- تقدم هذه الجولة الدورية أهم الأخبار والتحديثات المتعلقة بسوق العمل.
- أبرز الموضوعات: الذكاء الاصطناعي يجعل إعداد طلبات التوظيف أسهل، لكنه يجعل التمييز بين المرشحين أكثر صعوبة؛ والتوصيات الشخصية تعود كوسيلة تساعد أصحاب العمل على تحديد المرشحين المناسبين؛ كما يواجه الشباب مسارًا أكثر ضيقًا نحو سوق العمل مع ازدياد متطلبات الوظائف المبتدئة.
"اكتب لي سيرة ذاتية لوظيفة تسويق للمبتدئين. اجعلها واثقة ولكن ودودة. أبرز قدرتي على التكيف ومهاراتي في التواصل وقدرتي على العمل في بيئة سريعة الوتيرة. اجعلها مختصرة، واستخدم لغة نشطة، وخصصها بما يتناسب مع الوصف الوظيفي."
في غضون ثوانٍ، يظهر طلب توظيف مصقول وجاهز.
لكن ماذا يحدث عندما يستخدم آلاف المرشحين في عملية التوظيف نفسها هذا الطلب أو تعليمات مشابهة تمامًا؟
مع تمكين الذكاء الاصطناعي التوليدي للمرشحين من إعداد طلبات توظيف مخصصة خلال دقائق، يجد مسؤولو التوظيف أنفسهم أمام سباق متسارع في تقديم الطلبات، يستخدم فيه الطرفان الذكاء الاصطناعي.
وقد تكون النتيجة تحولًا غير متوقع في أساليب التوظيف، يتمثل في عودة الاعتماد على قوة التوصيات الشخصية. فكلما أصبح من الصعب التمييز بين طلبات التوظيف، قد يصبح من تعرفه أكثر أهمية من مدى براعتك في استخدام الأوامر الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي.
عندما تبدو جميع طلبات التوظيف متشابهة
لا تمثل طلبات التوظيف التي يتم إعدادها باستخدام الذكاء الاصطناعي مشكلة في حد ذاتها بالضرورة.
ففي عام 2024، كان مسؤولو التوظيف يشجعون المرشحين فعليًا على استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز فرصهم في اجتياز عملية الفرز. وفي ذلك الوقت، كانت نحو 90% من الشركات تستخدم شكلًا من أشكال الذكاء الاصطناعي في عمليات التوظيف.
لكن الانتشار الواسع للأدوات المتشابهة أدى إلى ظهور مشكلة جديدة تتمثل في زيادة هائلة في عدد الطلبات.
وتظهر بيانات حديثة أن المرشحين في المملكة المتحدة وأيرلندا وألمانيا يقدمون ما يقرب من ثلاثة أضعاف عدد طلبات التوظيف لكل وظيفة مقارنة بعام 2021، بينما أفاد 78% منهم بأنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتخصيص طلباتهم.
وبالنسبة لمسؤولي التوظيف، فإن طبيعة عملهم تتغير. فلم تعد مهمتهم تقتصر على العثور على مرشحين يمتلكون المؤهلات المناسبة، بل أصبحت تشمل أيضًا تحديد المؤشرات التي لا تزال ذات قيمة عندما أصبح الجميع قادرين على استخدام الأدوات نفسها.
ومع امتلاء صناديق البريد بطلبات وسير ذاتية وخطابات تقديم يصعب التمييز بينها بشكل متزايد، يمكن أن تقدم التوصيات الشخصية شيئًا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تقديمه: شهادة ثقة من شخص يعرف المرشح بالفعل.
هل تعود التوصيات الشخصية إلى الواجهة؟
مع خفض الذكاء الاصطناعي للحواجز التي تعترض تقديم طلبات التوظيف، قد تصبح قيمة الطلب نفسه أقل أهمية.
فالسيرة الذاتية تستطيع أن توضح ما يقول المرشح إنه قادر على القيام به، لكن التوصية الشخصية تقدم نوعًا مختلفًا من الإشارات. وتكمن قيمة خطاب التوصية في أن شخصًا آخر كان مستعدًا بالفعل لتقديم هذه التوصية نيابة عن المرشح.
كما يمكن للتوصيات أن تقلل الوقت والتكلفة المرتبطين بعملية التوظيف. وتشير الأبحاث إلى أن الموظفين الذين يتم تعيينهم عبر التوصيات غالبًا ما يحققون نتائج وظيفية أفضل، بما في ذلك انخفاض معدل ترك العمل، وارتفاع الإنتاجية، أو تحسن معدلات الاحتفاظ بالموظفين.
ويظهر هذا الضغط بصورة واضحة بشكل خاص بين العاملين في بداية مسيرتهم المهنية، إذ وصل الأمر ببعض الخريجين الجدد والمهنيين الشباب إلى عرض راتب شهرهم الأول مقابل الحصول على توصية تؤدي إلى تعيينهم في وظيفة.
مخاطر اتساع عدم المساواة
قد تجعل التكنولوجيا عملية تقديم طلبات التوظيف أسهل، من دون أن تجعل فرص النظر الجدي في تلك الطلبات أفضل. وبهذا المعنى، قد ينقل الذكاء الاصطناعي مشكلة عدم المساواة من مكان إلى آخر بدلًا من القضاء عليها.
يمكن للتوصيات الشخصية أن تحسن عملية التوفيق بين أصحاب العمل والمرشحين، لكنها قد تساهم أيضًا في الحد من الحراك الاجتماعي وزيادة عدم المساواة وعدم الكفاءة عندما تدور فرص العمل بشكل أساسي داخل شبكات العلاقات الاجتماعية القائمة.
ويخلق ذلك توترًا جديدًا في سوق العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي. فبما أن الشبكات المهنية تتأثر بالطبقة الاجتماعية والجنس والموقع الجغرافي والتعليم والخلفية العائلية، فقد ينتقل التحيز ببساطة من عملية تقديم الطلبات إلى شبكات العلاقات المحيطة بها.
كما أن الذكاء الاصطناعي نفسه لا يقضي على التحيز. فقد يعيد إنتاج الأنماط الموجودة في البيانات التاريخية أو يجعل القرارات أكثر صعوبة بالنسبة للمرشحين من حيث الفهم والاعتراض عليها. وقد وجدت دراسة شملت أربعة ملايين طلب توظيف لنحو 1,700 وظيفة أن 26% من المتقدمين السود و15% من المتقدمين الآسيويين تقدموا لوظائف استخدمت فيها إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي واسعة الانتشار بطريقة أظهرت تمييزًا ضد مجموعاتهم العرقية.
ولكن إذا أصبحت شبكات العلاقات الوسيلة الأكثر فاعلية لتجاوز الضوضاء الناتجة عن كثرة الطلبات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، فقد تصبح فرص الوصول إلى الوظائف مرتبطة بصورة متزايدة بشبكات العلاقات التي يمتلكها الأشخاص مسبقًا.
ومن ثم، لا يكمن التحدي في الاختيار بين التكنولوجيا والحكم البشري، بل في إيجاد التوازن المناسب بينهما. وقد أظهرت أبحاث حديثة قارنت بين البحث اليدوي الذي يجريه مسؤولو التوظيف، والمطابقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، والمنهج الهجين، أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وحده أدى إلى قوائم مرشحين أقل إنصافًا من حيث النوع الاجتماعي مقارنة بالتوظيف البشري، بينما حقق النهج الهجين النتائج الأكثر إنصافًا.
إذن، لا يتعلق الأمر بعودة التوظيف بالكامل إلى الحكم البشري، بل باستخدام أصحاب العمل للأتمتة إلى جانب رقابة بشرية حقيقية وذات مغزى، بما يساعدهم على الوصول إلى المرشحين خارج نطاق شبكات العلاقات القائمة.
ضغط أوسع على وظائف المبتدئين
يتزامن سباق التنافس في تقديم طلبات التوظيف مع ضغوط أوسع تواجه المسارات المؤدية إلى دخول سوق العمل.
فالوظائف المخصصة للمبتدئين أصبحت أكثر تطلبًا. إذ يتوقع أصحاب العمل بصورة متزايدة أن يصل الموظفون الجدد وهم يمتلكون خبرات كان من المفترض في السابق أن توفرها لهم الوظيفة نفسها.
وتشير البيانات إلى أن الوظائف المبتدئة الأكثر تعرضًا لتأثير الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة أصبحت أكثر احتمالًا بسبع مرات لأن تتطلب مهارات كانت ترتبط تقليديًا بالمناصب الأكثر خبرة.
والنتيجة هي ما يمكن تسميته بـ"رفع مستوى الأقدمية" في وظائف المبتدئين، حيث أصبحت الوظائف التي كانت في السابق تمثل نقطة انطلاق لبناء المسار المهني تطالب المرشحين بامتلاك خبرة أكبر منذ البداية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الشركات أكثر انتقائية بشأن توظيف العاملين في المناصب المبتدئة. وتشير استطلاعات حديثة إلى أن 43% من الرؤساء التنفيذيين يخططون لتقليل أولوية توظيف العاملين في المناصب المبتدئة خلال العام المقبل، مقارنة بـ17% فقط في العام السابق.
وقد يضيف العمل عن بُعد حاجزًا آخر. فالأدوار التي تعتمد كليًا أو إلى حد كبير على العمل عن بُعد قد تزيد من الاختناق الذي يواجهه الشباب في بداية مسيرتهم المهنية، بينما يشير المديرون إلى أن فرق العمل الموزعة جغرافيًا تجعل تدريب الموظفين قليلي الخبرة وتوجيههم مهنيًا أكثر صعوبة.
وفي وقت أصبح فيه الوصول إلى أولى درجات السلم المهني أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، يبقى السؤال الأساسي: هل ستفتح ممارسات التوظيف الجديدة الباب أمام مجموعة أوسع من المواهب، أم أنها ستكافئ ببساطة أولئك الذين يمتلكون بالفعل موطئ قدم داخل سوق العمل؟
