- تستحوذ ثلاث شركات مزودة للخدمات على نحو 88% من استخدام واجهات برمجة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في بيئات الإنتاج لدى الشركات الأمريكية، وهو مستوى من التركّز قد يمثل خطراً حقيقياً.
- يمكن للذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان أن يساعد في مواجهة ذلك، من خلال تحويل الذكاء الاصطناعي من خدمة مملوكة إلى بنية تحتية مشتركة.
- أصبح الاستثمار في القدرات المحلية للذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان بشكل متزايد مسألة مرتبطة بالسيادة الاقتصادية.
يركز النقاش الأكثر صخباً في مجال الذكاء الاصطناعي على من يبني النموذج الأكثر قدرة، لكن السؤال الأكثر أهمية على المدى الطويل هو: من سيسيطر على التكنولوجيا نفسها؟
هل سيصبح الذكاء الاصطناعي المتقدم أساساً مشتركاً يستطيع الاقتصاد العالمي بأكمله البناء عليه، أم سيصبح أصلاً استراتيجياً تمتلكه وتتحكم فيه جهات قليلة؟ ستتجاوز الإجابة عن هذا السؤال عمر أي إصدار منفرد من نماذج الذكاء الاصطناعي، وستحدد من يسيطر على الأساس الذي يبني عليه الآخرون، وكيف يتم تعريف المخاطر المرتبطة بقدرات الذكاء الاصطناعي واختبارها والسيطرة عليها.
سيعتمد مستقبل الذكاء الاصطناعي على ما إذا كان لدينا نظام مزدهر للنماذج المفتوحة.
ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي المغلق والذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان؟
تُبقي النماذج المغلقة أوزانها، وهي المعاملات الرقمية التي يتم تعديلها أثناء عملية التدريب، محجوبة عن المستخدمين، ولا يمكن الوصول إليها إلا من خلال الواجهات وبيئات التشغيل التي يتحكم فيها مزود النموذج. أما النموذج مفتوح الأوزان، فينشر هذه الأوزان، مما يسمح للمطورين والباحثين بتنزيل النموذج وفحصه وتكييفه.
ويتيح توفير الأوزان للمؤسسات امتلاك الذكاء الاصطناعي الذي تعتمد عليه، وتشغيله على أجهزتها الخاصة أو على بنيتها السحابية بحيث لا تغادر البيانات الحساسة نطاق سيطرتها، كما يسمح لها باختبار الادعاءات المتعلقة بالسلامة بشكل مستقل، وتحسين التكنولوجيا، والمنافسة دون الاعتماد على مزود واحد قد يغيّر شروط الوصول إلى خدماته.
ويشبه الفرق بين النماذج المغلقة والمفتوحة الفرق بين استئجار الوصول إلى الذكاء الاصطناعي وامتلاكه، ولهذا تكتسب الأوزان المفتوحة أهمية استراتيجية. فهي تحوّل الذكاء الاصطناعي من خدمة مملوكة إلى بنية تحتية مشتركة يستطيع الجميع البناء عليها دون الوقوع في الاعتماد الكامل على مزود واحد.
وكما تدعم الطرق وشبكات الكهرباء نطاقاً واسعاً من الأنشطة الاقتصادية، وتسمح البروتوكولات المفتوحة للإنترنت للشبكات والخدمات والتطبيقات المتنافسة بالعمل معاً، فإن إتاحة أوزان نموذج للعموم يمكن أن تجعله يؤدي دوراً مشابهاً، ليصبح أساساً مشتركاً تبني عليه جهات مستقلة حلولها الخاصة.
أربع مزايا استراتيجية للذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان
هناك أربع مزايا استراتيجية رئيسية:
الانتشار: تتيح الأوزان المفتوحة للمستشفيات والجامعات والمصانع والشركات الصغيرة الوصول إلى قدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى بناء نماذج من الصفر أو دفع أسعار مرتفعة. كما تستطيع هذه الجهات اختيار النماذج التي تناسب احتياجاتها وميزانياتها، وتشغيل نماذج أصغر محلياً لحماية البيانات الحساسة، مع استخدام الأنظمة الأكبر للمهام الأكثر تعقيداً. ويسهم ذلك في توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع في الاقتصاد.
المنافسة: تشير تقديرات Menlo Ventures إلى أن ثلاثة مزودين يستحوذون على نحو 88% من استخدام واجهات برمجة تطبيقات نماذج اللغة الكبيرة في بيئات الإنتاج لدى الشركات الأمريكية. ويمنح هذا المستوى من التركّز عدداً محدوداً من الشركات قدرة كبيرة على تحديد الأسعار وفرض الشروط والتحكم في وتيرة التغيير التي تؤثر في جميع الجهات التي تعتمد على خدماتها. ويحافظ الانفتاح على المنافسة في جميع طبقات المنظومة، بما في ذلك النماذج والرقائق والخدمات السحابية والتطبيقات.
المرونة: يؤدي التركّز إلى ارتفاع الأسعار ويجعل النظام بأكمله أكثر هشاشة. وينطبق هذا المبدأ على العديد من المجالات، بدءاً من مرض لفحة الذرة في الولايات المتحدة وصولاً إلى الانقطاع العالمي لخدمات تكنولوجيا المعلومات الذي تسبب فيه CrowdStrike عام 2024؛ إذ توضح الأنظمة التي تعتمد على مصدر واحد أو بنية موحدة كيف يمكن لثغرة واحدة أن تنتشر آثارها عبر النظام بأكمله. والأمر نفسه ينطبق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فقد يؤدي عيب واحد، أو تغيير في الأسعار، أو انقطاع للخدمة، أو إجراء تنظيمي، أو تحول في السياسات لدى عدد قليل من المختبرات المغلقة، إلى تداعيات تنتشر عبر الشركات المبنية على خدماتها.
السلامة القابلة للتحقق: تطلب المختبرات المغلقة من الجمهور أن يثق بادعاءاتها المتعلقة بالسلامة. فهي تصمم الاختبارات، وتقيم أعمالها بنفسها، ثم تنشر النتائج، في حين لا يستطيع معظم الباحثين المستقلين فحص الأوزان أو إعادة إجراء التقييمات. وقد يكون من الخطير حجب هذه الادعاءات عن التدقيق المستقل. فالسلامة التي لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة ليست سلامة فعلية، بل رهان. أما الأوزان المفتوحة فتحوّل هذا الرهان إلى شيء يستطيع العالم اختباره بنفسه.
يحمل الانفتاح مخاطر وفوائد في الوقت نفسه. فبمجرد نشر الأوزان، لا يمكن استعادتها أو سحبها. والطريقة الصحيحة لتقييم هذا القلق تتمثل في النظر إلى المخاطر الهامشية: أي عدم التساؤل فقط عما إذا كان من الممكن إساءة استخدام نموذج مفتوح من الناحية النظرية، بل عن مقدار القدرات الجديدة التي يضيفها إصدار هذا النموذج فعلياً.
ولا تزال مجالات سلامة الذكاء الاصطناعي وأمنه في مراحل مبكرة، مما يجعل التجارب الواسعة والتدقيق المستقل عاملين أساسيين لاكتشاف نقاط الضعف، واختبار وسائل الدفاع، وتسريع وتيرة التقدم.
لماذا قد يكون الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان المسار الأقل خطورة؟
لم يعد هذا النقاش نظرياً.
في يوليو 2026، خرجت نماذج تجريبية للقدرات السيبرانية تابعة لشركة OpenAI، المطورة لـChatGPT، من بيئة الاختبار الخاصة بها وتمكنت من اختراق البنية التحتية لمنصة Hugging Face المتخصصة في استضافة مستودعات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. وعندما بدأ فريق الاستجابة في Hugging Face بإعادة بناء تفاصيل الهجوم، رفضت نماذج مملوكة رائدة تحليل سجلات الاستغلال الأمني لأن أنظمة الحماية الخاصة بها اعتبرت أعمال التحليل الجنائي نوعاً من الاختراق الهجومي. وبدلاً من ذلك، اعتمدت Hugging Face على GLM-5.2، وهو نموذج صيني مفتوح الأوزان، للمساعدة في التصدي للهجوم.
وكشفت الحادثة عن عدم توازن مهم: فالمهاجمون المتطورون يمتلكون بالفعل إمكانية الوصول إلى قدرات الذكاء الاصطناعي، ومن غير المرجح أن تقيدهم الضوابط الوقائية التي تفرضها الخدمات التجارية، في حين قد يواجه المدافعون هذه القيود. ولذلك، فإن تقييد الوصول إلى النماذج القوية قد يؤدي إلى إضعاف الجهات التي تحاول حماية الأنظمة وتأمينها.
وتوفر الأوزان المفتوحة قدرات مماثلة للمدافعين والباحثين والمؤسسات المستقلة، مما يوزع القدرة على اكتشاف التهديدات والاستجابة لها بدلاً من تركيزها في أيدي عدد محدود من الجهات. والانفتاح لا يقضي على المخاطر، لكنه يوزع القدرة على إدارتها.
كما أن القضية تحمل أبعاداً جيوسياسية. فحتى منتصف عام 2026، كانت أبرز النماذج مفتوحة الأوزان صينية في الغالب، في الوقت الذي تضيق فيه الفجوة بينها وبين النماذج المغلقة، وتنتشر فيه قدرات الذكاء الاصطناعي القريبة من أحدث المستويات عالمياً بتكلفة أقل بكثير. وهذا يفتح الباب أمام تساؤلات محتملة بشأن الرقابة والسيطرة في وقت يشهد فيه العالم توترات متزايدة. ولذلك، ينبغي للاقتصادات التي تسعى إلى الحفاظ على صناعاتها التكنولوجية ودورها في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية أن تعطي الأولوية لتطوير نماذجها المحلية مفتوحة الأوزان من أجل تقليل الاعتماد على الخارج.
وفي يوليو 2026، جمعت رسالة مفتوحة بعنوان «الأوزان المفتوحة والريادة الأمريكية في الذكاء الاصطناعي» أكثر من مئتي توقيع خلال أسبوع واحد، من بينها شركات ومؤسسات مثل Reflection وNvidia وMicrosoft وMeta وHugging Face وIBM وDell وLinux Foundation، كما أضافت Google وOpenAI اسميهما إلى قائمة الموقعين.
وتتمثل الفكرة المشتركة في أن الأوزان المفتوحة توفر الأساس الأقوى للحفاظ على الذكاء الاصطناعي كقطاع تنافسي ومرن وقابل للتحقق وواسع الانتشار، مع إبقاء قدر أكبر من السيطرة في أيدي الجهات التي تبني حلولها اعتماداً عليه.
ويمكن أن تتخذ ملكية اقتصاد الذكاء الاصطناعي أشكالاً متعددة، بدءاً من البنية التحتية والخبرات وصولاً إلى المعادن النادرة. وتمثل النماذج مفتوحة الأوزان إحدى الوسائل التي تستطيع الاقتصادات في مختلف أنحاء العالم من خلالها تعزيز سيادتها وسلامتها وأمنها مع استمرار تطور هذه الصناعة.
