القائمة الرئيسية

العدالة الحرارية في المدن: كيف نحمي الجميع من مخاطر الحرارة؟

العدالة الحرارية في المدن: كيف نحمي الجميع من مخاطر الحرارة؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة مفهوم «العدالة الحرارية» باعتباره إطاراً جديداً لمساعدة المدن على مواجهة موجات الحر بطريقة أكثر إنصافاً واستدامة، موضحة أن التكييف والتشجير ومراكز التبريد قد تخفف الحرارة لكنها قد تنقل بعض المخاطر إلى فئات أخرى أو إلى البيئة والبنية التحتية. وتستعرض المقالة خمسة أسئلة أساسية تساعد المدن على تقييم من يستفيد من حلول التبريد، ومن يبقى عرضة للخطر، ومن يشارك في اتخاذ القرار، وكيف يمكن ضمان أن تكون الحماية من الحر فعالة وعادلة على المدى الطويل.

  • توسّع المدن استخدام أجهزة تكييف الهواء، والتشجير الحضري، وغيرها من وسائل التبريد مع تحوّل موجات الحر الشديد إلى تهديد متزايد للصحة العامة.
  • قد تؤدي تدخلات التبريد، من دون قصد، إلى نقل المخاطر المرتبطة بالحرارة من مجتمع أو مكان إلى آخر، أو إلى البنية التحتية والنظم البيئية والأجيال القادمة.
  • يساعد إطار «العدالة الحرارية» المدن على تقييم من يستفيد من التدخلات، ولماذا يظل بعض السكان أكثر عرضة للمخاطر، ومن يشارك في اتخاذ القرارات، وأين تنتقل هذه المخاطر.

تستجيب المدن لموجات الحر الشديد من خلال زراعة المزيد من الأشجار، وإنشاء مراكز للتبريد، وتحديث المباني السكنية، والتوسع في استخدام أجهزة تكييف الهواء. وهذه الإجراءات ضرورية، لكن مع زيادة الاستثمارات فيها، ينبغي للمدن أن تطرح سؤالاً أكثر صعوبة: هل يخفّض التدخل بالفعل من مخاطر الحرارة، أم أنه ينقل هذه المخاطر ببساطة إلى مكان آخر؟

ومن الصعب المبالغة في وصف حجم الحاجة الملحّة إلى التحرك. فقد أفادت منظمة الصحة العالمية بأن الحرارة تسببت في وفاة أكثر من 200 ألف شخص في الاتحاد الأوروبي والدول المرتبطة به خلال السنوات الأربع الماضية. وكان من الممكن تفادي معظم هذه الوفيات تقريباً من خلال تدابير تشمل توفير الظل في المناطق الحضرية، وإنشاء مراكز للتبريد، والوصول إلى كبار السن، وحماية العاملين في الهواء الطلق. ويتمثل التحدي في ضمان أن تحمي هذه الإجراءات الناس بصورة عادلة.

ففي اليوم الحار نفسه، قد تكون الحرارة مجرد مصدر إزعاج يمكن تحمله لشخص يعيش في منزل بارد ويتمتع بساعات عمل مرنة، بينما قد تتحول إلى حالة صحية طارئة بالنسبة إلى شخص يعيش في مسكن سيئ أو يؤدي عملاً بدنياً في الخارج. ولا تتحدد مخاطر الحرارة بالطقس وحده، بل تتأثر أيضاً بالسكن وظروف العمل والبنية التحتية والأماكن العامة.

لماذا لا يكون التبريد عادلاً بصورة تلقائية؟

غالباً ما يجري تقييم سياسات مواجهة الحرارة من خلال ما تحققه من نتائج ملموسة، مثل عدد الأشجار المزروعة، أو مراكز التبريد التي تم افتتاحها، أو المنازل التي خضعت للتحديث، أو مقدار الانخفاض في درجات الحرارة. وتُعد هذه المؤشرات مهمة، لكنها قد تخفي حقيقة من يستفيد من هذه الإجراءات ومن يتحمل تكلفتها.

يمكن لأجهزة تكييف الهواء أن تنقذ الأرواح داخل المباني، لكن القدرة على الاستفادة منها تعتمد على نوعية السكن، ومستوى الدخل، وموثوقية إمدادات الكهرباء. كما يؤدي الطلب المتزايد على التبريد أثناء موجات الحر الشديد إلى زيادة الضغط على شبكات الكهرباء. ففي عام 2024، سجل أكثر من 40 بلداً تمثل نحو 70% من الطلب العالمي على الكهرباء مستويات قياسية جديدة لذروة الطلب أثناء موجات الحر، بينما شهدت دول أخرى انقطاعات كبيرة في الكهرباء وبرامج لتقنينها. وهكذا، تحمي هذه التكنولوجيا الأشخاص القادرين على تحمّل تكلفتها وتوفير الكهرباء اللازمة لها، في حين يتم تصريف الحرارة الناتجة عنها إلى الخارج، ويتقاسم المجتمع بصورة أوسع الأعباء المرتبطة باستهلاك الطاقة.

أما التشجير الحضري فينطوي على نوع مختلف من المفاضلات. فالأشجار والحدائق يمكن أن تخفض التعرض للحرارة، لكن إنشاء مساحات خضراء جديدة قد يسهم أيضاً في ارتفاع قيمة العقارات وزيادة الضغوط التي تؤدي إلى نزوح السكان. وقد وجدت دراسة رصدية شملت 28 مدينة أوروبية وأمريكية شمالية أن إضافة مساحات خضراء عامة في فترات سابقة ارتبطت لاحقاً بظاهرة إحلال السكان الأكثر ثراءً محل السكان الأصليين في 17 مدينة خلال عقد واحد على الأقل. وفي المناخات الجافة، قد تتطلب النباتات أيضاً كميات كبيرة من المياه وصيانة طويلة الأجل قد لا توفر الميزانيات التمويل الكافي لها.

وهذه أمثلة على ما يُعرف بـ«الإزاحة الحرارية»، أي نقل المخاطر المرتبطة بالحرارة بين الأشخاص أو الأماكن أو البنى التحتية أو النظم البيئية أو الأجيال. وهذا لا يعني أن استخدام تكييف الهواء أو التشجير أمر غير مرغوب فيه، بل يعني أن التبريد المحلي وحده لا يكفي لقياس نجاح أي سياسة.

خمسة أسئلة ينبغي للمدن طرحها لتحقيق العدالة الحرارية

يتزايد الاهتمام بمفهوم العدالة الحرارية بسرعة تفوق وضوحه من الناحية النظرية. وفي تقييم حديث لاستخدام مصطلحي «العدالة الحرارية» و«عدالة الحرارة»، تبيّن أن عدد مرات ظهورهما سنوياً في الأدبيات العلمية ازداد ستة أضعاف خلال العامين الماضيين. ومع ذلك، استخدمت أكثر من 85% من الدراسات المصطلح من دون تعريفه، كما أن 63% من هذه الدراسات لم تشر إلى أي تعريف موجود مسبقاً.

وفي أغسطس، اقترح باحثون من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والمعهد الفدرالي السويسري لعلوم وتكنولوجيا المياه، ومؤسسات دولية أخرى إطاراً لمعالجة هذه الفجوة.

ويُعرّف البحث «العدالة الحرارية» بأنها تطبيق مبادئ العدالة البيئية على قضايا الحرارة. ويمكن ترجمة أبعادها الخمسة إلى خمسة أسئلة عملية ينبغي للمدن طرحها.

1. التوزيع: هل يتم تقاسم الأعباء والفوائد الحرارية بصورة عادلة؟

ينبغي للمدن أن تدرس أين يتم توفير وسائل التبريد، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يتحمل تكلفتها. هل تتركز الاستثمارات في المناطق التي تواجه أعلى مستويات من التعرض للحرارة والهشاشة؟ وهل يستفيد المستأجرون من تحديث المباني من دون أن يواجهوا زيادات غير محتملة في الإيجارات أو فواتير الطاقة؟ فتوفير الخدمات بالتساوي لا يعني بالضرورة توفير مستوى متساوٍ من الحماية.

2. الاعتراف: لماذا يتعرض بعض الأشخاص لمخاطر أكبر؟

لا تعتمد مخاطر الحرارة على مستوى التعرض وحده، بل تتأثر أيضاً بظروف السكن، والدخل، والحالة الصحية، والعمر، وظروف العمل، وإمكانية الوصول إلى وسائل التبريد. ولذلك، ينبغي للمدن أن تتعامل مع التبريد باعتباره جزءاً أساسياً من البنية التحتية العامة، على غرار خدمات الصرف الصحي أو مياه الشرب الآمنة، وأن تقرن الاستثمار بتدابير تمكّن السكان ذوي الدخل المنخفض من البقاء في مناطقهم والاستفادة من هذه التحسينات.

وتقدم فيينا مثالاً واعداً في هذا المجال. فقد وجد الباحثون عدم وجود علاقة منهجية بين تشجير الشوارع وظاهرة إحلال السكان الأكثر ثراءً محل السكان الأصليين خلال الفترة الممتدة بين عامي 1991 و2021، وحددوا انتشار الإسكان الاجتماعي، وتنظيم الإيجارات، وسياسات التشجير اللامركزية باعتبارها من العوامل المهمة التي ساعدت على الحد من خطر نزوح السكان.

3. القدرات: هل يستطيع الناس ممارسة حياتهم بأمان؟

ينبغي تقييم النتائج على مستوى الحياة اليومية، وليس فقط من خلال متوسط درجات الحرارة في الأحياء. هل يستطيع العاملون في الهواء الطلق الحصول على فترات راحة؟ وهل يمكن لكبار السن الوصول إلى أماكن باردة؟ وهل يستطيع المستأجرون النوم بأمان ليلاً؟ وهل يمكن للناس مواصلة التعلم، والتنقل، ورعاية الآخرين أثناء موجات الحر؟

فالنجاح يعني تمكين الأشخاص من أداء هذه الأنشطة الأساسية بأمان، وليس مجرد تحقيق انخفاض طفيف في متوسط درجات الحرارة.

4. المشاركة: من يتخذ القرارات؟

ينبغي التعامل مع السكان والعاملين ومقدمي الرعاية على أنهم شركاء في اتخاذ القرار، وليس فقط باعتبارهم فئات معرضة للمخاطر. فمعرفتهم المباشرة بالواقع يمكن أن تكشف عن عوائق لا تظهر في المؤشرات التقنية، مثل ساعات عمل مراكز التبريد التي لا تناسب العاملين بنظام المناوبات، أو مراكز التبريد التي يصعب الوصول إليها أو التي لا يشعر بعض السكان فيها بالأمان.

كما يمكن لأدوات المشاركة، مثل الألعاب التفاعلية المصممة لدراسة الخيارات والسياسات، أن تساعد السكان والباحثين وصناع القرار على استكشاف المفاضلات المختلفة وتحديد كيفية توزيع الموارد المحدودة.

5. العدالة البيئية: من يتحمل المخاطر التي يتم نقلها؟

ينبغي تقييم آثار استهلاك الطاقة والمياه، وتأثيرات السكن، ومتطلبات الصيانة، إلى جانب قياس الانخفاض المحلي في درجات الحرارة. فهل تعتمد الفوائد التي تتحقق في مكان معين على زيادة تصريف الحرارة في الهواء الطلق، أو على زيادة الطلب على الموارد، أو التسبب في أضرار بيئية، أو تحميل جهات أخرى أعباء الصيانة مستقبلاً؟

وينبغي للمدن أن تجمع بين أنظمة تبريد داخلية عالية الكفاءة، وتصميمات مبانٍ تعتمد على أساليب التبريد السلبي، ومصادر طاقة نظيفة وقادرة على الصمود، وبرامج دعم لضمان القدرة على تحمل التكاليف، واختيار أنواع نباتات ملائمة، إضافة إلى توفير تمويل مستدام لأعمال الصيانة على المدى الطويل.

ولا يتمثل الهدف في إنشاء مدينة أكثر برودة فحسب، بل في بناء مدينة يستطيع جميع سكانها العيش والعمل والتنقل فيها بأمان أثناء موجات الحر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استدامة الأنظمة والنظم البيئية التي تعتمد عليها عمليات التبريد.

إن أعداد الأشجار المزروعة، ومراكز التبريد المفتوحة، والانخفاضات المسجلة في درجات الحرارة توضح ما تم تنفيذه. أما العدالة الحرارية فتطرح أسئلة أعمق: هل نجحت هذه التدخلات بالفعل؟ ومن استفاد منها؟ وعلى حساب من؟ وإلى متى ستستمر فوائدها؟

المصدر

مقالات ذات صلة