أظهرت فئران مسنّة تناولت دواء سيماجلوتايد الشائع لإنقاص الوزن علامات أبطأ للشيخوخة، كما عاشت فترة أطول، في نتيجة تحاكي التأثيرات المعروفة لتقييد السعرات الحرارية في إطالة العمر.
يبدو أن أدوية GLP 1 تعيش فترة ازدهار غير مسبوقة هذا الصيف. فسيماجلوتايد، المعروف على نطاق واسع باسمي أوزمبيك وويغوفي، يكاد يكون حاضرًا في كل مكان. وقد تحول هذا الدواء إلى أحد أشهر وسائل إنقاص الوزن، إذ يحاكي هرمونًا طبيعيًا يرسل إلى الدماغ إشارة الشبع، فيساعد على فقدان الوزن من دون المعاناة المستمرة من الجوع والرغبة الشديدة في تناول الطعام، وهما من أبرز الأسباب التي تجعل الحميات الغذائية التقليدية تجربة شاقة بالنسبة إلى كثير من الناس.
لكن يبدو أن تأثير الدواء قد يتجاوز فقدان الوزن. فقد أشارت دراسة جديدة أُجريت على الفئران إلى أن البدء باستخدام سيماجلوتايد في سن متقدمة قد يطيل العمر بنحو 12 في المئة. ولم تقتصر النتائج على زيادة العمر الافتراضي، إذ استعادت الفئران أيضًا قدرًا من فضولها وذاكرتها، وأظهرت تحسنًا في عدد كبير من المؤشرات المرتبطة بالشيخوخة. كما تراجع الالتهاب المزمن، وانخفضت أعداد الخلايا الهرمة، التي يطلق عليها أحيانًا اسم «الخلايا الزومبي». وأصبحت المادة الوراثية والبروتينات في خلاياها أكثر استقرارًا، في حين نما عدد جديد من الخلايا العصبية في الحُصين، وهي منطقة دماغية تؤدي دورًا أساسيًا في التعلم والذاكرة.
وتذكّر هذه النتائج بما يحدث عند تقييد السعرات الحرارية، وهي إحدى الطرق التي أظهرت قدرة على تعزيز طول العمر وتأخير المشكلات الصحية المرتبطة بالشيخوخة، على الأقل لدى حيوانات المختبر. لكن الالتزام بنظام غذائي مقيد لسنوات طويلة ليس بالأمر السهل، فضلًا عن الاستمرار عليه لعقود. ولهذا ظل العلماء يبحثون منذ سنوات عن دواء يمكن أن يمنح الجسم بعض فوائد تقييد السعرات الحرارية من دون الاضطرار إلى تحمل الجوع المستمر. ويبدو أن سيماجلوتايد قد يقترب من تحقيق ذلك، مع ظهور فوائد إضافية تتجاوز مجرد المساعدة على فقدان الوزن.
وقالت تارا سبايرز جونز من جامعة إدنبرة، التي لم تشارك في الدراسة، إنه إذا ثبتت صحة هذه النتائج لدى البشر، فإنها تقدم مؤشرًا واعدًا على أن الأشخاص الذين يتناولون ناهضات مستقبل GLP 1، أي أدوية GLP 1، قد يستفيدون من تأثير يساعد على إبطاء الشيخوخة، إلى جانب الفوائد المعروفة لهذه الأدوية في الحد من السكري والسمنة.
لكن هذا لا يعني أن الوقت قد حان لشراء أدوية GLP 1 عبر الإنترنت. فقد أُجريت الدراسة على فئران إناث متطابقة وراثيًا، وتختلف فسيولوجيا هذه الفئران عن فسيولوجيا النساء أثناء التقدم في العمر أو بعد انقطاع الطمث. كما أن فقدان الوزن السريع الذي قد يحدث لدى مستخدمي هذه الأدوية يمكن أن يصاحبه فقدان في الكتلة العضلية الخالية من الدهون، وهو أمر قد يزيد خطر الهشاشة لدى كبار السن. ورغم أن أدوية GLP 1 تخضع بالفعل للاختبار باعتبارها وسيلة محتملة لمواجهة الأمراض التنكسية العصبية، فإن قدرتها على تحسين وظائف الدماغ المتقدم في العمر لا تزال غير محسومة.
ومع ذلك، ينظر الباحثون المتخصصون في طول العمر إلى هذه النتائج بتفاؤل حذر.
وكتبت ماريا فرنانديز ورافائيل دي كابو من المعهد الوطني للشيخوخة، اللذان لم يشاركا في الدراسة، أن النتائج تعيد صياغة سؤال أساسي ظل يُطرح لفترة طويلة بطريقة معكوسة. فبدلًا من محاولة تفسير الفوائد الصحية المتعددة لأدوية GLP 1 على حدة، مرضًا بعد آخر، تشير هذه النتائج إلى احتمال وجود سبب مشترك وراءها جميعًا، وهو إبطاء عملية الشيخوخة.
ينبوع الشباب
قد تبدو إحدى أكثر الطرق فاعلية للعيش بصحة أفضل لفترة أطول بسيطة إلى حد الملل، وهي اتباع نمط حياة صحي.
فقد ارتبط النظام الغذائي المتوازن وممارسة الرياضة مرارًا بتحسن الحالة الصحية خلال مراحل العمر المتقدمة. ومع مرور السنوات، يبدأ الجسم في فقدان قدرته على أداء وظائفه بالكفاءة نفسها. وتتراكم الأضرار والطفرات في الحمض النووي، بينما تقصر التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية الموجودة في نهايات الكروموسومات، الأمر الذي يسهم في زيادة عدم استقرار المادة الوراثية. كما تبدأ المفاتيح الجزيئية التي تتحكم في تشغيل الجينات وإيقافها في العمل بصورة مضطربة، وتصبح الخلايا أقل قدرة على إنتاج البروتينات السليمة والتخلص من البروتينات التي تعرضت للتلف.
ولا تتوقف الأمور عند هذا الحد. فالميتوكوندريا، وهي محطات إنتاج الطاقة داخل الخلايا، تصبح أقل كفاءة في توليد الطاقة وتبدأ في تسريب جزيئات سامة. أما الخلايا المتضررة فتتوقف عن الانقسام وتفقد وظائفها، لكنها لا تموت بالضرورة، بل قد تستمر في البقاء داخل الأنسجة وتطلق مزيجًا من المواد الكيميائية الضارة التي تلحق الأذى بالأنسجة المحيطة بها. وفي الوقت نفسه، يتفاقم الالتهاب المزمن، وتفقد الخلايا الجذعية تدريجيًا قدرتها على العمل، ما يجعل الجسم أقل قدرة على تجديد الأنسجة وإصلاح الأضرار التي تصيبها.
وتُعرف هذه المجموعة من التغيرات مجتمعة باسم «سمات الشيخوخة»، وقد شكلت لفترة طويلة قائمة من التحديات أمام العلماء الذين يبحثون عن طريقة فعالة لمواجهة آثار مرور الزمن. وقد توصل الباحثون إلى بعض الأساليب اللافتة. فعلى سبيل المثال، أدى نقل مكونات من دماء فئران صغيرة السن إلى فئران أكبر عمرًا إلى استعادة بعض الوظائف المتدهورة في القلب والكلى والدماغ. كما اجتذب التخلص من الخلايا الهرمة، أو «الخلايا الزومبي»، باستخدام مزيج من الأدوية أو تقنيات الهندسة الوراثية مليارات الدولارات من الاستثمارات.
لكن ربما يظل التدخل الأكثر دراسة، والأكثر ثباتًا من حيث النتائج، هو تقييد السعرات الحرارية. فقد أظهرت تجارب متكررة على الذباب والقوارض وغيرها من حيوانات المختبر أن خفض كمية الطاقة المستهلكة من دون الوصول إلى مرحلة سوء التغذية يمكن أن يطيل العمر ويؤخر ظهور العديد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن. ويؤدي تقييد السعرات إلى مجموعة واسعة من التغيرات في الجسم، من بينها تحسين عملية الأيض وزيادة حساسية الإنسولين. كما يساعد في الحد من الأضرار التي تصيب الخلايا. أما لدى البشر، فتشير الأدلة إلى أن خفض استهلاك السعرات بصورة معتدلة قد يحسن صحة القلب ويبطئ معدل الشيخوخة البيولوجية.
لكن الالتزام بهذا النوع من النظام الغذائي عامًا بعد عام يظل أمرًا يصعب الاستمرار عليه على المدى الطويل.
شفرة غش
قد تجعل أدوية GLP 1 تحقيق بعض هذه الفوائد أسهل.
صُممت هذه الأدوية في الأساس للمساعدة على التحكم في مستوى سكر الدم والشهية، لكنها أظهرت أيضًا نتائج واعدة في خفض معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والكلى والكبد وبعض الأمراض التنكسية العصبية، على الأقل لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة أو مرض السكري من النوع الثاني. وتبحث التجارب السريرية حاليًا في تأثير هذه الأدوية لدى الأشخاص المصابين بأمراض الكبد الأيضية، وهي حالات تصبح أكثر شيوعًا وأكثر تأثيرًا مع التقدم في العمر.
ولا يمكن تفسير جميع هذه التأثيرات بمجرد فقدان الوزن، وهو ما يقود إلى سؤال أكبر وأكثر إثارة للاهتمام: كيف يمكن لفئة واحدة من الأدوية أن تؤثر في هذا العدد الكبير من الحالات الصحية التي تبدو للوهلة الأولى غير مرتبطة ببعضها، لكنها غالبًا ما تظهر أو تزداد مع التقدم في العمر؟
وكتب فرنانديز ودي كابو أن إبطاء أدوية GLP 1 لعملية الشيخوخة نفسها، إذا ثبت حدوثه، سيجعل هذا النطاق الواسع من الفوائد السريرية أمرًا متوقعًا تمامًا، لأن الشيخوخة تمثل العامل الأساسي الكامن وراء معظم الأمراض المزمنة.
ولاختبار هذه الفكرة، أعطى الباحثون حقنًا يومية من سيماجلوتايد لفئران إناث تبلغ من العمر 20 شهرًا، وهو عمر يعادل تقريبًا النساء في أوائل الستينيات إلى منتصفها، واستمروا في إعطائها الدواء طوال ما تبقى من حياتها.
وعند مقارنة هذه الفئران بمجموعة أخرى تلقت محلولًا ملحيًا، وجد الباحثون أن الفئران التي تلقت سيماجلوتايد عاشت في المتوسط 834 يومًا، مقابل 724 يومًا لدى المجموعة الضابطة. وكانت الفئران في المجموعتين قادرة على تناول طعامها المعتاد حتى الشبع. وبعد ثلاثة أشهر فقط من بدء العلاج، بدت الفئران التي تلقت سيماجلوتايد أكثر نشاطًا وفضولًا من الفئران الأخرى. فقد أصبحت أكثر استعدادًا لاستكشاف البيئات الجديدة، وحافظت على توازنها بصورة أفضل فوق قضيب دوار نحيف، وركضت بسرعة أكبر على جهاز مشي صغير، وتمكنت من حل المتاهات في وقت أقصر.
وعلى المستوى البيولوجي الداخلي، بدا أن سيماجلوتايد خفف مجموعة واسعة من سمات الشيخوخة. فقد ظهرت مؤشرات على نمو الخلايا الجذعية في نخاع العظم والحُصين، وهو ما يوحي باستعادة جزء من القدرة على تجديد الأنسجة وإصلاحها. كما انخفضت أضرار الحمض النووي، وتراجعت الاضطرابات التي تصيب البروتينات وإنتاج الطاقة، واختفى جزء من الخلايا الهرمة أو «الخلايا الزومبي».
ولم يكن من الممكن تفسير هذه النتائج ببساطة على أساس أن الفئران تناولت طعامًا أقل. ففي تجربة أخرى استمرت ثلاثة أشهر، قارن الباحثون تأثير الدواء بنظام غذائي مقيد السعرات الحرارية خفّض استهلاك الطاقة بنسبة 24 في المئة، وهي النسبة نفسها تقريبًا التي انخفض إليها استهلاك الطاقة لدى الفئران التي عولجت بسيماجلوتايد.
وبدا أن الدواء يمتلك بعض المزايا الإضافية. فعند مقارنته بتقييد السعرات الحرارية، أدى سيماجلوتايد إلى تحسن أكبر في القدرات الإدراكية والسيطرة على مستوى سكر الدم، من دون أن يسبب التكيفات الأيضية التي عادة ما ترافق الشعور بالجوع، مثل انخفاض معدل استهلاك الطاقة. كما أظهرت الفئران التي تناولت الدواء علامات أقل على الجوع. فلم تعد تتجول بحثًا عن الطعام قبل موعد التغذية، ولم تكن تندفع إلى التهام الطعام بمجرد توفره، بل حافظت على نمط تغذية أكثر انتظامًا.
وأظهر تحليل التسلسل الجيني للكبد أن سيماجلوتايد فعّل مسارات للإشارات الجزيئية تشبه تلك التي ينشطها تقييد السعرات الحرارية، ومن بينها المسارات التي تستشعر توافر العناصر الغذائية، وتستجيب لإجهاد الخلايا، وتتفاعل مع البروتينات المرتبطة بطول العمر. وأدى كلا التدخلين إلى خفض مستويات الالتهاب وتعزيز نشاط الجينات المسؤولة عن التعامل مع الدهون، إلا أن التأثيرين لم يعتمدا الآلية البيولوجية نفسها بصورة كاملة.
وتفتح هذه النتائج بابًا أمام سؤال مثير للاهتمام، وهو ما إذا كانت أدوية GLP 1 تستهدف مسارًا بيولوجيًا مختلفًا يؤثر في عملية الشيخوخة، وقد تكون لهذا المسار آثاره الجانبية الخاصة وحدوده العلاجية، بحسب فرنانديز ودي كابو. ولا تزال الطريقة الدقيقة التي يعمل بها هذا المسار غير معروفة، لكن الباحثين يرغبون في فهمها بصورة أكبر.
ورغم أن النتائج تبدو واعدة، فإن الدراسة تحمل عددًا من القيود المهمة. فهي لم تجر مقارنة مباشرة بين الحمية الغذائية واستخدام سيماجلوتايد من حيث قدرتهما على إطالة العمر. كما أن الجنس البيولوجي يؤثر في عملية الشيخوخة، ولذلك يحتاج الباحثون إلى معرفة ما إذا كانت النتائج نفسها ستظهر لدى الفئران الذكور. وهناك أيضًا احتمال فقدان الكتلة العضلية الخالية من الدهون، وهو أمر يثير قلقًا خاصًا لدى الأشخاص الذين يعانون أصلًا من الهشاشة أو من مشكلات صحية مرتبطة بالتقدم في العمر.
ومع ذلك، وصف تيم رودز من جامعة ويسكونسن ماديسون، الذي لم يشارك في الدراسة، سيماجلوتايد بأنه ربما يكون أفضل دواء يحاكي تأثير تقييد السعرات الحرارية رآه حتى الآن.
وقد يؤدي فهم التأثيرات الإضافية التي يمنحها سيماجلوتايد في نهاية المطاف إلى اكتشاف طرق جديدة لإبطاء مسار الشيخوخة، وربما حتى عكس بعض آثارها، بما يفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة للتعامل مع الساعة البيولوجية التي تدق مع مرور العمر.
