من الصعب أن تموت الصور النمطية بسهولة. فإذا طُلب منا أن نتخيل عالمًا أثناء عمله، فمن السهل أن نستحضر إحدى الصور المألوفة التي التصقت بأذهاننا طويلًا، كعالم فلك يحدق عبر عدسة تلسكوب هائل، أو كيميائي يجلس محاطًا بأنابيب الاختبار. وربما تكون هناك صورة أكثر رسوخًا من ذلك كله، وهي الاعتقاد بأن العلم يتقدم عبر سلسلة من لحظات الاستبصار المفاجئة، حيث تقود كل لحظة «وجدتها!» إلى اكتشاف هائل يقلب المعرفة رأسًا على عقب. قد نستحضر هنا ألبرت أينشتاين عندما توصل إلى أن الطاقة تساوي الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء، أو ماري وبيير كوري عندما اكتشفا عنصر الراديوم.
في كتابها «الضياع في حب الاستطلاع: ملاحظات ميدانية من مغامرات العلماء في المجهول»، تسعى الكاتبة العلمية روبرتا كوك إلى تحطيم هذه الصور النمطية، وتفعل ذلك إلى حد كبير من خلال اصطحاب القارئ إلى قلب الحياة اليومية للعلم والعلماء، بكل ما تتسم به من صبر وتكرار ورتابة شاقة. نعم، قد تحدث الاكتشافات الكبرى، لكنها بالتأكيد ليست القاعدة. وتكتب كوك في وقت مبكر من الكتاب أن كلمة «وجدتها!» تعني «لقد عثرت عليها»، لكن الشعار الأكثر ملاءمة للعلم ربما يكون «لا أستطيع العثور عليها»، أو «أين هي؟»، أو في معظم الأحيان «ما الذي يحدث بحق؟».
وفي بعض الحالات، تبدأ صعوبة البحث العلمي قبل أن يبدأ البحث نفسه، إذ قد يكون الوصول إلى المكان الذي يفترض أن تجري فيه الدراسة تحديًا بحد ذاته. ففي بداية الكتاب، نرافق كوك وهي تتعرف إلى العمل الذي تقوم به جيسيكا ميخيا، الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في علم الجليد بجامعة بوفالو، والتي تنتمي إلى مجموعة من الباحثين يخططون لرحلة استكشافية إلى نهر هيلهايم الجليدي في غرينلاند لدراسة الطريقة التي تتحرك بها المياه أسفل الصفائح الجليدية السميكة.
لا توجد طائرات أو قطارات أو حافلات يمكن استخدامها للوصول إلى موقع الفريق البحثي، الذي يقع على بعد نحو 65 ميلًا داخل اليابسة، كما لا توجد طرق برية تؤدي إليه. والطريقة الوحيدة للوصول إلى الموقع أو مغادرته هي استخدام طائرة مروحية، لكن الفريق علم للتو أن المروحية لن تكون متاحة في الوقت الذي يحتاجون إليها فيه. ويشعر الباحثون أيضًا بالقلق من احتمال تدهور الأحوال الجوية، كما حدث في عام 2018 عندما اضطر الفريق إلى البقاء في البلدة منتظرًا تحسن الظروف حتى تتمكن المروحية من التحليق. وفي العام السابق، أجبرت عاصفة ثلجية الباحثين على البقاء داخل خيامهم لعدة أيام، ثم جاءت جائحة كوفيد 19 لتؤخر أعمالهم الميدانية الحالية أيضًا.
لكن نهر هيلهايم الجليدي ليس مجرد كتلة هائلة من الجليد. تروي كوك كيف عثر باحثون في عام 2011 على المياه أثناء حفرهم لاستخراج عينة من قلب الجليد، وهو ما قدم دليلًا على وجود طبقة مائية جوفية ضخمة مخفية تحت الجليد. وأظهرت قياسات أجريت لاحقًا أن طبقات المياه الجوفية في غرينلاند تغطي مساحة تقارب مساحة ولاية ماساتشوستس. ويمكن أن يوفر فهم سلوك الجليد، وكذلك المياه الموجودة تحته، معلومات مهمة حول آثار الاحترار العالمي، ولا سيما ما يتعلق بتأثير ارتفاع مستوى سطح البحر.
في بعض الحالات، يكون الوصول إلى المكان الذي يفترض أن يجري فيه البحث العلمي تحديًا في حد ذاته.
وفي فصل آخر، تتعرف كوك إلى نوع من الكائنات لا يزال العلماء يفتقرون إلى فهم كامل له، وهو نوع يُعرف باسم ضفدع الحارس الأملس. ومرة أخرى، يفرض الموقع الجغرافي تحدياته الخاصة، إذ تجري الأبحاث هذه المرة في غابة مطيرة في بورنيو، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في محاولة فهم سبب قيام هذه الضفادع الصغيرة بما تقوم به. تصدر الإناث أصواتًا استجابة لنداء الذكر، وهو سلوك غير معتاد. وتساءلت جوهانا غوييس فاييخوس، وهي طالبة دكتوراه في علم البيئة والأحياء التطورية بجامعة كونيتيكت، عما إذا كانت هذه الضفادع تمثل حالة من انقلاب الأدوار الجنسية، بحيث تتنافس الإناث على الذكور، بينما يتولى الذكور مسؤولية رعاية الصغار. وإذا ثبتت صحة هذا التفسير، فستكون هذه أول حالة واضحة من هذا النوع من السلوك تُرصد لدى الضفادع.
ويمنح احتمال أن يكون الذكور، وليس الإناث، هم القائمين على رعاية الصغار كوك فرصة لإضافة لمسة من الفكاهة إلى القصة. فتكتب قائلة إنها، بوصفها أمًا لطفل كان يبلغ آنذاك تسع سنوات، كانت تدرك بصورة غامضة أن الإعجاب بالضفادع الذكور التي تعتني ببيضها يشبه أن يقترب شخص حسن النية من رجل يؤدي مهمة عادية مع أطفاله في متجر للبقالة ويقول له: «يا لك من أب رائع!». ومع ذلك، لم تستطع كوك منع نفسها من الشعور بأن هناك شيئًا منعشًا في رؤية سلوك لدى حيوانات أخرى يتحدى الأدوار التي اعتاد مجتمعنا اعتبارها طبيعية وافتراضية.
وكلما تحدثت كوك مع علماء الأحياء حول هذه المسألة، بدأت في إعادة النظر في افتراضاتها الخاصة. فإذا كان وصف «انقلاب الأدوار الجنسية» مناسبًا لما رصدته فاييخوس، فلماذا ينبغي اعتبار انقلاب الأدوار الجنسية ظاهرة قائمة بذاتها أصلًا؟ وهل ينبغي أن نتحدث عن أدوار جنسية ثابتة للذكور والإناث؟ ولماذا نهتم إلى هذا الحد بالفروق بين الذكور والإناث؟ وهكذا يتحول بحث العلماء في سلوك ضفادع صغيرة إلى فرصة لمراجعة بعض الافتراضات التي نحملها نحن البشر عن أنفسنا وعن العالم من حولنا.
حتى إذا كان وصف انقلاب الأدوار الجنسية مناسبًا فعلًا لما لاحظته فاييخوس، فإن الألغاز لم تنتهِ عند هذا الحد. ففي إحدى مراحل البحث، نصبت فاييخوس كاميرا فيديو لتسجيل الضفادع الصغيرة أثناء تزاوجها، لكنها فوجئت بأن الإناث واصلت إطلاق نداءاتها طوال عملية التزاوج التي استمرت 90 دقيقة، بل استمرت في إصدار الأصوات حتى بعد أن ابتعد الذكر والأنثى عن بعضهما. ومع انتهاء الفصل، ظلت فاييخوس، وكذلك كوك، عاجزتين عن تفسير ما يحدث.
وينتقل فصل لاحق إلى عالم الفيزياء. وقد يتوقع القارئ هنا أن يقرأ نقاشات عميقة حول المادة المظلمة أو الطاقة المظلمة، لكن هذا ليس ما يحدث. فالباحثون الذين لفتوا انتباه كوك يحاولون فهم ما يحدث عندما تُكرمش قطعة من الورق. من الطبيعي أن تظهر التجاعيد، لكن السؤال هو كم عددها، وما النمط الذي تتخذه، وهل تتشكل بصورة عشوائية؟ ويريد العلماء كذلك معرفة كيفية تغير هذه التجاعيد عندما تُكرمش الورقة مرارًا وتكرارًا.
قد يبدو هذا النوع من البحث للبعض مجرد إهدار للوقت والطاقة، لكن كوك تتعامل معه بتعاطف وتفهم. وتنقل عن عالم الرياضيات كريس رايكروفت قوله إننا، رغم معرفتنا بأمور مذهلة عن الجسيمات دون الذرية ومركز المجرة وغيرها من الموضوعات الكبرى، لا نزال نواجه ألغازًا حقيقية في «الحالات اليومية للمادة»، مثل ورقة الورق المجعدة، وهي أمور لا نفهمها فهمًا كاملًا حتى الآن.
لقد تجاوزت أسطورة «العبقري المنعزل» زمنها بكثير، وكذلك فكرة أن العلم لا يدور إلا حول الاكتشافات الكبرى.
ويتضمن علم دراسة تجعد الورق قدرًا كبيرًا من الرياضيات المعقدة، لكن كوك تواصل خوض التجربة بكل حماس، حتى عندما تتجاوزها الرموز والمعادلات المختلفة في كثير من الأحيان، وهو أمر تعترف به بسهولة. وتكتب أنها كانت تجلس أحيانًا بينما يضحك الجميع على نكتة شديدة التخصص أو يومئون بحماس موافقين بعد أن وصلوا إلى لحظة استبصار مشتركة، بينما كانت تتظاهر بأنها فهمت ما حدث للتو. ومع ذلك، وجدت شيئًا مريحًا في الاستماع إليهم، كما لو كانت تستمع إلى أشخاص يتحدثون بحماس باللغة الإيطالية، مستمتعة بإيقاع الكلمات الموسيقي التي تخرج من أفواههم، ولا تلتقط منها سوى كلمات متفرقة مثل «بيتزا» أو «رافيولي».
واتضح في النهاية أن ما يتعلمه الباحثون من دراسة تجعد الورق يقدم لهم رؤى تتجاوز الورقة نفسها وتمتد إلى الكون الأوسع. وتخبر مادلين ليمبرغن، وهي طالبة دكتوراه في جامعة هارفارد، كوك بأن التقلبات الصغيرة في كثافة المادة المظلمة يمكن أن تساعد على دفع عملية تشكل النجوم، وربما تمهد الطريق لاحقًا لتكوين الكواكب وظهور البشر. وتقول ليمبرغن إن رؤية تلك الخيوط الفيزيائية التي تربط أجزاء الكون كله ببعضها كانت تجربة رائعة للغاية.
أما أبعد الأجرام التي تتناولها كوك في الكتاب فهو قمر يدور حول كوكب يدور بدوره حول نجم يقع بعيدًا جدًا عن نظامنا الشمسي. ويُطلق علماء الفلك على هذه الأجرام اسم «الأقمار الخارجية» التي تدور حول «الكواكب الخارجية». وتتحدث كوك مع أبورفا أوزا، عالم الفيزياء الفلكية المتخصص في الكواكب في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا في لا كندا فلينتريدج بولاية كاليفورنيا، والذي يشرح لها سبب اعتقاده بأن بعض هذه الأقمار قد تكون شديدة النشاط البركاني، بحيث تقذف نفاثات من الحمم البركانية، وربما تكون قريبة من تمزيق نفسها بفعل هذه العمليات العنيفة. لكن المشكلة أن العلماء لم يرصدوا حتى الآن أيًا من هذه الأقمار بصورة مباشرة، كما أنهم ما زالوا يناقشون كيفية تعريفها وتحديد ما الذي يمكن اعتباره قمرًا خارجيًا بالفعل. ولذلك يعتمد علماء الفلك في الوقت الراهن على أدلة غير مباشرة قد تشير إلى وجود هذه الأجرام فعلًا، وهي أدلة ما تزال ضعيفة وقابلة لتفسيرات متعددة.
وكما هو الحال مع الورق المجعد والضفادع الصغيرة، فإن الأقمار الخارجية، إذا ثبت وجودها، قد تخبر العلماء بأمور تتجاوز ما قد نتوقعه منها. فالعلماء يعتقدون أن قمرنا ساعد على استقرار ميل محور الأرض، الأمر الذي أسهم في إبقاء مناخ كوكبنا مستقرًا نسبيًا. وإذا اتضح أن الأقمار الخارجية شائعة في الكون، وهو أمر لم يُحسم بعد، فقد يؤدي ذلك إلى رفع تقديراتنا لمدى انتشار الحياة خارج كوكبنا.
وعلى الرغم من أن كوك بذلت جهدًا لربط هذه القصص العلمية المختلفة ضمن سردية شاملة، فإن كل فصل منها يستطيع أن يقف بمفرده ويقدم للقارئ متعة مستقلة. فليس مطلوبًا من القارئ أن يتذكر أي شيء عن النهر الجليدي في غرينلاند، على سبيل المثال، حتى يستمتع بمعرفة أن ذئاب القيوط تأكل تقريبًا أي شيء يمكنها العثور عليه، من الثعابين والأرانب والسلاحف وبيض الإوز إلى ديدان الأرض وصغار الجرذان. كما يمكنه أن يتعلم، من خلال أحاديث كوك مع باحثين عملوا في القارة القطبية الجنوبية، أن تناول قطعة من كعكة الفاكهة التي ظلت مجمدة منذ عام 1969 يبدو أمرًا مقبولًا على ما يبدو.
وبعد تسعة فصول مخصصة لمغامرات علمية مختلفة، تصبح عدة رسائل واضحة للغاية. أولها أن العلم عملية فوضوية، وأن الباحث، ما لم يكن متخصصًا في العمل النظري، غالبًا ما يجد نفسه مضطرًا إلى التعامل مباشرة مع العالم المادي بكل ما يحمله ذلك من اتساخ ومشقة وتجارب غير متوقعة. كما أن أسطورة «العبقري المنعزل» لم تعد صالحة لتفسير الطريقة التي يتقدم بها العلم، تمامًا مثلما لم تعد فكرة أن العلم كله يدور حول لحظات الاختراق والاكتشافات الكبرى قادرة على وصف الواقع العلمي كما هو.
وفي النهاية، نخرج من الكتاب بانطباع واضح عن الصفات المشتركة التي تجمع معظم العلماء الذين تحدثت إليهم كوك. إنهم يمتلكون فضولًا لا حدود له، وشغفًا عميقًا بالاكتشاف، حتى عندما تكون عملية الوصول إلى ذلك الاكتشاف بطيئة وشاقة ومليئة بالأسئلة التي لا تجد إجاباتها بسهولة. فالعمل العلمي الحقيقي لا يقوم فقط على لحظة عبقرية مفاجئة، وإنما على الاستمرار في طرح الأسئلة، ومواجهة الفشل والنتائج الغريبة، والعودة إلى المختبر أو الميدان مرة أخرى، ثم محاولة فهم ما حدث. وفي هذا العالم، قد تكون القدرة على تحمل الغموض ومواصلة البحث رغم غياب الإجابة أكثر أهمية من لحظة «وجدتها!» التي ارتبطت طويلًا في أذهاننا بصورة العالم.
