القائمة الرئيسية

كيف ترتبط بكتيريا الأمعاء بمرض باركنسون؟

كيف ترتبط بكتيريا الأمعاء بمرض باركنسون؟
ملخص المقال

تشير الأدلة المتزايدة إلى احتمال وجود صلة بين مرض باركنسون وميكروبيوم الأمعاء، إذ تتغير تركيبة البكتيريا لدى المصابين بالمرض، وقد تسهم بعض هذه التغيرات في سلسلة من العمليات التي تؤدي إلى تلف الخلايا العصبية. ويُحتمل أن تبدأ العملية في الأمعاء عندما تتفاعل مواد تنتجها البكتيريا، مثل بروتينات «كيرلي»، مع بروتين ألفا ساينيوكلين، فتتكون تجمعات بروتينية غير طبيعية يمكن أن تنتقل عبر الجهاز العصبي، وربما تصل إلى الدماغ من خلال العصب المبهم الذي يربط الأمعاء بالدماغ. كما قد تنتقل جزيئات بكتيرية أو خلايا مناعية نشطة عبر الدم إلى الدماغ، فتسبب الالتهاب وتضر بالخلايا العصبية. وتدعم تجارب على الحيوانات هذه الفرضيات؛ إذ أدى نقل ميكروبات من مرضى باركنسون إلى فئران خالية من الجراثيم إلى ظهور أعراض مشابهة للمرض، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت تغيرات الميكروبيوم سببًا مباشرًا للمرض أم عاملًا يسرّع تطوره، فضلًا عن احتمال تداخل أنواع متعددة من البكتيريا والعمليات المناعية والعصبية. لذلك، ورغم أهمية هذه النتائج في فهم المرض، لا توجد حتى الآن أدلة كافية تبرر استخدام المكملات أو زرع البراز أو غيرها من التدخلات لتغيير الميكروبيوم علاجًا لباركنسون، وما زال تحديد الآليات السببية الدقيقة لدى البشر يحتاج إلى مزيد من البحث.

تشير أدلة متزايدة إلى وجود صلة بين هذا المرض العصبي المنهك والميكروبات التي تعيش في أمعائنا. وقد يكون العصب المبهم أحد المسارات التي تربط بينهما.

قد يبدأ الأمر بأعراض صغيرة: خدر غريب، أو ارتعاش طفيف في الوجه، أو تيبس غير مبرر في إحدى العضلات. ثم يمر الوقت، وفي نهاية المطاف تبدأ الرعشات.

يعيش نحو مليون شخص في الولايات المتحدة، ونحو 10 ملايين شخص في أنحاء العالم، مع مرض باركنسون، وهو اضطراب عصبي شديد يقتل الخلايا العصبية في الدماغ تدريجيًا. ومع تقدم المرض، يمكن أن تظهر مجموعة كبيرة من الأعراض المعيقة، بدءًا من الرعشات العنيفة والتقلصات العضلية المؤلمة للغاية، وصولًا إلى الكوابيس المخيفة والتشوش الذهني المستمر. ورغم أن العلاجات الطبية يمكن أن تخفف بعض هذه الآثار، لا يزال الباحثون لا يعرفون بالضبط ما الذي يسبب المرض في المقام الأول.

ومع ذلك، تشير دراسات متزايدة إلى أنه قد يكون مرتبطًا بعامل غير متوقع: البكتيريا التي تعيش داخل أمعائنا.

يمتلك كل واحد منا مئات أو آلاف الأنواع الميكروبية في المعدة والأمعاء الدقيقة والقولون. وتُعرف هذه البكتيريا مجتمعة باسم ميكروبيوم الأمعاء، وهي في العادة ضيوف مراعية: فعلى الرغم من أنها تعتمد إلى حد كبير على الطعام الذي يمر عبر أجسامنا، فإنها تقدم لنا شيئًا في المقابل، إذ تنتج عناصر غذائية أساسية مثل النياسين، الذي يساعد أجسامنا على تحويل الطعام إلى طاقة، كما تفكك الألياف النباتية التي يتعذر هضمها إلى مواد يستطيع الجسم استخدامها.

ومع تقدم مرض باركنسون في الدماغ، أفاد الباحثون بأن أنواع البكتيريا الموجودة في الأمعاء تتغير أيضًا بصورة كبيرة، ما يلمح إلى احتمال وجود دور سببي لها في المرض. وقد سجلت دراسة نُشرت عام 2022 في دورية Nature Communications هذه الاختلافات بالتفصيل. وبعد تحليل تسلسلات الجينومات المختلطة لبكتيريا البراز لدى 724 شخصًا، بينهم مجموعة مصابة بباركنسون وأخرى غير مصابة، لاحظ الباحثون عددًا من التغيرات المميزة في أمعاء الأشخاص المصابين بالمرض.

وكانت مستويات بعض أنواع بكتيريا Prevotella أقل بكثير لدى مجموعة المصابين بباركنسون، وهي أنواع من البكتيريا تساعد الجسم على تفكيك الألياف النباتية. وقد تفسر مثل هذه التغيرات في بكتيريا الأمعاء سبب معاناة المصابين بمرض باركنسون من الإمساك في كثير من الأحيان. وفي الوقت نفسه، وجدت الدراسة أن نوعين ضارين من فصيلة البكتيريا المعوية Enterobacteriaceae، وهي عائلة من الميكروبات تضم السالمونيلا والإشريكية القولونية وغيرها من البكتيريا، قد ازداد انتشارها. ويقول تيم سامبسون، عالم الأحياء في كلية الطب بجامعة إيموري وأحد المشاركين في إعداد الدراسة، إن هذه البكتيريا قد تكون جزءًا من سلسلة من الأحداث الكيميائية الحيوية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى قتل خلايا الدماغ لدى مرضى باركنسون.

للوهلة الأولى، لا تبدو العلاقة بين البكتيريا ومرض الدماغ واضحة تمامًا. فكيف يمكن لتغير في ميكروبات الأمعاء أن يطلق شرارة اضطراب تنكسي عصبي مدمر؟ قد تبدو العلاقة بين الأمرين غير بديهية، لكن سامبسون يقول إن الأمر يعود إلى الطرق الدقيقة التي يرتبط بها الدماغ والأمعاء.

في جدران الأمعاء، توجد شبكة من الخلايا العصبية تُعرف باسم الجهاز العصبي المعوي، وهي تتيح للجسم استشعار ما يحدث في الأمعاء والاستجابة له وفقًا لذلك. وتتحكم هذه الدوائر العصبية في حركة العضلات، وتدفق الدم الموضعي، وإفراز المخاط، وغيرها من الوظائف الهضمية الأساسية.

وبما أن خلايا الجهاز العصبي المعوي مغروسة في جدار الأمعاء، فإن كثيرًا منها يكون على اتصال وثيق بالتجويف الداخلي للأمعاء، وهو التجويف الذي يحتوي على ميكروبيوم الأمعاء، حيث يمكن لهذه الخلايا أن تتفاعل مباشرة مع المواد الكيميائية الحيوية التي تنتجها البكتيريا. ومن بين هذه المواد بروتينات لزجة تُسمى كيرلي، وتُنطق «كيرل آي»، وقد يكون لها دور في مرض باركنسون.

في الظروف الطبيعية، تتيح بروتينات كيرلي للبكتيريا المعوية بناء أغشية حيوية، وهي طبقات هلامية تحمي الميكروبات وتساعدها على البقاء في الأمعاء. لكن إذا لامس جزيء من كيرلي بروتينًا شائعًا تنتجه الخلايا العصبية يُسمى ألفا ساينيوكلين، يبدأ هذا البروتين في اتخاذ طيّة غير طبيعية وتكوين كتلة خطرة تُعرف باسم التجمع البروتيني. وبمجرد تشكل هذه التجمعات، يمكنها الانتشار على نطاق واسع عبر الجهاز العصبي، والانتقال من خلية إلى أخرى، وفي نهاية المطاف الوصول إلى الدماغ عبر العصب المبهم، وهو المسار الرئيسي الذي ينقل الإشارات بين الدماغ والأمعاء. ويعتقد إيميران ماير، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وعالم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس وأحد المشاركين في إعداد مراجعة حديثة حول الصلة بين الأمعاء والدماغ، أنه في بعض حالات مرض باركنسون لدى البشر قد تؤدي التغيرات في ميكروبيوم الأمعاء إلى تنشيط هذه العملية.

وقد تزايدت في السنوات الأخيرة الشكوك في أن العصب المبهم يؤدي دورًا رئيسيًا في الأمراض التنكسية العصبية. ويشير ماير إلى أن دراسة نُشرت عام 2017 في دورية Neurology أظهرت أنه «إذا قطعت العصب المبهم، فإن ذلك يقلل من خطر الإصابة بمرض باركنسون. وهذه إشارة قوية إلى أن هذه المادة التنكسية تنتقل، على ما يبدو، عبر العصب المبهم».

وخلال العقود القليلة الماضية، أظهرت مجموعة من الدراسات التي أجريت على الحيوانات أن العصب المبهم يوفر مسارًا ماديًا يمكن للجزيئات أن تستخدمه للانتقال بين الأمعاء والدماغ. ومع أن هذا الطريق العصبي السريع قد يؤدي دورًا مهمًا في مرض باركنسون، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان العصب المبهم يمثل حلقة أساسية في التسبب بالمرض نفسه.

وإضافة إلى انتقال التجمعات البروتينية عبر العصب المبهم، يمكن لمحفزات مختلفة، مثل الدهون والفيتامينات والمركبات العضوية الأخرى التي تنتجها بكتيريا الأمعاء، أن تنتقل عبر الأوعية الدموية إلى الدماغ، حيث قد تسبب التهابًا وتلحق الضرر بالأنسجة. وبالمثل، يقول ديفيد هافلر، اختصاصي المناعة العصبية في جامعة ييل، إن الخلايا المناعية التي تنشط في الأمعاء قد تسهم في الضرر والخلل العصبيين اللذين يحدثان لدى المصابين بمرض باركنسون.

ويمكن لهذه الخلايا المناعية، التي تُعرف باسم الخلايا التائية، أن تهاجر من الأمعاء، وتدخل مجرى الدم، وتعبر الحاجز الدموي الدماغي، حيث قد ينتهي بها الأمر إلى قتل الخلايا العصبية. ويستدل هافلر على إمكانية حدوث ذلك بأن هذا النوع من الاستجابة المناعية الذاتية هو المحرك لأمراض عصبية أخرى مثل التصلب المتعدد، ولذلك فمن المعقول أن يؤدي دورًا أيضًا في مرض باركنسون. وفي كلا المرضين، قد تكون التغيرات في ميكروبيوم الأمعاء هي المحفز المحتمل.

وهناك بالفعل أدلة قوية تدعم هذه الفكرة. ففي عام 2016، اكتشف سامبسون صلة مباشرة بين ميكروبات الأمعاء ومرض باركنسون. إذ استخدم عينات من براز مرضى باركنسون، وأدخلها إلى أمعاء فئران خالية من الجراثيم، وهي حيوانات لا تمتلك ميكروبيومًا طبيعيًا، وسرعان ما ظهرت على هذه الحيوانات أعراض مرض باركنسون. واليوم، وباستخدام المسح الجيني الجديد لميكروبات الأمعاء الذي نشره هو وزملاؤه في دورية Nature Communications، يركز سامبسون على عدد قليل من عائلات الميكروبات، ويستخدم أساليب مماثلة للكشف عن الأنواع المحددة المسؤولة عن هذه الآثار.

لكن نهج سامبسون ينطوي على بعض التحفظات. فمرض باركنسون قد يكون مرتبطًا في نهاية المطاف بتفاعل عدة أنواع من البكتيريا بطرق معقدة، ولذلك من غير المرجح أن يكون هناك عامل واحد حاسم يمكن تحميله المسؤولية وحده. كما أنه ليس واضحًا تمامًا ما إذا كانت التغيرات في الميكروبيوم هي السبب الجذري للمرض، أم أنها تعمل فقط على تسريع الضرر الذي يحدث بالفعل في الدماغ. وتعقيد الميكروبيوم مذهل: فهناك مئات الأنواع المختلفة من البكتيريا المشاركة فيه، وكل منها ينتج عددًا هائلًا من الجزيئات التي تؤثر في عملية الهضم والجهاز المناعي وغيرها من وظائف الجسم المهمة. وسيكون فرز كل هذه المكونات وتحديد كيفية تغيرها في مواجهة المرض خطوة مهمة تالية.

وهكذا، وعلى الرغم من أن الروابط بين الميكروبيوم ومرض باركنسون تبدو مثيرة للاهتمام إلى حد كبير، فقد تمر عقود قبل أن يتمكن المصابون بهذا الاضطراب من الاستفادة من أي فوائد ملموسة. كما يحذر كثير من الباحثين الذين يدرسون هذه الروابط، ومن بينهم ماير، المرضى من الانجراف وراء الادعاءات الشاملة بشأن الأدوية أو المكملات الغذائية أو حتى عمليات زرع البراز، التي تعني إدخال ميكروبات من شخص آخر سليم إلى الأمعاء، بهدف «علاج» مرض باركنسون من خلال تغيير الميكروبيوم.

ويقول ماير: «يكسب كثير من الناس أموالًا طائلة من بيع المكملات الغذائية للأفراد، وإخبارهم بأنها ستبطئ تراجع قدراتهم المعرفية أو تمنع الإصابة بمرض باركنسون». لكنه يضيف: «لا نعرف على وجه اليقين الأدوار السببية التي يؤديها الميكروبيوم. نحن نعرف ذلك من خلال الدراسات على الحيوانات، ولذلك لدينا أدلة غير مباشرة عليه، لكن كان من الصعب إثبات أن الميكروبات وبعض جزيئات الإشارة التي تنتجها تؤدي الدور السببي الرئيسي لدى البشر دون أدنى شك».

وإلى أن يتم التوصل إلى إجابات حاسمة، سيواصل باحثون مثل ماير تفكيك هذه المشكلة تدريجيًا، ميكروبًا بعد ميكروب.

المصدر

مقالات ذات صلة