القائمة الرئيسية

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة القرارات التي يتعين على القادة اتخاذها

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة القرارات التي يتعين على القادة اتخاذها
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف لم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على مساعدة القادة في اتخاذ القرارات، بل أصبح يؤثر في طريقة صياغة المشكلات والخيارات قبل اتخاذ القرار نفسه، محذّرة من مخاطر تضييق التفكير وتشابه الرؤى بين المؤسسات. كما تبرز الدور الحاسم للقيادة في الحفاظ على التنوع الاستراتيجي، وطرح الأسئلة الصحيحة، ومنع الذكاء الاصطناعي من تحديد إطار التفكير بشكل كامل.

  • في عام 2025، استخدمت 88% من المؤسسات الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل من وظائف الأعمال، وأصبح الذكاء الاصطناعي ينتقل بشكل متزايد إلى المراحل المبكرة من التفكير الذي يسبق اتخاذ القرارات.
  • يُعد ضغط الأطر وتقاربها خطرين متلازمين: فالذكاء الاصطناعي يضيّق نطاق التفكير داخل المؤسسات، بينما يؤدي استخدام نماذج مشتركة إلى خلق نقاط عمياء متشابهة فيما بينها.
  • تكمن الضرورة الاستراتيجية في وجود القادة المناسبين الذين يشاركون بفاعلية في تشكيل إطار التفكير قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في تضييق نطاق الاحتمالات.

قبل أكثر من 50 عاماً، قال بابلو بيكاسو إن «أجهزة الكمبيوتر عديمة الفائدة، فهي لا تستطيع سوى إعطائك الإجابات». وكانت كلماته الشهيرة تعكس عالماً يتولى فيه البشر تحديد المشكلات وصياغتها، بينما تقتصر مهمة أجهزة الكمبيوتر على حلها. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ اليوم في طمس الحدود بين هذين الدورين.

لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي يقتصر على الإجابات التي يولدها، بل أصبح يشمل أيضاً الأطر التي تنشأ منها تلك الإجابات. فالأطر توجه انتباه المؤسسات، وتحدد الاحتمالات التي تصبح مرئية وتلك التي تظل خارج نطاق الرؤية. وفي هذا السياق، أصبح تميّز القادة يعتمد بقدر متزايد على الأطر التي يصوغونها بقدر اعتماده على القرارات التي يتخذونها بمساعدة الذكاء الاصطناعي. فكثير من أعظم أشكال القيمة الاستراتيجية ينبع من القدرة على اكتشاف احتمالات لم يتخيلها الآخرون من قبل.

ينبع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي في معظم المؤسسات من عرض قيمة بسيط: الكفاءة. وقد تبنت المؤسسات هذا المنطق بسرعة لافتة. ففي عام 2025، استخدمت 88% من المؤسسات الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل من وظائف الأعمال، مقارنة بـ55% في عام 2023. كما ارتفع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي من 33% إلى 71% خلال عام واحد فقط.

لكن أكبر مكاسب الكفاءة نادراً ما تتحقق في اللحظة التي يُتخذ فيها القرار نفسه. بل تظهر في مراحل أبكر بكثير، ضمن العمل الذهني المتعلق بجمع المعلومات، وتطوير الرؤى، وتحديد الفرص. ومع تزايد اعتماد هذه الأنشطة على الذكاء الاصطناعي، فإنه ينتقل تدريجياً إلى المراحل التي تسبق عملية اتخاذ القرار.

ولا يكمن الخطر الاستراتيجي في تحديد من يتخذ القرار النهائي، وإنما في معرفة من يشكّل التفكير الذي يسبقه. فقد تستمر المؤسسات في اتخاذ قراراتها بنفسها، بينما تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي في تعريف المشكلة، وتضييق نطاق الاحتمالات المعقولة، والتأثير في الأسئلة التي يتم طرحها من الأساس.

ضغط الأطر وتقاربها: مخاطر السماح للذكاء الاصطناعي بتوجيه قراراتك

لنتخيل شركة تستعد لدخول سوق جديدة. يستخدم فريق الاستراتيجية الذكاء الاصطناعي لتحليل الاتجاهات والمنافسين والقدرات الداخلية وطلب العملاء. وفي غضون دقائق، يحدد الذكاء الاصطناعي الفرص الواعدة، ويلخص الأدلة ذات الصلة، ويسلط الضوء على عدد محدود من الاتجاهات الاستراتيجية.

وعندما يجتمع فريق القيادة بعد ذلك، لا يعود النقاش متمحوراً حول تعريف الفرصة نفسها، وإنما حول تقييم الاحتمالات التي جرى تحديدها بالفعل. ويؤدي هذا الدور المبكر للذكاء الاصطناعي إلى ظهور ديناميكيتين مختلفتين ولكنهما تعزز إحداهما الأخرى: ضغط الأطر وتقارب الأطر. فضغط الأطر يقلل من مساحة الاستكشاف داخل المؤسسات، بينما يقلل تقارب الأطر من التنوع بين المؤسسات المختلفة.

يحدث ضغط الأطر داخل المؤسسة نفسها. ففي السابق، كانت الشركات تطور أطر التفكير من خلال نقاشات وتحليلات ومداولات متكررة. أما الذكاء الاصطناعي، فيضغط هذه العملية لتتم خلال دقائق، وهو ما لا يغير سرعة اتخاذ القرار فحسب، بل يغير أيضاً اقتصاديات عملية المداولة نفسها.

فمن خلال جعل توليد أطر متماسكة أمراً شبه خالٍ من التكلفة، في الوقت الذي تظل فيه عملية التقييم النقدي لهذه الأطر مرهقة وتتطلب جهداً كبيراً، يغيّر الذكاء الاصطناعي هيكل الحوافز الذي يحكم النقاش واتخاذ القرار.

ونتيجة لذلك، يصبح لدى المؤسسات حافز أقل للتشكيك في الافتراضات التي تقوم عليها تلك الأطر أو لاستكشاف بدائل أخرى. وبمجرد ظهور إطار يبدو معقولاً، قد يبدأ النظر إلى التفسيرات المنافسة باعتبارها سبباً غير ضروري للتأخير بدلاً من كونها فرصة قيّمة للاستقصاء.

أما تقارب الأطر، فيظهر بين المؤسسات العديدة التي تستخدم نماذج أساسية وأساليب متشابهة لمعالجة البيانات. وغالباً ما يتركز الاهتمام على ما إذا كانت المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي تمتلك بيانات مختلفة.

لكن التنوع الاستراتيجي لا يعتمد على البيانات وحدها، بل يعتمد أيضاً على الهياكل التفسيرية المستخدمة لتنظيم تلك البيانات وفهمها. وحتى عندما تختلف مجموعات البيانات، فإن معالجتها من خلال منطق متشابه في صياغة الأطر قد يؤدي إلى افتراضات شديدة التشابه.

ويتمثل الخطر هنا في أن تطور المؤسسات نقاطاً عمياء متشابهة. وعندها تصبح الأخطاء مترابطة بدلاً من أن تكون مستقلة عن بعضها البعض، ما يجعل قطاعات بأكملها أكثر عرضة للصدمات.

أما الحل الشائع في حوكمة الذكاء الاصطناعي والمتمثل في «إبقاء الإنسان ضمن دائرة القرار»، فهو أقل طمأنة مما قد يبدو عليه.

فالسؤال الأهم ليس ما إذا كان البشر يراجعون مخرجات الذكاء الاصطناعي، وإنما ما إذا كانوا لا يزالون يؤثرون في الطريقة التي تتم بها صياغة المشكلة قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في توليد الإجابات.

فقد يظل البشر موجودين ضمن دائرة الموافقة على القرارات، بينما يختفون تدريجياً من دائرة صياغة المشكلة نفسها. ويمكن لشخص ما أن يختبر بدقة ثلاثة احتمالات مختلفة، من دون أن يتساءل مطلقاً عما إذا كانت هذه الاحتمالات الثلاثة هي الخيارات الصحيحة التي ينبغي التفكير فيها من الأساس.

وهكذا، فإن ما يبدو وكأنه رقابة بشرية قد لا يتجاوز في الواقع مجرد الاختيار من قائمة خيارات تم تحديدها مسبقاً.

كما أن تحسين طريقة كتابة الأوامر الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي لا يحل هذه المشكلة من جذورها. فالأوامر تساعد على تحسين عملية البحث داخل إطار محدد، لكنها نادراً ما تشكك في ما إذا كان الإطار نفسه مناسباً.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يستطيع توليد العديد من البدائل ضمن إطار محدد، فإنه أقل موثوقية عندما يتعلق الأمر بكشف الافتراضات التي تحدد ذلك الإطار.

وحتى إذا أصبحت النماذج المستقبلية قادرة على اقتراح أطر مختلفة بالفعل، فقد تستمر المؤسسات في تفضيل كفاءة أول إطار يبدو معقولاً على الجهد المطلوب لاستكشاف أطر بديلة.

كيف يمكن للقادة التأكد من أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه الصحيح

لا تعالج الرقابة البشرية ولا تحسين الأوامر الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي المشكلة الأساسية، وهي: من الذي يحدد الإطار قبل أن يقوم الذكاء الاصطناعي بذلك؟

وتظل هذه المسؤولية في جوهرها مسؤولية قيادية. فالإسهام المميز للقيادة أصبح يتمثل بشكل متزايد في صياغة الإطار نفسه.

ولا يتعلق الأمر فقط باختيار الصورة، وإنما أيضاً بتحديد ما يدخل داخلها، وما يبقى خارجها، والمعنى الذي تستخلصه المؤسسة منها.

ومن الناحية العملية، يعني ذلك خلق الظروف التي تسمح بظهور أطر بديلة قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في تضييق مجال الاحتمالات.

ولهذا، تحتاج فرق القيادة إلى توفير الظروف التي تسمح بصياغة استراتيجية قوية ومتينة للمشكلات والفرص.

وتبدأ هذه الظروف بالتشكيك في المشكلة نفسها قبل البحث عن الإجابات، وتخصيص الوقت لاستكشاف أطر بديلة، وتشجيع التحدي الحقيقي للأفكار والافتراضات، ومقاومة التوصل إلى استنتاجات مبكرة من خلال التعامل مع أول إطار يبدو معقولاً باعتباره فرضية قابلة للاختبار، وليس استنتاجاً نهائياً.

وفي نهاية المطاف، لا تتعلق المسألة بالأداء وحده، بل أيضاً بسيادة المؤسسة على قراراتها وتوجهاتها.

فالمؤسسات التي تفقد السيطرة على كيفية صياغة أطرها الفكرية تفقد تدريجياً قدرتها على تحديد أجندتها الاستراتيجية بنفسها، ولا يملك القدرة على منع حدوث ذلك سوى القادة الموجودين في قمة المؤسسة.

المصدر

مقالات ذات صلة