يشير تغيّر المناخ إلى التحولات طويلة الأمد في درجات الحرارة وأنماط الطقس. وقد تكون هذه التحولات طبيعية، نتيجة تغيرات في نشاط الشمس أو ثورات بركانية كبيرة. لكن منذ القرن التاسع عشر، أصبحت الأنشطة البشرية المحرك الرئيسي لتغيّر المناخ، ويرجع ذلك أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط والغاز.
يؤدي حرق الوقود الأحفوري إلى انبعاث غازات الدفيئة، التي تعمل كغطاء يلتف حول الأرض، فيحتجز حرارة الشمس ويؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة.
ومن أبرز غازات الدفيئة المسببة لتغيّر المناخ ثاني أكسيد الكربون والميثان. وينتج هذان الغازان، على سبيل المثال، عن استخدام البنزين في قيادة السيارات أو الفحم لتدفئة المباني. كما يمكن أن يؤدي تطهير الأراضي وقطع الغابات إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون. وتعد الزراعة وعمليات استخراج وإنتاج النفط والغاز من المصادر الرئيسية لانبعاثات الميثان. وتأتي قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والمباني والزراعة واستخدام الأراضي ضمن أهم القطاعات المسببة لانبعاثات غازات الدفيئة.
البشر مسؤولون عن الاحترار العالمي
أثبت علماء المناخ أن الأنشطة البشرية مسؤولة عن جميع أشكال الاحترار العالمي تقريباً خلال المئتي عام الماضية. فالأنشطة البشرية، مثل تلك المذكورة سابقاً، تؤدي إلى انبعاث غازات الدفيئة التي تتسبب في ارتفاع حرارة العالم بوتيرة أسرع من أي وقت مضى خلال ما لا يقل عن ألفي عام.
ويبلغ متوسط درجة حرارة سطح الأرض حالياً نحو 1.44 درجة مئوية أعلى مما كان عليه في أواخر القرن التاسع عشر، أي قبل الثورة الصناعية، كما أن درجات الحرارة الحالية أعلى مما كانت عليه في أي وقت خلال آخر 100 ألف عام. وكان العقد الممتد من عام 2015 إلى عام 2024 الأكثر حرارة على الإطلاق منذ بدء تسجيل درجات الحرارة، كما أن كل عقد من العقود الأربعة الماضية كان أكثر دفئاً من أي عقد سبقه منذ عام 1850.
يعتقد كثير من الناس أن تغيّر المناخ يعني أساساً ارتفاع درجات الحرارة، لكن ارتفاع الحرارة ليس سوى بداية القصة. فالأرض نظام مترابط، وكل شيء فيها متصل، وبالتالي فإن التغيرات التي تحدث في منطقة ما يمكن أن تؤثر في مناطق أخرى.
وتشمل عواقب تغيّر المناخ، من بين أمور أخرى، حالات الجفاف الشديدة، وندرة المياه، والحرائق الخطيرة، وارتفاع مستويات سطح البحر، والفيضانات، وذوبان الجليد القطبي، والعواصف الكارثية، وتراجع التنوع البيولوجي.
يواجه الناس آثار تغيّر المناخ بطرق مختلفة
يمكن لتغيّر المناخ أن يؤثر في صحتنا، وقدرتنا على إنتاج الغذاء، ومساكننا، وسلامتنا، وأعمالنا. وبعض الفئات أكثر عرضة بالفعل لتأثيرات المناخ من غيرها، مثل الأشخاص الذين يعيشون في الدول الجزرية الصغيرة وغيرها من البلدان النامية.
وقد بلغت آثار مثل ارتفاع مستوى سطح البحر وتغلغل المياه المالحة إلى اليابسة حداً اضطرت معه مجتمعات بأكملها إلى الانتقال من مناطقها، في حين تؤدي حالات الجفاف الممتدة إلى تعريض السكان لخطر المجاعة. ومن المتوقع أن يرتفع مستقبلاً عدد الأشخاص الذين يضطرون إلى النزوح بسبب الظواهر المرتبطة بالطقس.
كل زيادة في الاحترار العالمي لها أهميتها
اتفق آلاف العلماء والمراجعين الحكوميين، من خلال سلسلة من تقارير الأمم المتحدة، على أن الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية بحيث لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية من شأنه أن يساعدنا على تجنب أسوأ آثار تغيّر المناخ والحفاظ على مناخ صالح للعيش.
ومع ذلك، تشير السياسات المطبقة حالياً إلى احتمال وصول الاحترار العالمي إلى 2.8 درجة مئوية بحلول نهاية القرن.
تأتي الانبعاثات المسببة لتغيّر المناخ من جميع أنحاء العالم وتؤثر في الجميع، لكن بعض الدول تنتج كميات أكبر بكثير من غيرها. وتساهم أكبر ست جهات مسببة للانبعاثات، وهي الصين والولايات المتحدة الأمريكية والهند والاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي وإندونيسيا، مجتمعة بأكثر من نصف إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة العالمية.
وفي المقابل، لا تساهم الدول الـ45 الأقل نمواً سوى بنحو 3 في المائة من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة على مستوى العالم.
وعلى الجميع اتخاذ إجراءات لمواجهة تغيّر المناخ، لكن الأشخاص والدول الذين يساهمون بنسبة أكبر في المشكلة تقع عليهم مسؤولية أكبر للتحرك أولاً.
نواجه تحدياً هائلاً، لكننا نعرف بالفعل العديد من الحلول
يمكن للعديد من الحلول المتعلقة بتغيّر المناخ أن تحقق فوائد اقتصادية، وفي الوقت نفسه تحسن حياتنا وتحمي البيئة. كما تتوفر لدينا أطر واتفاقيات عالمية لتوجيه التقدم في هذا المجال، مثل أهداف التنمية المستدامة، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، واتفاق باريس.
وتنقسم إجراءات مواجهة تغيّر المناخ إلى ثلاث فئات رئيسية: خفض الانبعاثات، والتكيف مع آثار تغيّر المناخ، وتمويل التعديلات والإجراءات المطلوبة.
يسهم تحويل أنظمة الطاقة من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، في خفض الانبعاثات المسببة لتغيّر المناخ. لكن علينا التحرك الآن.
وفي حين يلتزم عدد متزايد من الدول بتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050، يجب خفض الانبعاثات إلى النصف بحلول عام 2030 للحفاظ على الاحترار العالمي دون مستوى 1.5 درجة مئوية.
ويتطلب تحقيق ذلك انخفاضاً كبيراً في استخدام الفحم والنفط والغاز، إذ ينبغي خفض إنتاج واستهلاك جميع أنواع الوقود الأحفوري بنسبة لا تقل عن 30 في المائة بحلول عام 2030 لتجنب وصول تغيّر المناخ إلى مستويات كارثية.
ويساعد التكيف مع آثار تغيّر المناخ على حماية الناس والمنازل والشركات وسبل العيش والبنية التحتية والنظم البيئية الطبيعية. ويشمل ذلك التعامل مع التأثيرات الحالية، وكذلك تلك التي يُحتمل حدوثها في المستقبل.
وسيكون التكيف ضرورياً في كل مكان، لكن يجب إعطاء الأولوية منذ الآن للفئات الأكثر ضعفاً والتي تمتلك أقل قدر من الموارد التي تساعدها على مواجهة المخاطر المناخية.
وقد يكون العائد من الاستثمار في التكيف مرتفعاً للغاية. فعلى سبيل المثال، تساهم أنظمة الإنذار المبكر بالكوارث في إنقاذ الأرواح والممتلكات، ويمكن أن تحقق فوائد تصل قيمتها إلى عشرة أضعاف التكلفة الأولية للاستثمار فيها.
يمكننا دفع التكلفة الآن، أو دفع ثمن باهظ في المستقبل
يتطلب العمل المناخي استثمارات مالية كبيرة من الحكومات والشركات، إلا أن تكلفة عدم اتخاذ أي إجراء لمواجهة تغيّر المناخ ستكون أكبر بكثير.
ومن الخطوات الحاسمة في هذا المجال أن تدعم الدول المتقدمة الدول النامية حتى تتمكن من التكيف مع آثار تغيّر المناخ والانتقال نحو اقتصادات أكثر مراعاة للبيئة.
