القائمة الرئيسية

كيف يحسب الدماغ طريق الهروب السريع

كيف يحسب الدماغ طريق الهروب السريع
ملخص المقال

يلخص المقال فكرة استكشاف الدوائر العصبية المعقدة التي تكمن وراء سلوك الهروب من الخطر، وهو عنصر حيوي للبقاء على قيد الحياة عبر الكائنات الحية. ويوضح أن الهروب الفعال يعتمد بشكل كبير على سرعة معالجة الدماغ واتخاذ القرار، وليس فقط على السرعة البدنية، حيث يتعين على الكائن الحي أن يختار أسرع وأذكى طريق للنجاة، سواء كان ذلك بالفرار السريع، أو التجمد، أو استخدام الذاكرة لتحديد أفضل أماكن الاختباء. ويبين أن العلماء يدرسون هذه الآليات في حيوانات متنوعة، من الحشرات إلى الثدييات، للكشف عن كيفية عمل الدوائر العصبية المسؤولة عن الكشف عن التهديدات (مثل الحديبة العلوية) وتوجيه الاستجابات الحركية المعقدة التي قد تتضمن عمليات معرفية كالذاكرة (بمساعدة مناطق مثل القشرة خلف الطحال). ويؤكد الكتاب أن فهم هذه الاستراتيجيات العصبية لا يلقي الضوء على علم الأعصاب المتعلق بالهروب فحسب، بل يوفر أيضًا نموذجًا قويًا لفهم كيفية تشكيل التطور لوظائف الدماغ الأساسية والسلوكيات التكيفية الأخرى.

سواء تعلق الأمر بذباب صغير أو بالإنسان، فإن الفرار من الخطر يمثل عنصرًا أساسيًا للبقاء على قيد الحياة. ويبدأ العلماء في فك لغز الدوائر العصبية المعقدة التي تقف وراء ذلك القرار الذي يُتخذ في جزء من الثانية، حين يتعين على الكائن الحي أن يختار أسرع طريق للابتعاد عن الخطر.

غالبًا ما تعني قاعدة البقاء للأصلح أن البقاء يكون من نصيب الأسرع. لكن الأسرع لا يعني بالضرورة من يتحرك بسرعة أكبر، فقد يكون المقصود هو من يفكر أسرع. فعندما يقترب مفترس قوي، على سبيل المثال، يمكن أن يكون امتلاك دماغ سريع الاستجابة بأهمية امتلاك أقدام سريعة.

فالدماغ هو الذي يخبر القدمين بما ينبغي فعله، ومتى تتحركان، وفي أي اتجاه، وبأي سرعة، وإلى متى تستمران في الحركة. وإلى جانب ذلك، يحتاج الكائن الذي يوشك أن يصبح فريسة إلى القيام بسلسلة من العمليات العقلية المعقدة حتى ينجو من المهاجم ويتجنب أن يصبح وجبة له. إذ يتعين على دماغ الفريسة المحتملة أن يقرر ما إذا كان الأفضل أن يهرب أو يتجمد في مكانه، وأن يتفوق على مطارده بالسرعة أو بالحيلة، وأن يواصل الفرار أو يبحث عن مكان يختبئ فيه. كما أن تذكر مواقع الاختباء الأفضل واستحضار تجارب سابقة مع مفترسات مشابهة يمكن أن يزيد فرص النجاة.

وبعبارة أخرى، لا بد من تشغيل شبكة معقدة من الدوائر العصبية وتنفيذ الأوامر العصبية بكفاءة حتى يتمكن الكائن من تفادي تهديد مفترس. ولهذا بذل العلماء بدورهم قدرًا كبيرًا من الجهد الذهني لفهم الطريقة التي تنفذ بها أدمغة الفرائس استراتيجيات الهروب الناجحة. وتكشف الدراسات التي أجريت على حيوانات شديدة التنوع، من الفئران والسرطانات إلى ذباب الفاكهة والصراصير، عن النشاط العصبي المعقد الذي يقف وراء سلوك الهروب من الخطر والبحث عن الأمان، سواء في الأجزاء البدائية من الدماغ أو في المناطق الأكثر تقدمًا من الناحية المعرفية. وقد لا تساعد الدروس المستخلصة من هذه الدراسات على إلقاء الضوء على علم الأعصاب المرتبط بالهروب فحسب، بل يمكنها أيضًا أن تقدم رؤى حول الطريقة التي شكّل بها التطور سلوكيات أخرى يتحكم فيها الدماغ.

وتقول جينا جي. توريجيانو من جامعة برانديز، الرئيسة السابقة لجمعية علم الأعصاب، إن هذا البحث «يسلط الضوء على جانب من علم الأعصاب يكتسب زخمًا كبيرًا هذه الأيام»، ويتمثل ذلك في استخدام السلوكيات الطبيعية، أي السلوكيات التي تحمل أهمية حقيقية بالنسبة إلى بيولوجيا الحيوان موضوع الدراسة، لفك شفرة وظائف الدماغ.

فكر بسرعة

يوفر سلوك الهروب نافذة مهمة لفهم طريقة عمل الدماغ من الداخل، لأنه يعتمد على شبكات الجهاز العصبي التي نشأت في المراحل المبكرة من التطور. ويقول عالم الأعصاب تياغو برانكو من كلية لندن الجامعية: «منذ ظهور الحياة، كانت هناك أنواع تفترس أنواعًا أخرى، ولذلك نشأ ضغط تطوري قوي أدى إلى تطور سلوكيات تساعد على تجنب المفترسات».

ولا تتخذ كل هذه السلوكيات شكل الفرار بالركض، كما يوضح برانكو. فقد يقفز الكائن بدلًا من الركض، أو يسبح، أو قد يتجمد في مكانه أو يتظاهر بالموت. ويقول برانكو، الذي تحدث في نوفمبر خلال اجتماع جمعية علم الأعصاب لعام 2022 في سان دييغو، إن التنوع الكبير في أنواع الكائنات وبيئاتها ومفترساتها أدى إلى ظهور طرق كثيرة ومختلفة للهروب منها.

وبالطبع، قد يختار الحيوان أحيانًا المواجهة بدلًا من الفرار. لكن ما لم تكن ملك الغابة، أو ربما عدّاء طرق أذكى بكثير من أي ذئب مراوغ يطارده، فإن القتال قد يكون قرارًا غير حكيم. وعندما يكون الحيوان هو الفريسة، فإن الهروب يكون في العادة خياره الأفضل. والمشكلة أنه يحتاج إلى اتخاذ هذا القرار بسرعة.

ويوضح برانكو أن الحيوان «إذا قرر الهروب، فعليه أن ينفذ عملية الهروب بأسرع ما يمكن وبأكبر قدر من الدقة. ثم ينبغي له أيضًا أن ينهيها في أسرع وقت ممكن، لأن الهروب عملية مكلفة للغاية. فهو يستهلك الطاقة، كما يعني ضياع فرص أخرى».

تبدأ استراتيجية الهروب باكتشاف احتمال وجود مفترس. وينبغي أن يكون هذا الاكتشاف سريعًا وغريزيًا، أي استجابة فورية لمنبه بصري أو صوتي أو شمي. وبعد استشعار الخطر، يتعين على دماغ الحيوان أن ينفذ بسرعة خوارزميات معقدة توجه العضلات بشأن كيفية الحركة والمكان الذي ينبغي التوجه إليه. إنها عملية معقدة لاتخاذ القرار، تدخل فيها اعتبارات متعددة، من بينها مدى قرب التهديد، والظروف البيئية، والحالة الجسدية للفريسة نفسها.

وأول ما ينبغي أخذه في الحسبان هو مدى إلحاح التهديد. ففي بعض الحالات يكون لدى الحيوان وقت كاف لتحديد هوية المفترس قبل اتخاذ إجراء للهرب. لكن الاستجابة تحتاج في كثير من الأحيان إلى أن تكون أسرع من ذلك. فالتهديد الذي يقترب بسرعة، والذي تظهر صورته على شبكية العين وكأنها كتلة غامضة تكبر بسرعة، لا يترك مجالًا لإضاعة الوقت. ويجب أن يبدأ الهروب قبل أن تعرف الفريسة حتى من يكون المفترس.

ويقول برانكو: «لا يهم إن كان بومة أو سيارة أو جسمًا ما. إذا كان يقترب بسرعة في اتجاهك، فأنت تريد حقًا أن تبتعد عن المكان، ثم تفكر بعد ذلك في ماهيته».

حتى أبسط الحيوانات طورت استجابات سريعة للهروب عندما تستشعر خطرًا وشيكًا. فذباب الفاكهة، على سبيل المثال، يغير وضعية أرجله استعدادًا للقفز بعيدًا عن المنبه الذي يهدده. أما الصراصير فتندفع بسرعة بعيدًا في اتجاه يكون تقريبًا معاكسًا لاتجاه المفترس المقترب، لكنها لا تسلك الاتجاه نفسه تمامًا في كل مرة، بل تختار واحدًا من ثلاثة أو أربعة مسارات محتملة. ويشير برانكو إلى أن اختيار الصراصير دائمًا للزاوية نفسها في الهروب قد يمنح المفترسات فرصة لتطوير استراتيجية مضادة.

أما لدى الحيوانات الأكثر تعقيدًا، فقد تطورت دوائر عصبية متقدمة لاكتشاف التهديدات وإيصال إشارات وجودها إلى الأنظمة الحركية التي توجه العضلات وتدفعها إلى الحركة. وعند ظهور منبه يقترب بسرعة، تؤدي مجموعة من الخلايا العصبية في الدماغ الأوسط، تُعرف باسم السقيفة البصرية، دور كاشف التهديد الرئيسي، وهو دور يعود إلى المراحل المبكرة من تطور الفقاريات. ولدى الثدييات يُعرف التركيب الدماغي المناظر باسم الحديبة العلوية. فعندما تكتشف خلايا الشبكية جسمًا يتسع بسرعة في مجال الرؤية، ترسل إشارات إلى السقيفة البصرية أو الحديبة العلوية لتنبيه الدماغ إلى احتمال وقوع تصادم وشيك. ومن هناك، ترسل السقيفة أو الحديبة إشارات إلى خلايا عصبية تعمل على تنشيط العضلات. وفي الثدييات توجد هذه الخلايا العصبية في المنطقة الرمادية حول القناة الدماغية، وهي بنية تقع في جذع الدماغ.

وأظهرت الأبحاث أن الروابط العصبية بين الحديبة العلوية والمنطقة الرمادية حول القناة الدماغية ضرورية لدى الفئران لربط اكتشاف الخطر بسلوك الهروب. فعندما يُعرض على فأر في ساحة تجريبية فارغة ظل دائري كبير داكن، يندفع فورًا نحو ملجأ صغير يقع عند حافة الساحة. لكن إذا قُطعت نقاط الاتصال العصبي بين الحديبة العلوية والمنطقة الرمادية حول القناة الدماغية، فإن الفئران تتجمد بدلًا من الفرار عند مواجهة تهديد يقترب بسرعة، بحسب ما أوضح برانكو خلال اجتماع علم الأعصاب.

تهديدات أكثر خفاء

عندما لا يكون المفترس مندفعًا بسرعة أو واضحًا مثل ذلك التهديد الذي يقترب فجأة، يجب أن يكون الدماغ متيقظًا لأدق الإشارات الحسية التي قد تكشف عن وجود مفترس قريب، مثل حركة بين الشجيرات أو صوت غصن ينكسر. ثم ينبغي تضخيم هذه الإشارة حتى تصبح محور اهتمام الدماغ. وعلى خلاف التهديدات التي تقترب بسرعة، قد يتطلب الهروب الناجح في هذه الحالات الحصول على بعض المعلومات عن المهاجم. ولهذا تحتاج استجابة الدماغ إلى دوائر عصبية أكثر تعقيدًا. وقد كتب برانكو وباحث آخر مشارك له، بيتر ريدغريف، في مراجعة نُشرت عام 2020 في «المراجعة السنوية لعلم الأعصاب» أن «استجابات الهروب الفورية قد تكون بسيطة نسبيًا، لكن الهروب الممتد يعتمد غالبًا على عمليات مثل التنبؤ بحركة المفترس أو استخدام الذاكرة لتحديد المسار».

ويبدو أن الفئران التي تستكشف ساحتها التجريبية تعتمد على الذاكرة لتوجيه حركتها نحو الملجأ عندما تتعرض للتهديد. فإذا أزال الباحث الملجأ خلسة بينما لا ينظر الفأر في اتجاهه، فإن ظهور الخطر يدفع الفأر إلى الركض سريعًا نحو المكان الذي كان الملجأ موجودًا فيه. ويبدو أن الفأر لا يعثر على الملجأ من خلال البحث عنه بصريًا، وإنما بالاعتماد على ذاكرته للمكان الذي يفترض أن يكون موجودًا فيه. وهذا يعني أن جزءًا من الدماغ لا بد أن يخزن هذه المعلومة، ثم يتواصل مع الحديبة العلوية لتنظيم الأوامر المتعلقة بالاتجاه الذي ينبغي للفأر أن يركض نحوه.

وتشير دراسات حديثة جدًا إلى أن المنطقة الدماغية التي تزود الحديبة العلوية بهذه المعلومات هي القشرة خلف الطحال، أو القشرة خلف الطحال الدماغية. وهي منطقة تقع في منتصف الدماغ وترتبط بعدة تراكيب دماغية أخرى، من بينها الحُصين، وهو تركيب يؤدي دورًا مهمًا في الذاكرة.

وكتب داريو كامبانر وبرنكو وزملاؤهما في بحث ظهر للمرة الأولى على الإنترنت ثم نُشر لاحقًا في مجلة «نيتشر» أن «الخلايا العصبية في القشرة خلف الطحال ترمز إلى المواقع المهمة سلوكيًا، مثل المعالم، ومواقع المكافآت، ومجموعة متنوعة من الخصائص المكانية للبيئة».

وعندما عطل كامبانر وزملاؤه نقاط الاتصال العصبي بين القشرة خلف الطحال والحديبة العلوية، وجدوا أن الفأر يحاول الهروب من الخطر في الاتجاه الخطأ. وفي العالم الحقيقي، يقول برانكو، «ربما يكون هذا آخر خطأ يرتكبه الفأر».

وبالطبع، تسهم أجزاء أخرى كثيرة من الدماغ في استجابة الحيوان للتهديد. بل إن الإشارات العصبية قد تعمل أحيانًا على تثبيط سلوك الهروب. فقد يتلقى فأر جائع، على سبيل المثال، إشارة من منطقة تحت المهاد تدفعه إلى تأخير الاستجابة للخطر قليلًا من أجل الحصول على مزيد من الطعام أولًا. ولا يزال هناك الكثير مما يتعين تعلمه عن الجوانب الأخرى من الدوائر الدماغية التي تؤثر في سلوك الهروب.

ويقول برانكو: «لدينا فهم معقول لعلم الأعصاب الذي يقف وراء تنفيذ بعض استجابات الهروب، لكن هناك الكثير من الأمور التي لا تزال مجهولة».

ومن بين هذه الأمور جوانب دقيقة تتعلق بالطريقة التي طورت بها بعض أنواع الفرائس استجابات أكثر فاعلية لإشارات الخطر. فمعظم مفصليات الأرجل، على سبيل المثال، تستجيب للتهديد الذي يقترب بسرعة بناءً على حجم الكتلة التي تظهر في مجالها البصري. لكن سرطان عازف الكمان يستجيب بناءً على سرعة تغير حجم الصورة المقتربة، وفق ما أفاد باحثون من أستراليا مؤخرًا في مجلة «كارنت بيولوجي». وأوضح مؤلف الدراسة، كالوم دوناهيو، وزملاؤه أن التركيز على السرعة بدلًا من الحجم يسمح للسرطانات بالاستجابة في الوقت الذي لا تزال فيه صورة المفترس صغيرة جدًا، ما يمنحها فرصة أسرع للفرار إلى جحورها. وتشير هذه النتيجة إلى أن أسلوب الحياة والعوامل البيئية قد يؤثران في الطريقة التي تستجيب بها الأنواع المختلفة لإشارات التهديد، بحسب ما كتب الباحثون.

ويرى برانكو أن التحكم في الهروب يمثل وظيفة دماغية أساسية إلى هذا الحد، وأن دراستها عبر أنواع كثيرة من الكائنات تجعل منها «نموذجًا قويًا لدراسة علم الأعصاب والسلوك». وقد يكشف التعمق في فهم علم الأعصاب المرتبط بالهروب عن آليات عقلية يمكن «تعميمها على السلوكيات المختلفة وعبر أنواع عديدة من الكائنات»، بحسب قوله.

فالهروب في نهاية المطاف ليس سوى واحد من مجموعة كبيرة من السلوكيات الموجهة نحو هدف، والتي يتعين على الحيوانات إتقانها للفوز في سباق البقاء للأصلح. ومن شأن فهم الطريقة التي تتحكم بها الأدمغة في الهروب أن يقدم بدوره رؤى مهمة حول علم الأعصاب الكامن وراء استراتيجيات البقاء الأخرى.

وكما أشار برانكو وريدغريف في بحثهما المنشور في «المراجعة السنوية لعلم الأعصاب»، فإن الهروب يمثل سلوكًا محدد المعالم، ما يجعل من الممكن تصور الوصول إلى فهم كامل للخوارزميات البيولوجية التي تتحكم فيه لدى أنواع مختلفة من الكائنات. ويقول الباحثان إن الفهم التفصيلي لتعقيدات هذا السلوك «يمكن أن يوفر مدخلًا لفهم الآليات العامة التي تستخدمها الأدمغة لتوليد السلوكيات الطبيعية التكيفية».

المصدر

مقالات ذات صلة