريض عادةً، حتى يتمكنوا من معرفة ما إذا كان كلامه قد تغير. لكن جمع مثل هذه البيانات الأساسية سيتطلب تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالفصام، ثم تسجيل مكالماتهم، أو مطالبتهم بالتفاعل مع تطبيق يوميًا، أو تتبع مقابلاتهم السريرية، حتى في حال لم تظهر عليهم أي أعراض في الوقت الحالي.
ويثير القيام بذلك قضايا أخلاقية معقدة تتعلق بالخصوصية والأمن. وتقول بريتا إلفيفاغ، وهي عالمة أعصاب معرفية في الجامعة القطبية الشمالية، وقد درست أنماط الكلام لما يقرب من 30 عامًا: «هذه مشكلة معقدة جدًا. كيف يمكننا الحفاظ على الخصوصية الشخصية الآن بعد أن بدأنا في استخدام التكنولوجيا؟ يقلقني أن الناس لا يأخذون هذا الأمر بالضرورة في الحسبان».
وبسبب كل هذه القيود، لا يتوقع الباحثون أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتشخيص الفصام في أي وقت قريب. ويقول فيجاي ميتال، وهو باحث وأخصائي علم نفس سريري في جامعة نورث وسترن في إلينوي: «إنه أداة، وليس علاجًا سحريًا لكل شيء. ما زلنا في المراحل المبكرة، وهناك قدر كبير من الحماس، لكن يجب أن يكون هناك قدر كبير من الحذر».
