على مدى عقود، ظلت مجموعة صغيرة من المفاتيح الجزيئية مصدر قلق دائم لباحثي السرطان. فهذه المفاتيح تحفز النمو غير المنضبط للأورام وتساعد المرض على الانتشار في أنحاء الجسم لدى أنواع متعددة من السرطان. ومن الناحية النظرية، تبدو أهدافًا مثالية للعلاج، إذ إن تعطيل أحدها فقط قد يؤدي إلى تطوير أدوية فعالة ضد مجموعة واسعة من السرطانات.
لكن رغم الجهود الكبيرة التي بذلها العلماء، ظلت هذه المفاتيح، وهي جميعًا بروتينات، عصية على معظم أكثر علاجات السرطان تقدمًا، حتى اكتسبت وصف «غير القابلة للاستهداف دوائيًا». ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى خاصية مشتركة بينها، إذ تتميز أسطحها بالنعومة والانبساط، ما يجعل من الصعب على الأدوية الارتباط بها والتأثير فيها.
لكن ربما لا يستمر هذا الوضع طويلًا.
فقد أعلن باحثون مؤخرًا عن نتائج واعدة لدواء جديد يستهدف عائلة من البروتينات التي ظلت لفترة طويلة خارج نطاق الاستهداف الدوائي، وذلك ضمن تجربة سريرية أُجريت على مرضى مصابين بسرطان البنكرياس المتقدم. وقد نجح دواء داراكسونراسيبيد في إطالة فترة البقاء على قيد الحياة إلى نحو الضعف مقارنة بالعلاج الكيميائي، مع آثار جانبية أقل. ولا يمثل الدواء علاجًا نهائيًا للمرض، لكنه يمنح المرضى وقتًا ثمينًا إضافيًا، إذ أضاف نحو 13 شهرًا إلى متوسط العمر بعد التشخيص. كما أفاد المرضى بانخفاض مستوى الألم وتحسن جودة حياتهم.
ويمثل داراكسونراسيبيد أحدث جيل من الأدوية التي تستهدف البروتينات التي طالما اعتُبرت مستعصية على الاستهداف الدوائي. وفي الوقت نفسه، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي مهيأة لتسريع التقدم في هذا المجال بصورة أكبر.
هجوم على RAS
كانت عائلة RAS أول مجموعة من الجينات المسرطنة، أي الجينات التي تدفع الخلايا نحو الإصابة بالسرطان، يكتشفها العلماء على الإطلاق. وأصبحت هذه الجينات محورًا رئيسيًا للبحث في عام 1982، عندما أظهرت عدة فرق بحثية بصورة مستقلة أن تغيير حرف واحد فقط من أحرف الحمض النووي يمكن أن يحول جينات RAS إلى محفز قوي للسرطان.
وتعمل البروتينات التي تنتجها جينات RAS أشبه بمفاتيح جزيئية محملة بالطاقة، تنقل الإشارات القادمة من البيئة المحيطة بالخلية. فعندما ترتبط بروتينات تُعرف باسم عوامل النمو بالخلية، تنتقل مفاتيح RAS إلى وضع التشغيل، فتدفع الخلية إلى النمو والبقاء، قبل أن تعمل آليات الحماية الموجودة داخلها على إيقاف هذه الإشارة سريعًا.
لكن الطفرات السرطانية تفسد هذه الدورة. إذ تعلق المفاتيح في وضع التشغيل، وتستمر في إصدار الأوامر للخلايا كي تنمو وتنقسم بلا توقف. وهذه، بطبيعة الحال، إحدى السمات الأساسية للسرطان.
ومن الناحية المثالية، يكفي أن يتمكن الدواء من إيقاف RAS. لكن معظم الأدوية تعمل بطريقة تشبه متسلقي الصخور، فهي تحتاج إلى شقوق أو تجاويف أو نتوءات في سطح البروتين حتى تتمكن من الارتباط به. أما RAS، فعلى غرار سطح صخرة أملس، لا يوفر الكثير من هذه المواضع التي يمكن للدواء الإمساك بها. وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن الطفرات المختلفة تغير شكل البروتين بصورة طفيفة، ما يجعل تصميم دواء واحد قادر على تثبيط جميع هذه الأشكال أمرًا بالغ الصعوبة.
ولم يُعتمد أول دواء يستهدف RAS في الولايات المتحدة إلا عام 2021، أي بعد نحو أربعة عقود من اكتشاف الدور الذي تؤديه هذه الجينات في السرطان. وحتى ذلك الحين، كان الدواء يستهدف فردًا واحدًا فقط من أفراد عائلة RAS الثلاثة، ما حصر فائدته في مجموعة صغيرة نسبيًا من المرضى. كما أن كثيرًا من المرضى طوروا مقاومة للعلاج في نهاية المطاف.
ولهذا السبب لفت داراكسونراسيبيد الأنظار. فقد طورته شركة Revolution Medicines في ريدوود سيتي بولاية كاليفورنيا، ويتميز بقدرته على إيقاف أفراد عائلة RAS الثلاثة جميعًا. وبدلًا من محاولة الارتباط مباشرة بهذه البروتينات الزلقة، يرتبط الدواء بجزيء شريك يساعد بروتينات RAS على الوصول إلى شكلها النهائي ثلاثي الأبعاد. وبهذه الطريقة، يستغل الدواء ارتباط RAS النشط بهذا الشريك، ثم يعمل على تعطيل البروتينات وإيقاف نشاطها.
وقد أثبت هذا الأسلوب فعاليته. فقد شملت الدراسة الجديدة 500 شخص من مختلف أنحاء العالم مصابين بسرطان البنكرياس المتقدم، وكان جميع المشاركين قد خضعوا بالفعل لعلاجات للسرطان لكنها لم تحقق نجاحًا يُذكر. وعاش المرضى الذين تلقوا داراكسونراسيبيد 13.2 شهرًا في المتوسط، وقضوا معظم هذه الفترة مع مستويات محدودة من الألم. وكان الطفح الجلدي أكثر الأعراض الجانبية شيوعًا. أما المرضى الذين تلقوا العلاج الكيميائي، فكانت نتائجهم أسوأ، إذ بلغ متوسط بقائهم على قيد الحياة نحو 6.6 شهر، كما عانوا من آثار جانبية أكثر حدة.
ولا تقترب هذه النتائج من النجاح اللافت الذي حققته علاجات خلايا CAR T في سرطانات الدم. ففي علاج CAR T، يعمل الأطباء على تعديل خلايا الجهاز المناعي الخاصة بالمريض بحيث تتمكن من التعرف على الأورام ومهاجمتها، وقد يؤدي ذلك أحيانًا إلى هدوء المرض لفترات طويلة بعد تلقي جرعة علاجية واحدة.
ومع ذلك، أعادت هذه النتائج تنشيط هذا المجال البحثي. فإذا حصل داراكسونراسيبيد على الموافقة، فمن المرجح أن يكون تناول حبة يومية منه أقل تكلفة وأسهل في التطبيق بكثير من العلاج الخلوي المصمم خصيصًا لكل مريض. كما أن طفرات RAS تسهم في نشوء العديد من السرطانات الصلبة، وهي أنواع لا يزال علاج CAR T يواجه صعوبة كبيرة في السيطرة عليها. ولذلك يمكن للدواء أن يوفر وسيلة جديدة لمواجهة سرطانات فتاكة لا تزال العلاجات الخلوية غير قادرة إلى حد كبير على الوصول إليها. وقد يؤدي الجمع بين داراكسونراسيبيد ومثبطات RAS من الجيل السابق إلى تعزيز فعاليته بصورة أكبر.
حارس الجينوم
لم يظهر داراكسونراسيبيد فجأة. فقد استخدم العلماء صورة بلورية لبروتينه المستهدف بوصفها مخططًا جزيئيًا لتصميم الدواء. وبعد ذلك أمضوا سنوات في إجراء تعديلات متكررة على المركبات المرشحة ضمن مجال الكيمياء الدوائية، بهدف زيادة قوتها، وتحسين قدرتها على استهداف البروتين المطلوب بدقة، وتقليل سميتها.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسرع بصورة هائلة جهودًا مماثلة تستهدف بروتينات سرطانية أخرى طالما اعتُبرت مستعصية على العلاج. ومن أكثر هذه الأهداف أهمية بروتين p53، الذي يوصف غالبًا بأنه «حارس الجينوم» بسبب العدد الهائل من الوظائف التي يؤديها. فهذا البروتين ينظم نشاط أكثر من 300 جين تشارك في إصلاح الحمض النووي، والتمثيل الغذائي، وموت الخلايا، والالتهاب، ما يجعله أحد أهم أنظمة الدفاع داخل الخلية.
ومنذ اكتشافه عام 1979، ظل p53 في الوقت نفسه أحد أهم الأهداف التي يحلم الباحثون بالوصول إليها وأحد أكثر المشكلات التي استعصت عليهم. فطفرات هذا الجين شائعة في العديد من أنواع السرطان. لكن البروتين، مثل RAS، يتميز بسطح مسطح وأملس يصعب على الأدوية الارتباط به. كما أن بعض الطفرات تزعزع استقرار بنيته، بينما تدفع طفرات أخرى البروتين إلى التجمع في كتل غير مطوية بصورة صحيحة. ولهذا ظل تطوير دواء شامل يستهدف p53 هدفًا بعيد المنال.
ويحاول بعض الباحثين إعادة البروتين إلى حالته الطبيعية. ففي تجربة صغيرة أُجريت في وقت سابق من هذا العام، اختبر العلماء دواء يعمل على إعادة تثبيت شكل شائع من أشكال p53 الطافر. وخلال 21 يومًا، تقلص حجم الأورام بنحو 20 في المئة لدى مرضى مصابين بسرطان المبيض والثدي وعدة أنواع أخرى من السرطانات الصلبة.
أما فرق بحثية أخرى، فتتبع استراتيجية مختلفة تتمثل في قتل الخلايا التي تحمل الطفرة بصورة انتقائية. وباستخدام الذكاء الاصطناعي، فحص فريق من كلية بايلور للطب ما يقرب من 10 ملايين مركب كيميائي بحثًا عن مركبات تدفع الخلايا التي تحمل p53 الطافر إلى تدمير نفسها، مع الحفاظ على الخلايا السليمة. وأسفر البحث عن 83 مركبًا مختلفًا من الناحية الكيميائية. وأحد هذه المركبات، الذي أطلق عليه اسم H3، نجح بصورة كبيرة في كبح نمو الأورام لدى الفئران.
وكتب الباحثون أن هذه النتائج توضح الإمكانات التي يوفرها استخدام الذكاء الاصطناعي في فحص الأدوية ودراسة الطفرات الفردية في بروتين p53 مستقبلًا. ورغم أن هذا النهج لا يزال في مراحله المبكرة، وأن البحث ركز على طفرة واحدة فقط، فإن الفريق يأمل في إمكانية توسيعه ليشمل طفرات سرطانية أخرى.
الهدف الأكثر طلبًا
يُعد بروتين MYC هدفًا آخر كان يُنظر إليه سابقًا على أنه غير قابل للاستهداف الدوائي، لكنه قد يصبح الآن عرضة للعلاج. ويظهر نشاط غير طبيعي لبروتين MYC في نحو 70 في المئة من السرطانات. وفي الظروف الطبيعية، يعمل هذا البروتين منظمًا رئيسيًا للنمو، إذ يوجه الخلايا إلى تصنيع البروتينات، ونسخ الحمض النووي، وامتصاص العناصر الغذائية، والانقسام عند الحاجة.
ويستخدم السرطان طرقًا عديدة لاختطاف هذا النظام وإبقاء الخلايا في حالة من النمو المتسارع وغير المنضبط. ولا تقتصر طفرات جين MYC على استبدال حرف واحد من أحرف الحمض النووي. ففي بعض الحالات، تتكرر نسخة الجين أو يعاد ترتيبها في أجزاء مختلفة من الجينوم، ما يؤدي إلى إنتاج كميات مفرطة من البروتين الذي يشفره الجين. ويجعل هذا التنوع الجيني استخدام أساليب العلاج الجيني أمرًا بالغ الصعوبة. ومرة أخرى، كما هو الحال مع RAS، يفتقر سطح بروتين MYC الأملس والخالي من الملامح الواضحة إلى نقاط ارتباط ثابتة يمكن للأدوية الاستناد إليها.
وتتمثل إحدى الاستراتيجيات الناشئة في تعطيل تفاعل MYC مع البروتينات الأخرى التي يحتاج إليها لأداء وظيفته. فعلى سبيل المثال، أظهر بروتين مصمم خصيصًا لمنع نشاط MYC نتائج واعدة مؤخرًا في تجربة صغيرة شملت مرضى مصابين بسرطانات صلبة. وتستخدم فرق بحثية أخرى الذكاء الاصطناعي للتعرف على أدوية تحد من قدرة MYC على إصلاح الحمض النووي المتضرر داخل الأورام، ما يضعف قدرة الخلايا السرطانية على الانقسام. وفي الوقت نفسه، تستعين شركات متخصصة في التكنولوجيا الحيوية بالذكاء الاصطناعي لرسم خريطة لبنية MYC وتفاعلاته الجزيئية، بحثًا عن طرق جديدة يمكن من خلالها تعطيل هذا البروتين.
يوضح نجاح داراكسونراسيبيد أن البروتينات التي اعتُبرت غير قابلة للاستهداف الدوائي ليست بالضرورة بعيدة المنال إلى الأبد. ولا يزال أمام العلماء الكثير من العمل لإثبات أن الأدوية الأخرى المشابهة قادرة على تحقيق نتائج مماثلة. لكن الباحثين يتجهون بصورة متزايدة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل تطوير الأدوية، بهدف تسريع العملية واختصار الوقت اللازم للوصول إلى علاجات جديدة. وربما يأتي يوم تختفي فيه كلمة «غير قابل للاستهداف دوائيًا» من قاموسنا تمامًا.
