القائمة الرئيسية

لشفاء الجروح العنيدة، يتجه العلماء إلى المواد النانوية

لشفاء الجروح العنيدة، يتجه العلماء إلى المواد النانوية
ملخص المقال

تتجه الأبحاث العلمية نحو المواد النانوية المنشطة بالضوء لعلاج الجروح المزمنة العنيدة، مثل قرح السكري والحروق الشديدة، التي غالبًا ما تصاب بعدوى بكتيرية مقاومة للمضادات الحيوية وتشكل أغشية حيوية تعيق الشفاء. يقدم هذا النهج المبتكر حلًا عبر مواد نانوية مصممة خصيصًا، تستطيع تحويل الضوء إلى حرارة موضعية أو إنتاج جزيئات أكسجين تفاعلية سامة، وكلاهما يعمل على تدمير البكتيريا بشكل فعال ومحدد دون إلحاق ضرر كبير بالأنسجة السليمة المحيطة. وقد أظهرت التجارب التي أجريت على الفئران والخنازير نتائج واعدة جدًا، حيث تمكنت هذه المواد، مثل الهلام المحتوي على بروتين الليزوزيم أو جسيمات الذهب النانوية مع النقاط الكمومية من أكسيد الغرافين، من القضاء على نسبة عالية جدًا من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية وتسريع عملية التئام الجروح بشكل ملحوظ. ورغم أن هذه التقنيات ما زالت في مراحلها الأولية ولم تُختبر بعد على البشر وتتطلب المزيد من البحث لضمان سلامتها وفعاليتها وتكلفتها، فإنها توفر أملًا كبيرًا للمرضى الذين يعانون من هذه الجروح المزمنة وتحديات مقاومة المضادات الحيوية المتزايدة.

يمكن للجروح بطيئة الالتئام، وهي شائعة لدى المصابين بالسكري وضحايا الحروق، أن تؤدي إلى التهابات مستمرة تقاوم العلاج بالمضادات الحيوية. وقد يقدم نهج جديد يعتمد على علاجات تنشَّط بالضوء حلًا لهذه المشكلة.

بالنسبة إلى معظم الناس، لا يمثل الجرح البسيط أو الخدش مشكلة كبيرة، إذ سرعان ما يتولى الجسم عملية التئام الجرح بنفسه، ويمكن للمضادات الحيوية التعامل مع أي عدوى قد تنشأ. لكن بعض الجروح، مثل الحروق الشديدة وقرح القدم السكري، تكون أكثر عرضة للإصابة بالعدوى البكتيرية، التي قد تتطور إلى عدوى مقاومة للمضادات الحيوية.

يقول فيتالي خوتوريانسكي، عالم المواد في جامعة ريدينغ بالمملكة المتحدة: «من الصعب جدًا التئام الجروح المرتبطة بمرض السكري، ويعيش بعض الأشخاص مع هذه الجروح طوال ما تبقى من حياتهم».

ولمواجهة هذه المشكلة، يطور العلماء طرقًا جديدة لعلاج الجروح المصابة بالعدوى باستخدام مواد نانوية مصممة خصيصًا، يمكن تنشيطها بالضوء لتوفير تأثير مضاد للميكروبات في موضع محدد بدقة. وقد أظهر هذا النهج نتائج واعدة في الحد من العدوى وتسريع التئام الجروح خلال تجارب أجريت على الفئران والخنازير، لكنه لم يُختبر بعد على البشر.

وتوفر الجروح المزمنة التي لا تلتئم ظروفًا مثالية لتكوّن الأغشية الحيوية شديدة المقاومة، وهي طبقات من البكتيريا تؤخر التئام الجرح وترفع بصورة كبيرة خطر اللجوء إلى البتر. وتحتوي الغالبية العظمى من هذه الجروح، أي أكثر من 78 في المئة منها، على هذه الطبقات البكتيرية العنيدة، التي تكون في كثير من الأحيان مقاومة للمضادات الحيوية.

وتقدم المواد النانوية الجديدة المنشطة بالضوء طريقة مختلفة للقضاء على العدوى البكتيرية، إذ يمكنها تحويل الضوء إلى حرارة موضعية، أو التفاعل مع الأكسجين الموجود في الأنسجة لإنتاج جزيئات سامة تقتل البكتيريا مع إحداث أقل قدر ممكن من الضرر للأنسجة المحيطة.

يمتص جلدنا بصورة طبيعية كميات ضئيلة من الإشعاع، لكن زينبينغ تشين، عالم المواد في جامعة تكساس في دالاس، يوضح أنه بمساعدة مواد نانوية مصممة خصيصًا «يمكنك تسخين الأنسجة إلى درجة حرارة أعلى». وتضعف الحرارة البكتيريا وتساعد في الوقت نفسه على إصلاح الأنسجة. ويشير تشين، الذي شارك في تأليف دراسة استكشافية حول هذه التقنية نُشرت عام 2024 في مجلة المراجعة السنوية للهندسة الطبية الحيوية، إلى أن علاجات مشابهة تعتمد على تنشيط الضوء استُخدمت لإيصال السموم إلى مناطق محددة بهدف علاج بعض سرطانات الجلد والمريء، لكنها لم تُستخدم على نطاق واسع حتى الآن في مجال العناية بالجروح.

وفي إحدى الدراسات الواعدة المتعلقة بعلاج الجروح، بدأ رافاييلي ميزينغا، عالم المواد في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، وزملاؤه باستخدام بروتين طبيعي مضاد للميكروبات يُعرف باسم الليزوزيم، استُخلص من بياض البيض. وهندس الباحثون هذا البروتين في صورة هلام ممزوج بصبغة تمتص الضوء. وعند تعريض المادة لضوء الأشعة تحت الحمراء القريبة، تمتص الصبغة الضوء وترفع درجة حرارتها، ما يؤدي إلى إذابة الهلام وإطلاق الليزوزيم النشط. وعندما يُطفأ الضوء وتبرد المادة، يعود الليزوزيم إلى حالته غير النشطة.

وعندما وضع الفريق الهلام على جروح لدى الفئران والخنازير، وجد أنه قضى على أكثر من 95 في المئة من البكتيريا الموجودة. كما التئمت الجروح بوتيرة أسرع، لأن الليزوزيم، الذي يمكن أن يكون سامًا للخلايا السليمة أيضًا، لم يُفعّل داخل الجرح إلا عند تعريضه للضوء، وهو ما يحمي الجلد من التعرض المفرط له. ولتعزيز التئام الجروح بدرجة أكبر، أضاف الفريق أيونات المغنيسيوم إلى الهلام، إذ تساعد هذه الأيونات الخلايا المناعية المعروفة باسم البلاعم على الانتقال من حالة الالتهاب إلى حالة تعزز التئام الأنسجة. ويقول ميزينغا: «سيصبح الالتئام أسرع بكثير لأنك تقتل البكتيريا وتساعد الجرح على الالتئام في الوقت نفسه».

ونظرًا إلى أن الأغشية الحيوية البكتيرية تكون شديدة الاستمرار خصوصًا على أسطح الغرسات الطبية، حيث يمكن أن تتسبب في عدوى متكررة قد تستدعي أحيانًا إجراء عمليات جراحية متكررة أو حتى اللجوء إلى البتر، اختبر الفريق الهلام أيضًا على مفاصل صناعية مصابة بالعدوى لدى الفئران. وحقن الباحثون الهلام حول إبرة مزروعة ومصابة بالعدوى، ثم سلطوا ضوء الأشعة تحت الحمراء القريبة عبر الجلد. وأدى العلاج إلى إزالة الأغشية الحيوية والقضاء على نحو 99 في المئة من البكتيريا الموجودة حول الغرسة، مع الحفاظ على الأنسجة العظمية.

وفي دراسة حديثة أخرى، عالج علماء من جامعة قاننان الطبية وجامعة شنغهاي في الصين الجروح باستخدام مادة نانوية مكونة من جسيمات الذهب النانوية و«النقاط الكمومية» من أكسيد الغرافين، وهي جسيمات صغيرة شبه موصلة تعتمد على الكربون. وعند تعريض المادة للضوء الأزرق، تمتص جسيمات الذهب طاقة الضوء وتحولها إلى حرارة، بينما يساعد أكسيد الغرافين على نقل الإلكترونات عبر المادة. ويعزز ذلك تفاعلات تؤدي إلى إنتاج جزيئات سامة وغير مستقرة تُعرف باسم أنواع الأكسجين التفاعلية، تتفاعل مع مكونات أغشية البكتيريا وتدمرها.

وعندما أضاف العلماء هذه المادة إلى محلول يحتوي على البكتيريا وسلطوا عليه الضوء الأزرق لمدة عشر دقائق، تضافرت الحرارة الخفيفة وأنواع الأكسجين التفاعلية لتفكيك أغشية الخلايا البكتيرية. واستخدم الباحثون صبغة تميز بين البكتيريا الحية والميتة، وتمكنوا من التأكد من أن العلاج قضى على 97 في المئة من البكتيريا.

وكشف اختبار المادة النانوية على الفئران أنه بعد مرور تسعة أيام، بلغت نسبة التئام الجروح لدى الفئران التي تلقت العلاج 99 في المئة، في حين لم تتجاوز النسبة لدى الفئران التي لم تتلق العلاج نحو 70 في المئة.

ورغم أن هذه التقنيات أظهرت نتائج واعدة في المختبر، فإنها تحتاج إلى مزيد من البحث قبل إمكانية استخدامها لعلاج البشر. ويقول لارس كاستنر، عالم الأحياء في جامعة سارلاند بألمانيا: «لا يزال أمامنا بعض الطريق». ويوضح أن استخدام هذه التقنيات في البيئة السريرية يتطلب إجراء اختبارات مكثفة للتأكد من سلامتها، إلى جانب خفض تكلفة المواد النانوية.

ومع ذلك، تمنح هذه الفكرة أملًا للمرضى الذين يعانون من جروح مزمنة لا تستجيب للعلاج بالمضادات الحيوية التقليدية، ولا سيما مع تزايد انتشار العدوى المقاومة للأدوية في المستشفيات وفي رعاية مرضى السكري.

ويقول تشين: «إنها فكرة جيدة. فالتئام الجروح ومقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية يمثلان تحديين كبيرين جدًا، وأعتقد أن أي تقدم يمكن إحرازه في هذين المجالين سيكون موضع ترحيب».

المصدر

مقالات ذات صلة