القائمة الرئيسية

لحظة أوروبا الحاسمة لبناء القدرة على الصمود المناخي قد حانت

لحظة أوروبا الحاسمة لبناء القدرة على الصمود المناخي قد حانت
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف أصبحت القدرة على الصمود أمام تغير المناخ ضرورة استراتيجية لأوروبا، مع تصاعد موجات الحر والحرائق والخسائر الاقتصادية، وتستعرض دعوة إسبانيا إلى سياسة أوروبية موحدة تشمل تمويلاً مشتركاً، وتقييماً دورياً للمخاطر، واستثمارات مصممة لتحمل الصدمات المناخية، بما ينقل الاتحاد الأوروبي من الاستجابة للكوارث بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات مكلفة.

مع تزايد الشعور بآثار الاحترار العالمي، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يحوّل التكيّف مع تغير المناخ من مسؤولية وطنية إلى سياسة أوروبية حقيقية.

في أعقاب صيف بالغ الصعوبة شهد موجات حر شديدة وحرائق غابات واسعة النطاق، قدمت إسبانيا ما قد يشكل دفعة مهمة نحو اتخاذ مزيد من الإجراءات للتعامل مع تداعيات تغير المناخ. ففي أوائل سبتمبر، دعت مدريد إلى وضع أهداف ملزمة على مستوى الاتحاد الأوروبي للتكيف مع المناخ، وإجراء تقييمات لمخاطر المناخ كل خمس سنوات، وإنشاء صندوق أوروبي مخصص للتكيف مع المناخ، وتعزيز القدرات المشتركة للاستجابة لحالات الطوارئ، إلى جانب تطوير أدوات مالية جديدة مثل سندات مخاطر المناخ. كما طرحت إمكانية فرض ضريبة على أرباح شركات النفط والغاز، أو اللجوء إلى الاقتراض المشترك على مستوى الاتحاد الأوروبي، لتمويل تدابير التكيف الأوروبية.

تأتي المبادرة الإسبانية قبيل إصدار المفوضية الأوروبية إطاراً جديداً للقدرة الأوروبية على الصمود المناخي وإدارة المخاطر، من المتوقع الإعلان عنه في وقت لاحق من هذا العام. ويأتي ذلك في وقت لم تعد فيه الصدمات المناخية أحداثاً استثنائية، بينما تتزايد الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة. وقد قُدّرت هذه الخسائر بنحو 822 مليار يورو في الاتحاد الأوروبي بين عامي 1980 و2024، تركز نحو ربعها خلال السنوات الأربع الممتدة من 2021 إلى 2024.

ركز الاتحاد الأوروبي تقليدياً على جهود التخفيف من تغير المناخ، لكن التكيف معه أصبح ذا أهمية حيوية متزايدة، إذ سيحدد حجم الضرر الذي ستتعرض له أوروبا نتيجة الاحترار الذي لم يعد من الممكن تجنبه. وتُعد التحركات الرامية إلى تحسين التكيف موضع ترحيب، لكنها يجب أن تأخذ في الاعتبار أن الأضرار المناخية قد تتحول إلى خط انقسام جديد داخل أوروبا. فهذه الأضرار موزعة بشكل غير متساوٍ بين المناطق، كما تختلف القدرات المالية للدول على الاستثمار في تعزيز الصمود وتحمل الخسائر. ولذلك، فإن ترك مسؤولية التكيف للحكومات الوطنية وحدها قد يؤدي إلى تعميق الفوارق الاقتصادية.

إضافة إلى ذلك، لا تزال الخسائر المناخية تعاني نقصاً في التغطية التأمينية. وتواجه الحكومات الوطنية مطالب متزايدة للعمل بوصفها جهة التأمين الأخيرة عند وقوع الكوارث، ما يؤدي إلى تحويل الموارد العامة بعيداً عن الاستثمارات المنتجة التي تعزز القدرة على الصمود، نحو تمويل عمليات الإغاثة بعد وقوع الكوارث.

غالباً ما تكون المعرفة بالإجراءات الضرورية لتحسين التكيف مع تغير المناخ ذات طابع محلي. فعلى سبيل المثال، تشمل التخطيط المحلي للبنية التحتية اللازمة لتبريد المدن، وإدارة حالات الجفاف، وحتى سن تشريعات عمالية تتعلق بظروف العمل أثناء موجات الحر الشديد. ومع ذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يؤدي دوراً رئيسياً في ثلاثة مجالات أساسية.

أولاً، تختلف استراتيجيات التكيف الوطنية بشكل كبير من حيث الأهداف والمنهجيات والتنفيذ. وهذا يجعل من الصعب تحديد الأماكن التي ينبغي توجيه الموارد إليها. ومن شأن وضع حوكمة مشتركة، تشمل دورة منتظمة من تقييمات مخاطر المناخ وخطط التكيف الوطنية، مع أهداف قابلة للقياس وتقييم مستقل، أن يساعد في منع بعض الدول من الاستفادة من آليات التأمين المشتركة من دون تحمل نصيبها من المسؤولية.

وفي هذا السياق، تحتاج أوروبا إلى التحرك، كما اقترحت إسبانيا، نحو نظام حقيقي لتقاسم مخاطر المناخ. فالنظام الحالي، الذي تتدخل فيه الحكومات بعد وقوع الكوارث بينما تظل التغطية التأمينية الخاصة غير كافية وتزداد تكلفتها في المناطق عالية المخاطر، يتسم بعدم الكفاءة ولا يمكن استدامته على المدى الطويل.

وقد اقترح البنك المركزي الأوروبي والهيئة الأوروبية للتأمين والمعاشات المهنية إنشاء نظام أوروبي عام-خاص لإعادة التأمين، إلى جانب صندوق أوروبي للكوارث، على أن يكون حصول الدول على الدعم منه مشروطاً بتنفيذها إجراءات للحد من المخاطر. وينبغي أن تعتمد مساهمات الدول في هذه الآلية والدعم الذي تحصل عليه منها على مدى التزامها الفعلي بتعهداتها في مجال التكيف. ومن شأن ذلك أن يساعد على تجاوز التوتر المعتاد بين التضامن وخطر السلوك غير المسؤول الناجم عن الاعتماد على دعم الآخرين.

ثانياً، ينبغي أن تتبع جميع الاستثمارات الأوروبية مبدأ «الصمود من خلال التصميم». ويجب تصميم شبكات الكهرباء وشبكات النقل وأنظمة المياه والمستشفيات وغيرها من البنى التحتية التي يمولها الاتحاد الأوروبي أو ينظمها بحيث تكون قادرة على تحمل الظروف المناخية المتوقعة طوال فترة استخدامها. كما ينبغي إدماج تقييمات مخاطر المناخ بصورة منهجية في خطط الاستثمار الوطنية والإقليمية وفي القرارات المتعلقة بمشروعات البنية التحتية الكبرى. ولذلك، يجب أن يصبح التكيف أولوية أكثر وضوحاً في ميزانية الاتحاد الأوروبي للفترة 2028-2034، التي يجري التفاوض بشأنها حالياً.

ثالثاً، هناك حاجة إلى مزيد من المعرفة المتعلقة بالقدرة على الصمود المناخي. وينبغي الاستفادة من تجارب مختلف السياسات التي تتبعها دول الاتحاد الأوروبي ودول العالم، على أن تستند سياسات التكيف إلى العلم.

إن إسبانيا محقة في طرح قضية التكيف مع المناخ وتمويله للنقاش. فمصادر الإيرادات، سواء كانت مساهمات وطنية أو موارد جديدة على مستوى الاتحاد الأوروبي أو ضرائب أو اقتراضاً مشتركاً، تحتاج إلى نقاش متأنٍ. لكن هذا النقاش ينبغي ألا يصرف الانتباه عن السؤال الأكثر جوهرية المتعلق بما يجب تمويله بصورة جماعية، وكيفية إدارة هذا التمويل. وبالنسبة إلى المخاطر المناخية التي تعبر الحدود أو التي يؤدي تجميع الموارد بشأنها إلى تحقيق قيمة أوروبية مضافة واضحة، فإن التمويل الأوروبي يكون مبرراً تماماً. وعندما يتعلق الأمر بالتأمين الأوروبي ضد الصدمات المناخية الكبرى، تصبح الحوكمة عاملاً حاسماً.

وفي نهاية المطاف، يجب النظر إلى القدرة على الصمود المناخي بالطريقة نفسها التي باتت أوروبا تنظر بها بصورة متزايدة إلى الدفاع وأمن الطاقة: باعتبارها شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن الاقتصادي. كما أنها قضية تتعلق بالقدرة التنافسية. فالبنية التحتية التي لا تستطيع تحمل ارتفاع درجات الحرارة أو الفيضانات أو الجفاف ستؤدي إلى ظهور أصول عالقة أو فاقدة للقيمة، وارتفاع تكاليف التأمين، واضطرابات في الإمدادات، وزيادة الأعباء المالية على الحكومات.

لذلك، ينبغي للإطار الأوروبي المرتقب للقدرة على الصمود المناخي وإدارة المخاطر أن يبني على المقترحات الإسبانية، وأن ينقل أوروبا من مجرد الاستجابة للكوارث المناخية إلى إدارة مخاطر المناخ قبل وقوعها، بالتوازي مع الانتقال من سياسات وطنية مجزأة للتكيف إلى منظومة أوروبية حقيقية ومتكاملة للقدرة على الصمود المناخي.

المصدر

مقالات ذات صلة