- تجعل البنية التحتية القديمة والتوسع السريع في الرقمنة شبكات الطاقة أكثر عرضة للمخاطر السيبرانية بصورة استثنائية.
- يسرّع الذكاء الاصطناعي قدرة الجهات المهاجمة على اكتشاف الثغرات الأمنية الخطيرة.
- يُعد الانتقال منذ اليوم إلى معايير تشفير مقاومة للحوسبة الكمومية أمراً ضرورياً لضمان أمن قطاع الطاقة على المدى الطويل.
يدخل قطاع الطاقة مرحلة أكثر تعقيداً من المخاطر السيبرانية. إذ يتعامل مشغلو شبكات الكهرباء مع تقنيات تشغيلية قديمة، وتسارع في عمليات الرقمنة، وبنية تحتية جديدة للطاقة المتجددة، إلى جانب مشهد تهديدات يتأثر بالمنافسة الجيوسياسية. وفي الوقت نفسه، أصبحت الخدمات الأساسية تعتمد بدرجة متزايدة على البرمجيات والاتصال وسلاسل توريد تكنولوجية معقدة، ما يجعلها أكثر عرضة للتهديدات.
كما يغيّر الذكاء الاصطناعي السرعة التي يمكن بها اختبار الافتراضات الأمنية. وعندما يقع في أيدي جهات معادية، يمكنه اكتشاف الثغرات بسرعة هائلة، وهو ما يعني أن مشغلي البنية التحتية يحتاجون إلى وسائل أسرع للتحقق من الأنظمة الحيوية وتحديثها وتعزيز حمايتها.
وفي ظل هذه الظروف، أصبح التخطيط لانتقال القطاع إلى معايير تشفير جديدة جزءاً عاجلاً وأساسياً من ضمان قدرته على الصمود على المدى الطويل.
شبكة الطاقة معرضة للمخاطر بشكل فريد
يمثل نظام الطاقة منظومة معقدة تضم مشغلي شبكات الكهرباء، ومصنعي المعدات، ومزودي البرمجيات، وشركات الاتصالات، والمنصات السحابية، ومقدمي الخدمات المدارة، وموردي أنظمة التحكم الصناعي. ويمكن لأي ضعف في إحدى طبقات هذه المنظومة أن يؤثر في قدرة باقي أجزائها على الصمود.
وهذا ما يجعل البنية التحتية للطاقة هدفاً جذاباً للجهات المعادية، لأن تعطيلها قد يؤدي إلى عواقب تتجاوز بكثير حدود مؤسسة واحدة. ويواجه القطاع هجمات متزايدة في تطورها، بما في ذلك هجمات تنفذها جهات ذات قدرات متقدمة وجهات مرتبطة بدول. كما يزداد التحدي نتيجة دمج البنية التحتية القديمة مع التقنيات الحديثة، في وقت يصبح فيه نظام الطاقة أكثر ترابطاً واعتماداً على الرقمنة.
وتزداد هذه المخاطر بسبب العمر التشغيلي الطويل للتقنيات المستخدمة في تشغيل مرافق الطاقة. إذ يُتوقع غالباً أن تظل أصول الطاقة في الخدمة لعقود، بينما تتغير البيئة السيبرانية المحيطة بها بوتيرة أسرع بكثير. وأظهرت أبحاث حديثة أن 77% من مؤسسات المرافق تعرضت خلال عام 2025 لهجمات مرتبطة ببرمجيات قديمة أو بعدم توفر تحديثات أمنية للمعدات القديمة، ما جعل هذا النوع من الحوادث السيبرانية الأكثر شيوعاً في القطاع.
ومن الأمثلة على ذلك الحادث الذي شهده قطاع الطاقة في بولندا في ديسمبر 2025، عندما استهدف مهاجمون أكثر من 30 مزرعة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية، إلى جانب شركة تصنيع ومحطة كبيرة لتوليد الطاقة بشكل مشترك كانت توفر التدفئة لنحو نصف مليون عميل في بولندا.
وغالباً ما تكون الأنظمة الأصعب من حيث التأمين هي نفسها الأنظمة الأصعب من حيث الاستبدال. ولذلك لا يمكن التعامل مع الاستعداد لعصر ما بعد الحوسبة الكمومية باعتباره مجرد تحديث برمجي بسيط. بل يجب أن يكون قابلاً للتطبيق في الأجهزة محدودة القدرات، والأنظمة المدمجة، والبيئات الصناعية، والأصول ذات العمر التشغيلي الطويل التي لا يمكن تحمل تعطيلها.
ويجب التخطيط للأصول التي يصعب تحديثها أو استبدالها، أو التي يُتوقع أن تعمل لعقود، بطريقة تسمح بتطويرها وتحديثها مستقبلاً.
الجدول الزمني أصبح مسألة تشغيلية
لم يعد الانتقال إلى معايير التشفير المقاومة للحوسبة الكمومية مجرد تمرين تخطيطي بعيد المدى. فقد وضعت الجهات المختصة بالأمن السيبراني في المملكة المتحدة مراحل زمنية تدعو المؤسسات إلى إكمال عملية اكتشاف الأنظمة المعنية ووضع الخطط الأولية بحلول عام 2028، والبدء في تنفيذ عمليات انتقال مبكرة للأنظمة ذات الأولوية العالية بحلول عام 2031، واستكمال الانتقال إلى التشفير المقاوم للحوسبة الكمومية بحلول عام 2035.
وفي الولايات المتحدة، اعتُبرت هذه القضية في يونيو 2026 أولوية تتعلق بالأمن القومي والبنية التحتية. وتهدف السياسة الأمريكية إلى نقل أنظمة المعلومات الفيدرالية إلى معايير التشفير ما بعد الكمومي التي يحددها المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا، مع مساعدة مالكي ومشغلي البنية التحتية الحيوية على تنفيذ عمليات الانتقال الخاصة بهم.
وبالنسبة إلى قطاع الطاقة، تكتسب هذه المواعيد أهمية كبيرة لأن القرارات التي تُتخذ اليوم ستظل تؤثر في البنية التحتية خلال ثلاثينيات هذا القرن. فقد تستمر أنظمة التحكم والأجهزة الميدانية وآليات الإقلاع الآمن والبوابات ومعدات الاتصالات التي يتم شراؤها حالياً في العمل لفترة طويلة بعد تغيّر الافتراضات الحالية المتعلقة بأمان التشفير.
لذلك، من الضروري دمج أحدث معايير التشفير منذ المراحل الأولى لعملية التخطيط.
البنية التحتية الآمنة كمومياً تعني تعزيز مرونة قطاع الطاقة
ستعتمد المرحلة المقبلة من الاستعداد للأمن المقاوم للحوسبة الكمومية على التنسيق بين مختلف أطراف منظومة الطاقة. إذ يحتاج مالكو البنية التحتية إلى معرفة أين وكيف يُستخدم التشفير عبر الأنظمة والخدمات والأجهزة والموردين.
ويمكن للجهات التنظيمية وصناع السياسات المساعدة من خلال توحيد التوقعات المتعلقة بالجداول الزمنية ومتطلبات إعداد التقارير والاعتماديات الحيوية. كما يحتاج الموردون إلى وضع خرائط طريق واضحة توضح كيفية دعم منتجاتهم لمعايير التشفير ما بعد الكمومي على امتداد فترات التشغيل الطويلة.
وسيكون تحديد الأولويات أمراً أساسياً. وينبغي أن يتركز الاهتمام الأكثر إلحاحاً على الأنظمة التي تحمي البيانات طويلة الأجل، والاتصالات الحيوية، وعمليات التحكم التشغيلي، وجذور الثقة القائمة على الأجهزة.
كما يجب دمج الاستعداد لعصر ما بعد الحوسبة الكمومية منذ الآن في دورات تحديث التكنولوجيا، وعمليات تقييم الموردين، وقرارات الاستثمار في البنية التحتية، حتى لا تتحول الأصول التي يتم شراؤها اليوم إلى نقاط ضعف أمنية خلال ثلاثينيات القرن الحالي.
ويعزز تحليل التشفير المدعوم بالذكاء الاصطناعي الحاجة إلى التحرك المبكر. فعند استخدام هذه الأدوات بصورة مسؤولة، يمكنها مساعدة المدافعين على اكتشاف نقاط الضعف في وقت مبكر، وتحسين آليات التنفيذ، وزيادة الثقة في الأنظمة التي تقوم عليها الخدمات الأساسية.
أما إذا استُخدمت في الأيدي الخطأ، فإنها يمكن أن تسرّع بشكل كبير من اكتشاف الثغرات واستغلالها.
وبالنسبة إلى قطاع الطاقة، يتمثل الهدف في حماية استمرارية الخدمات الأساسية وموثوقيتها واستقرارها، وهي الخدمات التي تعتمد عليها الاقتصادات والمجتمعات الحديثة.
وستكون المؤسسات الأكثر استعداداً للعقد المقبل هي تلك التي تبدأ العمل مبكراً، وتعطي الأولوية للأنظمة الأكثر أهمية، وتجعل الاستعداد للأمن المقاوم للحوسبة الكمومية جزءاً أساسياً من عمليات الشراء والتخطيط للمرونة والصمود.
