القائمة الرئيسية

ما الذي سيحدث لاحقاً في حقبة أوزمبيك؟

ما الذي سيحدث لاحقاً في حقبة أوزمبيك؟
ملخص المقال

يُعد دواء سيماجلوتايد، المعروف بـ أوزمبيك وويغوفي، طفرة دوائية بدأ استخدامها لعلاج السكري ثم أحدث ثورة في مكافحة السمنة بفضل قدرته على كبح الشهية وتحقيق فقدان وزن كبير. وخلال السنوات الأخيرة، اكتسب الدواء شهرة واسعة، وارتفع الطلب عليه بشكل غير مسبوق. و حديثًا، أثبتت الدراسات، مثل تجربة SELECT، فعاليته المذهلة في تقليل مخاطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفاة بنسبة 20% لدى المصابين بالسمنة أو زيادة الوزن، مما وسع نطاق استخدامه ليشمل الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، وألهم تطوير جيل جديد من الأدوية متعددة الهرمونات، مثل تيرزيباتايد وريتاتروتايد، التي تحقق نتائج مبهرة في فقدان الوزن وتقترب من فعالية جراحات السمنة. ومع ذلك، تواجه هذه العلاجات تحديات كبيرة تشمل تكلفتها الباهظة، والحاجة للاستخدام طويل الأمد (إذ تعود معظم الأوزان المفقودة عند التوقف)، والآثار الجانبية المحتملة (غثيان، قيء، إسهال، ومخاوف نادرة تتعلق بالبنكرياس والغدة الدرقية)، مما يدعو إلى ضرورة دمجها ضمن استراتيجيات صحية عامة أوسع تتجاوز مجرد العلاج الفردي.

قلّما حظي دواء بالشهرة التي يتمتع بها سيماجلوتايد، المعروف في الولايات المتحدة باسم أوزمبيك أو ويغوفي. فهذا الدواء، الذي يُصنع على هيئة نسخة اصطناعية قابلة للحقن من أحد هرمونات الأمعاء، يمثل أبرز أفراد فئة دوائية جديدة طُورت في البداية لعلاج السكري، ثم تحولت إلى ظاهرة طبية وعامة بعد أن أثبتت فعاليتها في مكافحة السمنة. وقد حقق سيماجلوتايد نجاحًا كبيرًا إلى درجة أن الشركة المصنعة له، نوفو نورديسك الدنماركية، لم تعد قادرة على مواكبة حجم الطلب عليه.

وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على سيماجلوتايد عام 2017 لتحسين السيطرة على مستويات سكر الدم لدى البالغين المصابين بالسكري من النوع الثاني، ثم وافقت عليه في يونيو 2021 لإدارة الوزن المزمنة لدى البالغين الذين يعانون السمنة أو زيادة الوزن، إلى جانب وجود عوامل خطر مرتبطة بذلك، مثل ارتفاع ضغط الدم أو السكري.

وسهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تعزيز شهرة الدواء بصورة كبيرة. ففي منتصف عام 2022، انتشر مقطع على تيك توك يزعم أن كيم كارداشيان استخدمت سيماجلوتايد لإنقاص 15 رطلًا من وزنها حتى تتمكن من ارتداء الفستان الشهير الذي ارتدته مارلين مونرو في حفل ميت غالا في نيويورك. وخلال الأشهر التالية، أقر عدد من الشخصيات المعروفة باستخدام الدواء لكبح الشهية وإنقاص الوزن، من رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون إلى رجل الأعمال الملياردير إيلون ماسك. واليوم، يقول ثلاثة من كل أربعة أمريكيين إنهم سمعوا عن هذا النوع من الأدوية، ويرى أكثر من نصف هؤلاء أنها خيار جيد لإنقاص الوزن، وفقًا لمسح أجراه مركز بيو للأبحاث.

لكن في نوفمبر الماضي، لم يكن المهتمون بالدواء من المشاهير أو الراغبين في إنقاص الوزن فحسب، بل أطباء القلب أيضًا. ففي افتتاح الاجتماع السنوي لعام 2023 لجمعية القلب الأمريكية في فيلادلفيا، أثارت نتائج تجربة سريرية اهتمامًا هائلًا، إذ بدا أن سيماجلوتايد أصبح أداة جديدة لعلاج أمراض القلب.

وأجريت التجربة التي حملت اسم SELECT في 41 دولة، وشملت أكثر من 17 ألف شخص يعانون زيادة الوزن أو السمنة وكانوا معرضين بدرجة مرتفعة لخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، من دون أن يكونوا مصابين بالسكري. وأظهرت النتائج أن الحقن الأسبوعي تحت الجلد بجرعة 2.4 ملليغرام من سيماجلوتايد لا يساعد على فقدان الوزن بمتوسط يبلغ 15 في المئة من وزن الجسم الأصلي فحسب، بل يخفض أيضًا خطر الإصابة بالنوبات القلبية أو السكتات الدماغية أو الوفاة بنسبة 20 في المئة. ويضع هذا التأثير الدواء في فئة واحدة مع أدوية أخرى تستخدم للوقاية من أحداث القلب والأوعية الدموية، مثل الجرعات المنخفضة من الأسبرين وأدوية خفض ضغط الدم والستاتينات التي تستخدم لخفض الكوليسترول.

ومن خلال نتائج الدراسة، تمكن العلماء من حساب العدد الإجمالي للأشخاص الذين ينبغي علاجهم حتى تتحقق الفائدة المرجوة لدى شخص واحد منهم. ووجدوا أن علاج 67 مريضًا يعانون زيادة الوزن أو السمنة، وليس لديهم السكري، لكنهم معرضون بدرجة مرتفعة لخطر الإصابة بحدث قلبي وعائي، لمدة 40 شهرًا، من شأنه أن يمنع حدوث حدث قلبي وعائي رئيسي واحد، مثل النوبة القلبية أو السكتة الدماغية، أو وفاة ناجمة عن أمراض القلب. وللمقارنة، فإن العدد نفسه تقريبًا من المرضى الذين لديهم تاريخ مرضي قلبي وعائي يحتاجون إلى تناول الأسبرين أو أدوية ارتفاع ضغط الدم لمدة 60 شهرًا لتجنب سكتة دماغية واحدة.

وبناء على نتائج الدراسة، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في أوائل مارس على استخدام سيماجلوتايد القابل للحقن لتقليل خطر الوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية، وكذلك خطر الإصابة باحتشاء عضلة القلب والسكتة الدماغية لدى البالغين المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية الذين يعانون السمنة أو زيادة الوزن.

وتقول باولا هارويتش، طبيبة القلب واختصاصية السمنة في بوينس آيرس، والتي ترأست مجلس أمراض القلب والأوعية الدموية والأيض في الجمعية الأرجنتينية لأمراض القلب وشاركت في الاجتماع الذي عقد في فيلادلفيا: «إنها نقطة تحول. للمرة الأولى، لدينا دواء، هو سيماجلوتايد، لا يؤدي إلى فقدان الوزن فحسب، بل يقلل أيضًا من تكوّن اللويحات المتصلبة للشرايين ويمنع الوفيات والأحداث القلبية الوعائية».

وتشير عدة دراسات إلى أن الدواء يقلل من تراكم اللويحات داخل الشرايين. ففي إحدى هذه الدراسات، أدى استخدام سيماجلوتايد لمدة أربعة أشهر لدى مرضى السكري من النوع الثاني إلى خفض سماكة الشريان السباتي بنسبة 13 في المئة، وهي علامة سريرية تستخدم لتقييم تصلب الشرايين.

ومن شأن الدور المحتمل لسيماجلوتايد والأدوية المرتبطة به في الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، التي تتسبب في وفاة شخص واحد من كل ثلاثة أشخاص حول العالم، أن يعزز فرص هذه الأدوية في السوق بدرجة كبيرة، لأنه يوسع نطاق الاختصاصيين الذين يمكنهم وصفها. كما أنه يعيد وضع زيادة الوزن بوصفها أحد أهم عوامل الخطر القابلة للتعديل فعليًا في أمراض القلب والأوعية الدموية.

التعامل مع الوزن الزائد

وفقًا للنهج الطبي التقليدي، فإن فقدان الوزن يتطلب وجود اختلال بين السعرات الحرارية التي يحصل عليها الجسم وتلك التي يستهلكها، أي إما تناول كمية أقل من الطعام أو زيادة النشاط البدني وحرق سعرات أكثر. لكن الأدلة التي ظهرت خلال العقود الثلاثة الماضية أظهرت أن المسألة أكثر تعقيدًا بكثير، بحسب خوليو سيزار مونتيرو، اختصاصي التغذية الطبية ورئيس الجمعية الأرجنتينية للسمنة واضطرابات الأكل.

وتشير الرؤية العلمية الناشئة لدى المتخصصين في هذا المجال، والتي تعكسها أيضًا توصية صادرة عن جمعية الغدد الصماء، إلى أن السمنة تنتج عن عمليتين مترابطتين لكنهما مختلفتان. تتمثل الأولى في اختلال توازن الطاقة، أي تناول سعرات حرارية أكثر مما يستهلكه الجسم، بينما تتمثل الثانية في إعادة ضبط ما يسمى «نقطة ضبط» وزن الجسم إلى قيمة أعلى، وهي الوزن الذي يتعامل معه الجسم باعتباره الوزن المستهدف.

ويعاني الأشخاص المصابون بالسمنة اضطرابًا في نظام الاتزان الداخلي للطاقة، وهي العملية البيولوجية التي تحافظ على استقرار الوزن من خلال الموازنة النشطة بين كمية الطاقة التي يحصل عليها الجسم وكمية الطاقة التي ينفقها مع مرور الوقت. ولهذا السبب، يستجيب الجسم لفقدان الوزن بمحاولة شديدة الإصرار لاستعادة الكيلوجرامات التي فقدها والعودة إلى الوزن المستهدف الذي أصبح أعلى.

ولا تزال الآلية التي تدفع الجسم إلى محاولة العودة إلى نقطة ضبط الوزن غير مفهومة بالكامل، لكنها تساعد على تفسير سبب صعوبة الوصول إلى علاج فعال لإدارة السمنة. وتشير التقديرات إلى أن شخصًا واحدًا فقط من كل خمسة أشخاص يفقدون ما بين 5 و10 في المئة من وزنهم الأولي من خلال الحمية الغذائية والرياضة خلال ستة أشهر، يتمكن من الحفاظ على هذا الوزن لأكثر من عام. ولا يصبح فقدان الوزن والمحافظة عليه أكثر سهولة في ظل نمط الحياة قليل الحركة الذي تفرضه الحياة الحديثة، إلى جانب الانتشار الواسع للأطعمة فائقة التصنيع وسهولة الحصول عليها. وبحلول عام 2035، يُتوقع أن يعاني أكثر من نصف سكان العالم زيادة الوزن أو السمنة.

وحتى الآن، كانت أدوية السمنة التقليدية محدودة الفعالية. إذ يعمل معظمها على المواد الكيميائية التي تنقل الإشارات داخل الدماغ، والمعروفة بالناقلات العصبية، بهدف تقليل الشهية. وقد بدأ هذا النهج في ستينيات القرن العشرين باستخدام الأمفيتامينات، واستمر حتى اليوم مع مشتقات أكثر أمانًا وبعض الأدوية الأخرى غير المعتمدة على الأمفيتامينات. وهناك دواء آخر شائع الاستخدام هو أورليستات، المعروف تجاريًا باسم ألي أو زينيكال، والذي يقلل امتصاص الدهون من الطعام.

لكن تأثير هذه الأدوية جميعًا يظل متواضعًا نسبيًا على المدى القصير والمتوسط، إذ تحقق انخفاضًا يتراوح بين 6 و10 في المئة من وزن الشخص عند بدء العلاج. كما تحد الآثار الجانبية من انتشار استخدامها، وتتراوح هذه الآثار بين الأرق والعصبية وارتفاع ضغط الدم من جهة، والإسهال وسلس البراز من جهة أخرى.

دور الهرمونات

في إطار البحث عن طرق جديدة لفهم السمنة وعلاجها، وجه العلماء خلال العقود الأخيرة اهتمامهم إلى الهرمونات التي تفرزها الأمعاء.

وركزت الأبحاث بصورة خاصة على مجموعة تضم عشرة هرمونات تؤدي أدوارًا في تحسين عملية هضم العناصر الغذائية وامتصاصها من الطعام الذي نتناوله. كما تمثل هذه الهرمونات إحدى الوسائل التي يرسل من خلالها الجهاز الهضمي إشارات إلى الدماغ حول حالة الطاقة في الجسم، إذ تؤثر في كثير من الحالات في عملية الأيض وتشارك في تنظيم الشهية.

ويكتب اختصاصي الغدد الصماء أنيا جستربوف من كلية الطب بجامعة ييل وزميلها روبرت كوشنر من جامعة نورث وسترن في مقال نشر عام 2023 في مجلة Annual Review of Medicine أن الاستراتيجية الجديدة «غيرت المشهد العلاجي للسمنة من خلال استهداف الآليات الأساسية»، ومهدت الطريق أمام «حقبة جديدة واعدة من الأدوية شديدة الفعالية».

ومن بين هذه الهرمونات الببتيد الشبيه بالغلوكاغون من النوع الأول، أو GLP 1، الذي اكتشف في ثمانينيات القرن العشرين. أما سيماجلوتايد، وهو الجزيء الفعال في أوزمبيك وويغوفي، فهو نسخة مصنعة في المختبر تحاكي عمل هذا الهرمون. وكما يفعل GLP 1 نفسه، وكما يفعل دواء أقدم هو ليراغلوتايد الذي حصل على الموافقة عام 2010، يعمل سيماجلوتايد على تثبيط إفراز الغلوكاغون، وهو هرمون يفرزه البنكرياس لرفع مستويات سكر الدم. كما يعزز نمو خلايا بيتا في البنكرياس ووظيفتها، وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج الإنسولين، الهرمون الذي يضمن دخول السكر الناتج عن الطعام إلى خلايا الجسم لتوفير الطاقة لها.

وتسهم هاتان الآليتان في تنظيم مستويات سكر الدم، ولهذا السبب طُورت هذه الأدوية في البداية لعلاج السكري. وأظهرت سلسلة من التجارب السريرية المعروفة باسم SUSTAIN، والتي قيمت الدواء لدى نحو 8 آلاف مريض بالسكري من النوع الثاني، أن سيماجلوتايد أكثر فعالية من أدوية أخرى متاحة، مثل سيتاغلبتين المعروف باسم جانوفيا، وإكسيناتيد المعروف باسم بايتا، ودولاغلوتايد المعروف باسم تروليسيتي، والإنسولين غلارجين المعروف باسم لانتوس، في خفض مستويات الهيموغلوبين السكري. ويُستخدم هذا الاختبار لقياس متوسط مستويات الغلوكوز في الدم خلال الأشهر الثلاثة السابقة. ويعد الحفاظ على مستويات سكر الدم ضمن النطاق المستهدف أحد الأهداف الأساسية في علاج السكري لتجنب المضاعفات.

لكن سرعان ما اكتشف الباحثون أن لهذه الأدوية ميزة إضافية، إذ إن GLP 1 لا يعمل في البنكرياس وحده، بل يؤثر أيضًا في مراكز داخل الدماغ تتحكم في الشهية. كما يقلل حركة المعدة وإفراغها، ما يجعل الإنسان يشعر بالشبع لفترة أطول. وتسهم هاتان الآليتان في تقليل كمية الطعام المتناولة، لكنهما، على خلاف أدوية السمنة الأقدم، تعملان «بطريقة أكثر فسيولوجية، مع آثار جانبية قليلة»، بحسب مونتيرو. ويضيف أن إحدى أهم فوائد هذه الأدوية تتمثل في تخفيف المعاناة المرتبطة بالرغبة الشديدة في الطعام، لأنها تساعد على تهدئة هذه الرغبات. ويشير المرضى إلى انخفاض رغبتهم في تناول الأطعمة شديدة التتبيل والمالحة أو الغنية بالكربوهيدرات، إلى جانب تحسن قدرتهم على مقاومة الرغبات الملحة في تناول الطعام.

وترى هارويتش أن سيماجلوتايد يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا يمكّن الناس من اتخاذ قرارات أفضل. وتروي حالة أحد مرضاها، وهو رجل يزيد وزنه على 160 كيلوجرامًا وكان يعاني السكري، وقد فشلت معه عدة محاولات سابقة لإنقاص وزنه. تمكن الرجل من خسارة 35 كيلوجرامًا، أي أكثر من 20 في المئة من وزن جسمه، من خلال الحقن الأسبوعية بالدواء إلى جانب التثقيف الغذائي ووضع خطة مخصصة للنشاط البدني. وتقول: «إنه يشعر فعلًا بأنه ينجح لأن الدواء يساعده. من المهم تعديل نمط الحياة، فالدواء ليس سحرًا. لكن الناس يستطيعون اتخاذ خيارات غذائية أفضل وتقليل كمية الطعام التي يتناولونها بقدر أكبر بكثير من راحة البال».

وبالطبع، مثل أي دواء آخر، لا يعمل سيماجلوتايد لدى جميع المرضى، كما أن الجميع لا يستطيعون تحمله. ففي دراسة SELECT، على سبيل المثال، انسحب 16.6 في المئة من المشاركين الذين تلقوا سيماجلوتايد من التجربة بسبب الآثار الجانبية، وكان معظمها مشكلات في الجهاز الهضمي، مثل الغثيان والقيء والإسهال.

أدوية أخرى في الطريق

تشير جميع المؤشرات إلى أن حقن سيماجلوتايد ليست سوى بداية لعصر جديد من أدوية إنقاص الوزن. فإلى جانب نسخة فموية من سيماجلوتايد بجرعة مرتفعة أظهرت نتائج واعدة في التجارب ومن المتوقع أن تحصل على الموافقة مستقبلًا، ينتظر العلماء سيلًا من نتائج التجارب السريرية الخاصة بأدوية جديدة تعمل أيضًا على محور الأمعاء والدماغ، وتحاكي تأثير هرمونات أخرى تفرزها الأمعاء والبنكرياس.

ومن بين هذه الهرمونات الببتيد الأنسوليني المعتمد على الغلوكوز، أو GIP، الذي يعزز إفراز الإنسولين بعد تناول الطعام ويقلل الشهية. وهناك أيضًا هرمون الغلوكاغون الذي يعاكس عمل الإنسولين من خلال رفع مستوى سكر الدم، ويساعد الجسم على التخلص من الدهون الموجودة في الكبد ويزيد الشعور بالشبع. أما الهرمون الثالث فهو الأميلين، الذي يؤخر إفراغ المعدة، ويسرع الشعور بالشبع ويقلل الرغبة في تناول الطعام.

ويُطلق على هذه العلاجات مجتمعة اسم «العلاجات الهرمونية القائمة على تحفيز المغذيات»، لأنها تحاكي عمل الهرمونات التي تُفرز أو تنشط عندما تكتشف خلايا استشعار متخصصة في الجهاز الهضمي دخول الطعام. ومن المتوقع أن تعزز هذه العلاجات تأثيرات إنقاص الوزن، سواء استُخدمت منفردة أو مجتمعة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى قدرتها على إعادة ضبط العمليات الفسيولوجية التي تمنع الجسم من العودة بإصرار إلى نطاق وزن يبدو محددًا سلفًا. وبعبارة أخرى، تقلل هذه الأدوية ميل الجسم إلى استعادة الكيلوجرامات التي فقدها.

ومن الأدوية الأحدث تيرزيباتايد الذي تنتجه شركة إيلاي ليلي ويُسوّق باسم مونجارو أو زيباوند، وهو يعمل على مستقبلات كل من GLP 1 وGIP. وقد حصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في نوفمبر 2023 لعلاج السمنة. وأظهرت إحدى الدراسات السريرية لهذا الدواء انخفاضًا متوسطًا بلغ 25.3 في المئة من الوزن الأولي لدى الأشخاص الذين تلقوا حقنة أسبوعية لمدة 88 أسبوعًا.

وقد يكون دواء تجريبي آخر من إيلاي ليلي، هو ريتاتروتايد، التالي في القائمة. ويُطلق عليه لقب «الثلاثي G» لأنه يعمل على مستقبلات GLP 1 وGIP والغلوكاغون معًا. وفي يونيو الماضي، أظهرت دراسة قادتها جستربوف انخفاضات في الوزن لم يسبق تسجيلها باستخدام دواء واحد. فقد خسر المرضى الذين لم يكونوا مصابين بالسكري في المتوسط 24 في المئة من وزن أجسامهم خلال 48 أسبوعًا فقط، أي نحو 11 شهرًا. وفي المجموعة التي تلقت أعلى جرعة، فقد ربع المرضى أكثر من 30 في المئة من وزنهم. وتقترب هذه النتائج من تلك التي تحققها جراحات السمنة شديدة الفعالية، وإن كانت أكثر جذرية.

ويقول كوشنر: «لم أتخيل قط أن الأطباء سيضطرون إلى القلق من أن يفقد مرضانا وزنًا أكثر من اللازم أثناء تناول دواء مضاد للسمنة. هذه بالفعل نقطة تحول مثيرة للاهتمام في علم السمنة وممارستها، وتحول مهم في الطريقة التي نفكر بها في الأشخاص الذين يعيشون مع السمنة ونتعامل معها».

ويقترح كوشنر وجستربوف في مقالهما أن الجمع بين أفراد مختلفين من هذه الأدوية الهرمونية يمكن أن يستهدف الآليات المتعددة والمتشابكة للسمنة. ويتفق مونتيرو مع هذا التصور قائلًا: «هناك سرب من الهرمونات يشكل شبكة عنكبوتية. وإذا لمسنا أكثر من خيط في الوقت نفسه، فقد نحرك الشبكة بصورة أفضل، ما يعزز التأثير ويجعل التدخلات أكثر راحة مع آثار جانبية أقل».

وقد تتجاوز فوائد سيماجلوتايد وتيرزيباتايد علاج السمنة لتشمل أمراضًا أخرى، مثل اضطراب تعاطي الكحول، إضافة إلى سلوكيات قهرية أو إدمانية أخرى، مثل التدخين والتسوق المفرط وقضم الأظافر. كما تقلل هذه الأدوية الالتهاب، وهو ما قد يساعد على الحد من الأضرار التي تلحق بأعضاء وبنى مختلفة في الجسم، مثل الكلى والمفاصل. وهناك أيضًا دراسات أولية تبحث في قدرة هذه الأدوية على الوقاية من السرطان، وكذلك استخدامها لعلاج مرض باركنسون ومرض ألزهايمر، وإن كانت هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد هذه النتائج. وفي عام 2023، أعلن محررو مجلة Science أن أي اختراق علمي في ذلك العام لم يكن له تأثير تحويلي بهذا الاتساع على مجالات متعددة، إذ امتد تأثير ناهضات GLP 1 من الأسواق المالية إلى الثقافة الشعبية.

لكن، كما هو الحال مع أي ابتكار طبي، تلوح في الأفق تحديات لا يمكن تجنبها. فعلى الرغم من أن الآثار الجانبية الظاهرة لناهضات مستقبلات GLP 1، مثل الغثيان والقيء والإمساك والإسهال، تكون عادة خفيفة ومحدودة في الجهاز الهضمي، فقد أثارت مضاعفات أخرى أقل شيوعًا وأكثر خطورة مخاوف، من بينها احتمال زيادة خطر الإصابة بالتهاب البنكرياس. كما تشير دراسات أجريت على الحيوانات، ولم يثبت الأمر بعد لدى البشر، إلى وجود صلة محتملة بين هذه الأدوية وخطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية.

وهناك عائق آخر يتمثل في تكلفة هذه الأدوية. ففي الولايات المتحدة، تبلغ تكلفة العلاج الشهري بسيماجلوتايد نحو ألف دولار تقريبًا، بينما ينخفض السعر إلى ما يقارب عُشر ذلك في دول مثل اليابان والمملكة المتحدة وأستراليا. أما في أمريكا اللاتينية، حيث ارتفعت معدلات السمنة بوتيرة أسرع من مناطق أخرى من العالم، فلا يزال الدواء بعيدًا عن متناول غالبية السكان. ففي الأرجنتين، على سبيل المثال، بلغ سعر قلم أوزمبيك الذي يحتوي على أربع جرعات بتركيز 1 ملليغرام في مارس نحو 409 آلاف بيزو، أي ما يعادل أكثر من ضعفي الحد الأدنى الشهري للأجور. ويتطلب الوصول إلى جرعة 2.4 ملليغرام أسبوعيًا المستخدمة في دراسة SELECT للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية أكثر من قلمين شهريًا.

وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن الدراسات تظهر أن الفوائد المتعلقة بالوزن تتلاشى أو تتراجع بصورة حادة عند إيقاف العلاج، ما يعني أن استخدامه قد يحتاج إلى الاستمرار لفترة طويلة. فقد وجدت دراسة نُشرت عام 2022، على سبيل المثال، أن المرضى استعادوا ثلثي الوزن الذي فقدوه خلال عام واحد من إيقاف الدواء.

ويقول باتريسيو لوبيز جاراميو، اختصاصي الغدد الصماء والباحث ورئيس جامعة سانتاندير في بوكارامانغا بكولومبيا: «يتراجع حماسنا نحن الأطباء تجاه هذه الأدوية إذا نظرنا إليها من منظور الصحة العامة». ويرى أن استخدام هذه الأدوية ينبغي أن يوضع ضمن حزمة مجتمعية أوسع تتجاوز «الرؤية العقلانية والخطية والانضباطية» التي يتبناها المتخصصون الطبيون.

ويضيف: «ينبغي النظر إلى الأدوية الجديدة المضادة للسمنة باعتبارها أداة مفيدة، إذا تحسن الوصول المالي إليها. كما يجب أن تأتي ضمن إجراءات وبرامج عالمية تتيح للسكان فرصًا حقيقية لممارسة عادات حياة صحية، مثل ممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي متوازن والابتعاد عن التدخين».

المصدر

مقالات ذات صلة