القائمة الرئيسية

دروس من أبحاث علم النفس الرياضي

دروس من أبحاث علم النفس الرياضي
ملخص المقال

يناقش المقال أهمية علم النفس الرياضي كعامل أساسي للنجاح في الرياضة، مكملًا التحليلات الحاسوبية التي أصبحت شائعة في اتخاذ القرارات الرياضية. يعرض النص كيف يقدم علم النفس الرياضي، الذي يعود تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر وشهد توسعًا بحثيًا هائلاً مؤخرًا، رؤى قيمة حول أداء اللاعبين. يستعرض الكتاب عوامل نفسية مثل الثقة بالنفس (التي تُعد إيجابية لكن الإفراط فيها قد يؤدي إلى أداء أقل من المتوقع)، وكيفية التعامل مع الضغط الذي يؤدي غالبًا إلى "التعثر تحت الضغط" رغم أن بعض النخبة يزدهرون فيه. كما يتطرق إلى استراتيجيات مثل "العين الهادئة" و"الحديث مع النفس" لمواجهة التوتر، وإلى السعي للكمال الذي يحسن الأداء إذا كان مدفوعًا بمعايير شخصية لكنه يضر إذا كان نابعًا من الخوف من النقد. يؤكد الكتاب أن هذه الرؤى النفسية تتجاوز الرياضة لتفيد مجالات أخرى تتطلب الأداء تحت الضغط، ولكنه يشدد في الختام على أن التحليلات والإحصاءات، سواء كانت حاسوبية أو نفسية، لا يمكنها التنبؤ بالضرورة بمن سيفوز في النهاية، لأن جوهر الرياضة يكمن في التنافس وتحدي التوقعات.

منذ السنوات الأولى من هذا القرن، أصبح من المعتاد الاستعانة بالتحليلات الحاسوبية للإحصاءات الرياضية عند اتخاذ قرارات مثل اختيار لاعب بديل لضرب الكرة في البيسبول، أو تحديد ما إذا كان مدرب كرة القدم سيختار الركل أو تمرير الكرة، أو حسم جدل فريق كرة السلة حول ما إذا كان من الأفضل استبدال لاعب نجم باختيار في قرعة اللاعبين الجدد.

لكن كثيرًا من خبراء الرياضة الذين يتابعون المباريات فعلًا يدركون أن سر النجاح لا يكمن في قواعد البيانات الحاسوبية وحدها، بل داخل عقول اللاعبين أيضًا. وربما يستطيع علماء النفس تقديم قدر من الرؤية حول أسباب النجاح الرياضي يوازي ما يقدمه خبراء الإحصاءات والتحليلات.

فعلم النفس الرياضي أقدم بكثير من التحليلات الحاسوبية. ظهرت الدراسات النفسية للرياضة منذ أواخر القرن التاسع عشر، وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين أصبح علم النفس الرياضي مجالًا بحثيًا خصبًا. وخلال العقد الماضي تقريبًا، شهدت الأبحاث في هذا المجال توسعًا هائلًا، إذ درس العلماء تفاصيل دقيقة تتعلق بكل شيء، من السعي إلى الكمال وصولًا إلى الأضرار التي قد تنجم عن التدريب القائم على الإساءة.

وكتب مارك بوشامب، وآلان كينغستون، ونيكوس نتومانيس، مؤلفو مراجعة شاملة لأبحاث علم النفس الرياضي نُشرت عام 2023 في Annual Review of Psychology: «الرياضة حاضرة في الثقافات والقارات، بل وفي جوانب كثيرة من الحياة اليومية».

وتستعرض مراجعتهم نتائج ما يقرب من 150 بحثًا تناولت مختلف التأثيرات النفسية في الأداء والنجاح الرياضي. ويكتب الباحثون أن «هذه المجموعة من الدراسات تسلط الضوء على الطرق المتنوعة التي تسهم بها العمليات النفسية في مساعي الرياضيين». ويرون أن هذا النوع من الأبحاث لا يمكن أن يساعد على تحسين الأداء الرياضي فحسب، بل قد يقدم أيضًا رؤى حول العوامل النفسية المؤثرة في النجاح في مجالات أخرى، من التعليم إلى المجال العسكري. فالمعرفة النفسية قد تساعد على تحسين الأداء في المنافسات تحت الضغط، وتقييم فوائد السعي إلى الكمال، وفهم إيجابيات الثقة العالية بالنفس وسلبياتها.

الثقة بالنفس والتعثر تحت الضغط

في الرياضة، يُنظر عمومًا إلى ارتفاع الثقة بالنفس، أو ما يُعرف اصطلاحيًا باسم ارتفاع الاعتقاد بالكفاءة الذاتية، على أنه عامل إيجابي. وكما قال لاعب البيسبول نولان رايان ذات مرة: «يجب أن تتمتع بقدر كبير من الثقة حتى تنجح في هذه اللعبة». ويتفق كثير من مدربي البيسبول على أن الضارب الذي يفتقر إلى الثقة أمام رامي معين تقل فرصته في الوصول إلى القاعدة الأولى.

تشير دراسات مختلفة إلى أن الحديث مع النفس يمكن أن يعزز الثقة، ويحسن التركيز، ويساعد على التحكم في المشاعر، ويدفع إلى اتخاذ إجراءات فعالة.

وفي الواقع، تدعم مجموعة كبيرة من الأبحاث النفسية هذه الفكرة، إذ تشير إلى أن تعزيز الثقة بالنفس يمثل استراتيجية مفيدة. ومع ذلك، ورغم أن الرياضيين الواثقين من أنفسهم يبدون بالفعل أفضل أداءً من أولئك الذين يعانون الشك في قدراتهم، تشير بعض الدراسات إلى أن الثقة المفرطة قد تضر اللاعب نفسه. فالثقة التي يجري تضخيمها بصورة مصطنعة من دون أن توازنها ملاحظات صادقة قد تدفع اللاعبين إلى «عدم تخصيص الموارد الكافية استنادًا إلى تقديرهم المبالغ فيه لقدراتهم»، وفقًا لبوشامب وزملائه. وبعبارة أخرى، قد تؤدي الثقة المفرطة إلى أداء أقل من المتوقع.

وتشير أبحاث أخرى إلى أن الثقة العالية تكون أكثر فائدة عادةً في أصعب المواقف، مثل محاولة تسجيل هدف ميداني من مسافة 60 ياردة، بينما لا تقدم الفائدة نفسها في المهام الأبسط، مثل تنفيذ ركلة النقطة الإضافية.

وبالطبع، تعتمد سهولة تنفيذ ركلة طويلة أو ركلة نقطة إضافية بدرجة كبيرة على مستوى الضغط في الموقف. فعندما يوشك الوقت على الانتهاء وتكون نتيجة المباراة على المحك، قد تتحول لعبة روتينية إلى اختبار قاسٍ يثير القلق. وقد أثبتت الأبحاث النفسية بوضوح، وفقًا لبوشامب وزملائه، أن الرياضيين غالبًا ما يظهرون «تراجعًا في الأداء في المواقف التي تستدعي الضغط»، وهي الظاهرة التي يُطلق عليها اصطلاحًا «التعثر تحت الضغط».

وعمومًا، لا يؤثر التوتر في القدرة على توجيه الحركات فحسب، بل يضعف أيضًا القدرات الإدراكية واتخاذ القرارات. ومع ذلك، يؤدي بعض الرياضيين من النخبة أفضل أداء لهم في ظل مستويات مرتفعة من الضغط. ويشير الباحثون إلى «أدلة مهمة تظهر أن بعض أكثر المؤدين نجاحًا يبحثون بأنفسهم عن المواقف المثيرة للقلق التي توفرها الرياضات عالية الضغط، بل ويزدهر أداؤهم فيها». ويمكن ببساطة سؤال مايكل جوردان أو ليبرون جيمس عن ذلك.

درست أبحاث كثيرة الاستراتيجيات النفسية التي يستخدمها الرياضيون للحفاظ على تركيزهم وتجاهل عوامل التشتيت في المواقف التي تفرض ضغطًا مرتفعًا. ومن الأساليب الشائعة تقنية تُعرف باسم «العين الهادئة». فقد أظهرت الدراسات أن لاعب كرة السلة الذي يستعد لتنفيذ رمية حرة تزيد فرص نجاحه عادةً عندما يحافظ قبل التصويب على «نظرة أطول وأكثر ثباتًا» نحو السلة.

ويكتب بوشامب وزملاؤه: «في مراجعة منهجية حديثة للتدخلات المصممة للتخفيف من ظاهرة التعثر تحت الضغط، جرى تحديد التدريب على العين الهادئة بوصفه أحد أكثر الأساليب فاعلية».

ومن الطرق الشائعة الأخرى للتعامل مع التوتر «الحديث مع النفس»، حيث يردد اللاعبون عبارات إرشادية أو تحفيزية لأنفسهم بهدف تحسين أدائهم. فعلى سبيل المثال، قد تساعد عبارات مثل «أستطيع فعل ذلك» أو «أشعر بأنني بخير» عداء الماراثون على تحفيز نفسه. وقد تساعد عبارة مثل «ركز عينيك على الكرة» لاعب البيسبول على إصابة الكرة.

وأظهرت الأبحاث فوائد متوسطة لاستراتيجيات الحديث مع النفس لدى المبتدئين والرياضيين ذوي الخبرة على حد سواء، وفقًا لبوشامب وزملائه. وتشير دراسات مختلفة إلى أن الحديث مع النفس يمكن أن يعزز الثقة، ويحسن التركيز، ويساعد على التحكم في المشاعر، ويدفع إلى تنفيذ الاستجابات الفعالة.

كما ظهرت فوائد متوسطة في الأداء عند استخدام تقنيات أخرى لمواجهة التوتر، مثل الارتجاع البيولوجي، وربما التأمل وتمارين الاسترخاء.

ويخلص بوشامب وزملاؤه إلى أن «تدخلات تنظيم التوتر تبدو وسيلة واعدة لدعم الرياضيين عندما يواجهون الضغوط المرتبطة بالأداء».

السعي إلى الكمال الرياضي

بالطبع، لا يقتصر علم النفس الرياضي على التأثير في الثقة بالنفس والتعامل مع الضغط. فكثير من الرياضيين يضعون الوصول إلى الكمال هدفًا لهم، لكن هذا السعي قد يولد ضغوطًا نفسية ضارة. وأظهر أحد التحليلات أن الرياضيين الذين يسعون إلى تحقيق معايير شخصية عالية حققوا أداءً أفضل عمومًا. لكن عندما كان السعي إلى الكمال مدفوعًا بالخوف من انتقادات الآخرين، تراجع الأداء.

وبالمثل، ورغم أن بعض أساليب التدريب يمكن أن تساعد على تحسين أداء اللاعب، أظهرت عدة دراسات أن التدريب القائم على الإساءة يمكن أن ينتقص من الأداء، بل قد يترك آثاره حتى بقية مسيرة الرياضي المهنية.

ويخلص بوشامب وزملاؤه إلى أن مجموعة واسعة من العوامل والاستراتيجيات النفسية يمكن أن تساعد على تحقيق النجاح الرياضي. وقد تنطبق هذه العوامل أيضًا على مجالات أخرى من النشاط البشري، حيث يمكن للتعثر تحت الضغط أن يضعف الأداء، مثل إجراء جراحة في الدماغ أو قيادة طائرة مقاتلة.

لكن الباحثين يشيرون أيضًا إلى ضرورة ألا يغفل العلماء حقيقة أن الأداء الرياضي يتأثر كذلك بالطبيعة التنافسية للمنافسات. فقد تنجح الاستراتيجيات النفسية التي يستخدمها أحد الرماة ضد معظم الضاربين، لكنها قد لا تحقق النتيجة نفسها أمام لاعب مثل شوهي أوتاني، على سبيل المثال.

إضافة إلى ذلك، تعتمد دراسات علم النفس الرياضي، شأنها شأن التحليلات الحاسوبية، على الإحصاءات. وكما أكد أدولف كيتيليه، أحد رواد الإحصاء الاجتماعي في القرن التاسع عشر، فإن الإحصاءات لا تحدد مصير أي فرد بعينه. فمتوسط العمر المتوقع، مثلًا، لا يمكنه أن يخبرنا متى سيموت شخص محدد. لكنه أشار في المقابل إلى أن حالة استثنائية واحدة لا تُبطل الاستنتاجات العامة المستخلصة من تحليل إحصائي سليم.

والرياضة في جوهرها تدور حول سعي فرد أو فريق إلى التغلب على المنافس. وغالبًا ما يتطلب النجاح تحدي الاحتمالات والتوقعات، وهو ما يفسر أيضًا ضخامة صناعة المراهنات على الأحداث الرياضية. فالرياضة تقوم على مواجهات بين القاعدة والاستثناء، ولا تستطيع التحليلات الحاسوبية ولا علوم النفس أن تخبرك مسبقًا بمن سيفوز. ولهذا السبب تحديدًا تُلعب المباريات.

المصدر

مقالات ذات صلة