والد زوجي، الذي تجاوز الثمانين من عمره، يتحدث ثلاث لغات ويعشق كأس العالم منذ سنوات طويلة. وعندما يشجع فرقه المفضلة بالإنجليزية أو الإسبانية أو الفرنسية، وأحيانًا ينتقل من لغة إلى أخرى في منتصف الجملة نفسها، أجد نفسي مندهشة دائمًا من مدى سهولة هذا الأمر بالنسبة إليه.
لطالما أثارت قدرة الدماغ على تعلم لغات متعددة والاحتفاظ بها اهتمام العلماء. فحتى بعد سنوات من عدم استخدام لغة معينة، قد تكفي مواجهة قصيرة بها لإعادتها بسرعة إلى الذاكرة، من دون الحاجة إلى إعادة تعلم قواعدها أو مفرداتها بصورة واعية. وقد يمنح التحدث بلغتين فوائد معرفية أخرى أيضًا. وتشير دراسات صغيرة إلى أن ازدواجية اللغة قد تؤخر شيخوخة الدماغ، وتخفض خطر الإصابة بالخرف، وتمنح الإنسان أفضلية طفيفة في الوظائف التنفيذية، أي القدرة على الحفاظ على التركيز على هدف محدد.
لكن معظم الأدلة المتاحة جاءت من دراسات تصوير الدماغ، التي تمنحنا نظرة عامة واسعة على النشاط العصبي، لكنها لا تكشف التفاصيل الدقيقة لما يحدث داخل الدماغ.
والآن، تمكن علماء من كلية بايلور للطب بالتعاون مع باحثين آخرين من تسجيل نشاط الخلايا العصبية المفردة لدى أربعة متطوعين ثنائيي اللغة مصابين بالصرع، أثناء استماعهم إلى الإنجليزية والإسبانية وقراءتهما والتحدث بهما. وكان هؤلاء المشاركون يمتلكون بالفعل أقطابًا كهربائية مزروعة في الحُصين، وهي منطقة في الدماغ تؤدي دورًا أساسيًا في التعلم والذاكرة، وذلك بهدف تحديد مصدر نوبات الصرع لديهم.
وقال الباحث شينيون يان، أحد مؤلفي الدراسة، في بيان صحفي: «هذه أول دراسة على الإطلاق تبحث في كيفية عمل الدماغ ثنائي اللغة على مستوى الخلايا العصبية المفردة، وفي الوقت الفعلي».
تشير النتائج إلى أن الدماغ ثنائي اللغة يعمل على مستويين. فقد أظهرت الخلايا العصبية المفردة في كثير من الأحيان تفضيلًا قويًا لإحدى اللغتين عندما سمع المشاركون أو نطقوا كلمات تحمل المعنى نفسه. لكن شبكات الخلايا العصبية لم تكن مرتبطة إلى حد كبير بلغة بعينها، بل نظمت نفسها تلقائيًا في صورة خريطة للمفاهيم، بحيث توضع الكلمات المتقاربة في المعنى، مثل «كلب» و«ذئب»، بالقرب من بعضها بعضًا، في حين تبتعد عن كلمات لا علاقة لها بها مثل «شوكة».
والمثير للدهشة أن اللغتين اعتمدتا على الخريطة الأساسية نفسها. فقد تمكن الفريق، باستخدام خريطة المفاهيم الإنجليزية وحدها، من التنبؤ بدقة بالمجموعات التي ستضم الكلمات الإسبانية ذات الصلة بالمعنى.
وقال الباحث سمير شيث، أحد مؤلفي الدراسة: «الأمر يشبه النظر إلى غرفة من نافذة مختلفة. كل ما في الداخل يظل كما هو، لكن زاوية النظر تختلف».
وصل العوالم ببعضها
تحتل اللغة موقعًا محوريًا في التواصل بين البشر. ورغم أن بعض الكلمات لا تمتلك ترجمة مباشرة في لغة أخرى، يستطيع الناس التعبير عن الأفكار نفسها عبر لغات متعددة من دون أن يفقد المعنى الأساسي جوهره.
ويتميز الأطفال الذين ينشأون في أسر متعددة اللغات بقدرة خاصة على الانتقال بين اللغات، وغالبًا ما يمزجون الكلمات والعبارات من لغات مختلفة. وحتى عندما تختلف اللغات اختلافًا كبيرًا في القواعد وتركيب الجمل والنطق، يتمكن الدماغ بطريقة ما من الحفاظ على البنية الخاصة بكل لغة، مع دمج معانيها بسلاسة.
وقبل أن نتعلم الكلام بوقت طويل، تعمل الشبكات العصبية على تحويل الأفكار إلى أنماط كهربائية تتحول بدورها إلى كلمات وجمل. وبما أن اللغات تُبنى بطرق مختلفة، مثل اختلاف موضع الفعل داخل الجملة، فمن المنطقي افتراض أن لكل لغة بصمة عصبية خاصة بها.
لكن ربما لا يكون الأمر كذلك. فقد أشارت دراسة حديثة استخدمت الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الرنين المغناطيسي الوظيفي لأشخاص يتحدثون لغة واحدة من بين 21 لغة، إلى أن اللغات المختلفة تتشارك في هيكل عصبي متشابه يمثل المعاني والمفاهيم. وحتى اللغات الخيالية، مثل الكلينغونية من «ستار تريك» والنافي من «أفاتار»، يبدو أنها تعتمد على النظام الأساسي نفسه.
وتتوافق مجموعة متزايدة من الأدلة المستمدة من متحدثين بلغتين مع هذه النتائج. فقد وجدت إحدى دراسات الرنين المغناطيسي الوظيفي أن متحدثين أصليين بالصينية تعلموا الإنجليزية بكفاءة أكبر عندما استعانوا بالشبكات الدماغية نفسها التي يستخدمونها في اللغة الصينية. كما كشفت دراسة أخرى عن نشاط دماغي مشترك مرتبط بالكلام، كان كافيًا لفك شيفرة الكلمات عبر لغات مختلفة.
ورغم أن هذه النتائج تلمح إلى وجود خريطة لغوية عالمية، فإن تقنيات تصوير الدماغ التقليدية لا تزال تواجه صعوبة في التقاط الأنماط التفصيلية التي تظهر عندما ينتقل الشخص بين اللغات في الوقت الفعلي. ولكي نعرف كيف ينجح الدماغ ثنائي اللغة في أداء هذه المهمة، نحتاج إلى الاستماع مباشرة إلى الخلايا المفردة.
رسم الخريطة
درس الفريق أربعة متطوعين يجيدون الإنجليزية والإسبانية بطلاقة. وقد تعلم جميع المشاركين اللغتين قبل بلوغ سن الخامسة، واستمروا في استخدامهما بانتظام. كما زُرعت أقطاب كهربائية في الحُصين لدى كل منهم لمراقبة نوبات الصرع في إطار علاجهم، وهو ما أتاح للباحثين تتبع نشاط الخلايا العصبية المفردة أثناء استماع المشاركين وتحدثهم.
ورغم أن الحُصين لا يحظى دائمًا بالاهتمام نفسه الذي تحظى به مناطق أخرى في أبحاث اللغة، فإن العلماء بدأوا يدركون بصورة متزايدة أنه يمثل مركزًا لمعالجة معاني الكلمات، وربما يؤدي أيضًا دورًا في الربط بين المفاهيم. وفي هذه الدراسة، راقب الفريق أكثر من 100 خلية عصبية لدى كل مشارك أثناء تنفيذ ثلاث مهام لغوية.
في المهمة الأولى، استمع المشاركون لنحو ساعة إلى مقاطع فيديو على يوتيوب وإلى الكتاب الصوتي «كُل، صل، أحب» بالإنجليزية والإسبانية. وفي المهمة الثانية، قرأوا بصوت مرتفع ما يقرب من 100 عبارة ظهرت على شاشة، مثل «لنستمتع» وما يقابلها بالإسبانية «vamos a divertirnos». أما في المهمة الثالثة، فتحدث المشاركون لمدة تصل إلى 90 دقيقة مع متحدثين أصليين بكل لغة، وتطرقوا في أحاديثهم إلى موضوعات متنوعة، من الأسرة إلى تجربتهم مع الصرع.
وبحلول نهاية التجارب، جمع الفريق آلاف الكلمات المنطوقة، ومئات العبارات المتطابقة في المعنى، وساعات من المحادثات الطبيعية.
خريطة لغوية للمعاني
لم يظهر سوى عدد قليل من الخلايا العصبية التي بدت ثنائية اللغة حقًا، إذ استجابت بطريقة متشابهة لكلمات متكافئة في المعنى مثل «friends» و«amigos». ولتفسير النشاط العصبي بصورة أفضل، استعان الفريق بنموذج mBERT، وهو نموذج لغوي متعدد اللغات من جوجل يفهم أكثر من 100 لغة. ومثل نماذج اللغة الكبيرة الأخرى، لا يمثل هذا النموذج الكلمات اعتمادًا على تعريفاتها القاموسية البسيطة فحسب، بل يحددها وفق علاقاتها بالكلمات الأخرى والسياق الذي تظهر فيه.
وأظهرت المقارنة نمطًا متشابهًا بين الدماغ والآلة. فنادرًا ما كانت الخلايا العصبية المفردة تمثل الكلمة نفسها عبر لغتين مختلفتين. وبدلًا من ذلك، ظهر المعنى على مستوى مجموعة الخلايا العصبية.
وقد التقط كل من النشاط العصبي ونموذج mBERT السياق الأوسع، ونظما الكلمات ضمن مشهد مفاهيمي مجرد أطلق عليه الباحثون «الهندسة الدلالية». وفي هذه الخريطة، تتجمع المفاهيم المتقاربة معًا، بحيث تكون كلمة «قطة» أقرب إلى «كلب» من «مجرة» مثلًا، حتى لو لم تكن الخصائص الدقيقة التي تحدد هذه العلاقات واضحة تمامًا.
ومع ذلك، ظلت الخريطة في معظمها دون تغيير عند الانتقال من لغة إلى أخرى، ما يشير إلى أنها تمثل آلية أساسية في معالجة اللغة داخل الدماغ. وباستخدام الخريطة الإنجليزية وحدها، تمكن الفريق من التنبؤ بالكلمات الإسبانية التي ستتجمع حول كلمة «perro»، أي «كلب».
وقال يان: «هكذا يشفر الدماغ معنى الكلمات عبر اللغات. فهو لا يعتمد على خلايا عصبية مفردة لترجمة كلمات مفردة، بل على مجموعات من الخلايا العصبية التي تعدل نشاطها لتكوين نمط متشابه للكلمات المتكافئة في كلتا اللغتين».
ركزت الدراسة على علم الدلالة، أي المعنى، بدلًا من التركيب النحوي الذي يحكم بنية الجمل. وتشير دراسة حديثة أخرى استخدمت أيضًا تسجيلات من خلايا عصبية مفردة لدى أشخاص مصابين بالصرع إلى أن مجموعات أخرى من الخلايا العصبية، ولا سيما الموجودة في الأجزاء الأمامية من الدماغ، قد تتخصص في معالجة القواعد النحوية مع تجاهل المعنى الدلالي. ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت هذه الخلايا تشترك هي الأخرى في «خريطة» واحدة عبر اللغات المختلفة.
وتتمثل الخطوة التالية في مراقبة تشكل هذه الخرائط لحظة بلحظة. ويأمل الفريق في تتبع أشخاص أثناء تعلمهم لغة جديدة، للكشف عن الطريقة التي تندمج بها الكلمات والمفاهيم الجديدة في المشاهد الدلالية في الوقت الفعلي. وقد تسهم هذه النتائج في تعميق فهمنا لإحدى أكثر مهارات التواصل البشري أساسية، بل وربما تلهم تطوير نماذج لغوية أكثر قدرة وكفاءة في الذكاء الاصطناعي.
وقال الباحث بنيامين هايدن، أحد مؤلفي الدراسة: «توضح دراستنا أن الدماغ مهيأ لتعلم لغات متعددة».
