تخيل أنك تقود سيارتك وفجأة يندفع شخص أمامك، فهل تنحرف بالسيارة حتى لو كان ذلك يعني اصطدامك بجدار؟ وماذا لو كان هذا الشخص طفلًا؟
وعندما تقدّم إقرارك الضريبي، هل تستفيد من أي ثغرة قانونية يمكنك العثور عليها؟
قريبًا جدًا، قد تبدأ أنظمة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ مثل هذه القرارات نيابةً عنا. فأكثر من نصف سكان العالم يستخدمون بالفعل روبوتات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي اليوم، ومن المرجح أن تصبح أنواع مختلفة من الذكاء الاصطناعي جزءًا من حياتنا في مجموعة متزايدة التنوع من السياقات والمنتجات.
يرى عالم الحاسوب إياد رحوان وفريقه في مركز البشر والآلات التابع لمعهد ماكس بلانك للتنمية البشرية في برلين أنه ينبغي لنا دراسة هذه القضايا قبل أن تظهر في الحياة الواقعية. وفي ما يسمونه «علم الخيال العلمي»، يدرس الفريق سيناريوهات مستقبلية من خلال النظر في كيفية تصرف الناس عند استخدام أنواع جديدة من الذكاء الاصطناعي، وسؤالهم عن الطريقة التي ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يتصرف بها في رأيهم.
ويؤكد الباحثون أن الهدف هو التنبؤ، بأكبر قدر ممكن من التفصيل والموضوعية، بكيفية تفاعل البشر والذكاء الاصطناعي في المستقبل، وليس تحديد الطريقة التي ينبغي للشركات والحكومات أن تتعامل بها مع هذه التضاريس شديدة التعقيد.
هل سنظل نعاني دائمًا من صعوبة الثقة بالذكاء الاصطناعي، أم أننا سنبدأ في تفضيله على العمل مع البشر؟ وهل سيجعلنا التفاعل مع الذكاء الاصطناعي نتصرف بطريقة أفضل أم أسوأ؟ ومن ينبغي أن يتحمل المسؤولية عندما تسوء الأمور؟
تناول رحوان وزملاؤه علم النفس الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في «المراجعة السنوية لعلم النفس» لعام 2024. وقد جرى تحرير هذا الحوار من أجل الطول والوضوح.
لماذا نحتاج إلى دراسة «علم النفس الأخلاقي للذكاء الاصطناعي»؟ أليس علم النفس الأخلاقي شيئًا بشريًا بامتياز؟
الإجابة المختصرة هي أننا نحتاج إلى علم النفس الأخلاقي للذكاء الاصطناعي للأسباب نفسها التي نحتاج فيها إلى علم النفس الأخلاقي للبشر. فنحن بحاجة إلى فهم ما الذي يدفع البشر إلى أن يكونوا أكثر أخلاقية أو أقل أخلاقية، من أجل تعزيز مجتمع أكثر أخلاقية وسلوك أكثر أخلاقية داخل مؤسساتنا. والآن، بعد أن أصبحت آلات الذكاء الاصطناعي تتفاعل بصورة متزايدة مع العالم، أعتقد أننا بحاجة إلى أن نفعل الشيء نفسه معها، لأنها ستتخذ قرارات تترتب عليها عواقب أخلاقية.
نحن بحاجة إلى فهم المبادئ الأخلاقية التي تتبعها، إن كانت تتبع أي مبادئ أصلًا، وإلى أي مدى ترجع هذه المبادئ إلى تدريبها، أو برمجتها، أو مجموعات البيانات التي زُوّدت بها، أو السياقات التي تعمل فيها.
هناك مشكلة شهيرة تُعرف باسم «معضلة كولينغريدج»، وتقول إننا عندما تكون التكنولوجيا لا تزال سهلة التغيير والتعديل، لا نمتلك معلومات كافية لمعرفة ما ينبغي فعله. ثم، عندما نمتلك في النهاية معلومات كافية، تكون التكنولوجيا قد ترسخت إلى درجة تجعل تغييرها بالغ الصعوبة.
لذلك أعتقد أن من المهم جدًا أن يبني العلم هذه القاعدة من الأدلة في وقت مبكر بما يكفي، ويفضل أن يكون ذلك قبل وقوع الأحداث، حتى نسرّع قدرتنا على الاستجابة لهذه التحديات الجديدة. تخيل لو أننا أجرينا تجربة علمية سليمة عام 2010 حول تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي في الأطفال، واكتشفنا في تلك الأيام المبكرة آثارها السلبية في التنشئة الاجتماعية أو الصحة النفسية. ربما كان ذلك سيكون أمرًا جيدًا.
قد تكون إحدى المشكلات أن هذه الأشياء غالبًا ما تكون هدفًا متحركًا. فقد تغيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا عما كانت عليه في بداياتها، وأنظمة الذكاء الاصطناعي تتغير بوتيرة أسرع بكثير.
أتفق معك. فالمنصات تتغير باستمرار. قد تحاول روبوتات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي اليوم أن تكون لطيفة ومهذبة ودقيقة، وأن تلتزم إلى حد ما بالصواب السياسي، لكن لا يوجد ما يضمن استمرار ذلك على المدى الطويل. وهي تتحرك بالفعل نحو تخصيص مفرط، بحيث يتصرف روبوت المحادثة لدى كل شخص بطريقة مختلفة.
فقد يؤكد الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، أي تحيزات أو نظريات مؤامرة يؤمن بها المستخدم أصلًا، من أجل إبقائه منخرطًا. وروبوتات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي شديدة الميل بالفعل إلى التملق، إذ توافقنا في توجهاتنا السياسية وتؤكد معتقداتنا السابقة وأحكامنا القيمية. وقد تفعل العكس أيضًا، فتدفع بصورة خفية نحو أجندات سياسية تضعها شركة الذكاء الاصطناعي وحلفاؤها السياسيون. وقد تقودنا الحوافز السياسية والمالية التي تؤثر في شركات الذكاء الاصطناعي إلى أماكن شديدة الغرابة، ولهذا أعتقد أن من المهم أن ندرس سلوك وكلاء الذكاء الاصطناعي وتأثيرهم الآن.
قد تحاول هذه الأنظمة أن تكون لطيفة، لكنها لأنها مدرّبة على بيانات أنتجها البشر، ربما تكون قد تبنت أيضًا الكثير من تحيزاتنا غير العادلة. ما الذي يمكن فعله حيال ذلك؟
نعلم أن هذه التحيزات موجودة لدى البشر، وهي تظهر في البيانات المتاحة على الإنترنت، سواء كانت صورًا أم نصوصًا. لذلك، عندما تتعلم الآلات من بياناتنا، فإنها تلتقط هذه التحيزات. وعندما تُدرّب على إنتاج بيانات مشابهة، فإنها ستعيد إنتاج تلك التحيزات أيضًا، سواء عند اتخاذ القرارات أو إنتاج النصوص أو الصور.
وأظهرت دراسة أجريت عام 2023 باستخدام ChatGPT 3 أن هذا قد يحدث أيضًا عندما تلخص روبوتات الذكاء الاصطناعي النصوص. فعندما يلخص البشر القصص، يميلون إلى حذف المعلومات التي لا تتوافق مع الصور النمطية الشائعة، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير النص باتجاه معلومات أكثر توافقًا مع الصور النمطية. ويحدث شيء مشابه مع الذكاء الاصطناعي. فإذا ذكر نص، على سبيل المثال، أن رجلًا يشغل منصبًا تنفيذيًا في شركة، وأنه في الوقت نفسه يقوم بمعظم الأعمال المنزلية، فمن المرجح أن يحذف نظام الذكاء الاصطناعي المعلومة الثانية إذا طُلب منه تلخيص النص، وبذلك يعزز الصورة النمطية.
والآن بعد أن عرفنا أن الذكاء الاصطناعي يفعل ذلك، يمكننا محاولة التغلب على المشكلة من خلال ضبط نموذج الذكاء الاصطناعي ضبطًا دقيقًا للقضاء على هذه الأنواع من التحيزات. وربما يكون ذلك أسهل مع الآلات منه مع البشر، من خلال تدريبها على بيانات جرى تنقيحها بعناية أكبر، أو من خلال التعلم بالتعزيز، حيث يتعلم الذكاء الاصطناعي اتخاذ قرارات أفضل من خلال التغذية الراجعة البشرية، بهدف الحد من الصور النمطية.
لكن هذا قد يخلق نوعًا جديدًا من المشكلات، يتمثل في أن التدريب يعكس تحيزات عدد قليل من الشركات الموجودة في بلد أو بلدين، في حين قد تُستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي التابعة لها في جميع المجالات، مثل اتخاذ القرارات، والموارد البشرية، والمجال القانوني، والتعليم، وغير ذلك.
لذلك أعتقد أننا بحاجة إلى قياس هذه التحيزات كميًا من خلال اختبار كل نموذج من هذه النماذج، بصرف النظر عن مصدره. ونحن بحاجة إلى تحليل علمي مستقل لمدى دقة أنظمة الذكاء الاصطناعي المختلفة، ومدى عنصريتها أو ميلها إلى التملق، وإلى مؤسسات موثوقة تشهد بأنها تتسم بهذه الخصائص أو تفتقر إليها.
وفي المجالات عالية المخاطر مثل الطب على الأقل، يتجه قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي في هذا الاتجاه. وبموجب هذا التشريع، يجب تقييم تطبيقات الذكاء الاصطناعي المصنفة على أنها «عالية المخاطر» بصورة مستقلة قبل طرحها في السوق. ويتعين على المطورين إثبات أن أنظمتهم دقيقة وآمنة وأنها خففت التحيزات التمييزية، على نحو يشبه إلى حد كبير ضرورة خضوع علاج طبي جديد لتجارب سريرية قبل أن يُسمح بوصفه للمرضى.
لكن من منظور علمي، كيف تحدد ما الذي يُعد تحيزًا؟
في أبحاثي الخاصة، أهتم كثيرًا بالتباين الثقافي في علم النفس الأخلاقي وتأثيره في الذكاء الاصطناعي. وفي وقت مبكر جدًا، في ما يمكن وصفه بالعصور ما قبل التاريخ لعام 2016، أي قبل عشرة أعوام، وهو ما يعادل قرنًا من الزمن في عالم الذكاء الاصطناعي، أطلقنا تجربة «الآلة الأخلاقية»، حيث طُلب من الناس عبر الإنترنت إبداء آرائهم بشأن الطريقة التي ينبغي لسيارة ذاتية القيادة مستقبلية أن تحل بها معضلة أخلاقية.
وببساطة، كان هناك حادث تصادم لا مفر منه، وعُرضت سيناريوهات يتعين فيها على الأشخاص اختيار سلامة من ينبغي للسيارة أن تعطيها الأولوية.
ترجمنا التجربة إلى 11 لغة، وانتشر الموقع انتشارًا واسعًا وأصبح استطلاعًا ضخمًا على نطاق عالمي.
حصلنا على عشرات الملايين من القرارات من أشخاص في أنحاء العالم، وهو ما منحنا صورة غنية جدًا عن أوجه الاتفاق جميعها، وكذلك عن الاختلافات الثقافية. وهناك اتفاقات واسعة وشبه عالمية. فالجميع تقريبًا يفضلون إنقاذ الأطفال على البالغين، والنساء على الرجال، والشخص الذي يعبر الشارع بصورة قانونية على الشخص الذي يعبره بصورة مخالفة، وغير ذلك. لكن كانت هناك اختلافات في قوة هذه التفضيلات النسبية، وهو ما يعني أن الطريقة التي يحل بها الناس هذه المعضلات تختلف بدرجة كبيرة بين الثقافات المختلفة.
فعلى سبيل المثال، رأى الناس في كل بلد على الإطلاق أن السيارة ينبغي أن تعطي الأولوية لسلامة الأطفال والأشخاص الأصغر سنًا على سلامة كبار السن. لكن شدة هذا التفضيل تفاوتت بدرجة كبيرة. ففي البلدان الغربية، التي تسجل مستويات مرتفعة من الفردانية، كان هذا التفضيل أقوى. أما في البلدان الشرقية، فقد أُعطيت حياة كبار السن قيمة أكبر.
واختلفت البلدان أيضًا في مدى إعطائها الأولوية للمشاة الذين يعبرون الشارع بصورة قانونية على أولئك الذين يعبرونه بصورة مخالفة. ففي البلدان التي تتمتع بسيادة قانون أقوى، وهي مقياس لمدى الالتزام بالقوانين والثقة بالحكومة، كان الناس أكثر استعدادًا للتضحية بالمشاة الذين يعبرون بصورة مخالفة من أجل إنقاذ المشاة الذين يعبرون بصورة قانونية.
وهذه المسألة لا تقتصر على القضايا المتعلقة بالسيارات ذاتية القيادة في المستقبل. فقد تكون أيضًا مشكلة بالنسبة إلى نماذج اللغة الكبيرة أو نماذج توليد الصور. فبعض الأشياء لها تفسيرات مختلفة في الثقافات المختلفة.
فعلى سبيل المثال، يوجد في الغرب توافق قوي على أننا نريد القضاء على الصور النمطية المتعلقة بالنوع الاجتماعي في الذكاء الاصطناعي. لكن هناك ثقافات أخرى يُنظر فيها إلى التقسيم التقليدي للعمل بين الجنسين باعتباره أمرًا مقبولًا أو جزءًا أساسيًا من تنظيم المجتمع.
لذلك نحن الآن ندخل إلى عالم السياسة، وإلى حروب الثقافة. وقد تقول: «أريد القضاء على كل التحيزات وكل الصور النمطية من هذه النماذج في جميع أنحاء العالم»، وربما يكون ذلك هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله، أليس كذلك؟ لكن من المهم أن ندرك أن هذا قرار يتخذه شخص ما. أما السؤال التقني فهو الجزء السهل.
إذن أنت لا تقول ما الذي ينبغي فعله، وإنما تقول فقط إن على صانعي السياسات أن يفكروا في الأمر.
هذا صحيح. يستطيع العلم أن يسلط الضوء على بعض هذه التوترات، لكنه بالطبع لا يستطيع حلها. فعلى سبيل المثال، إذا سألت الناس بصفتهم مواطنين عما ينبغي للسيارة أن تفعله، فسيقولون إنها ينبغي أن تقلل عدد الضحايا إلى أدنى حد، حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالشخص الموجود داخل السيارة. لكن إذا سألت الناس عن السيارة التي يفضلون ركوبها أو شراءها، فإنهم عادة سيفضلون السيارة التي دُرّبت على حمايتهم.
إذا تُركت البرمجة للشركات، فسوف تستجيب لمطالب المستهلكين، وستصنع سيارات تقلل من أولوية سلامة الآخرين. وهناك ديناميكيات مشابهة مع نماذج اللغة الكبيرة. فالشركات مدفوعة بتلبية طلبات المستهلكين. والسؤال هو: ما العواقب السلبية التي قد يترتب عليها ذلك بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يشترون المنتج، لكنهم قد يتأثرون مع ذلك بقراراته؟ فإذا كانت السيارة تحمي سائقها فقط، أو كانت خوارزمية التحسين لا تأخذ في الاعتبار سوى الفوائد التي تعود على مالكها، فقد يتعرض أشخاص آخرون للضرر.
ربما لو كان السائقون يتحملون المسؤولية القانونية عن الأضرار التي تلحق بالآخرين، فإن ذلك قد يساعد؟
لست خبيرًا قانونيًا، لكن يبدو لي أنه إذا كانت السيارة هي التي تتخذ جميع القرارات، فسيكون من الغريب تحميل مالكها المسؤولية، إلا إذا كان قادرًا على تعديل إعدادات السيارة. ومن هذا المنطلق، قد تكون لدى شركات تصنيع السيارات حافز لمنحك هذا الخيار، مثل قرص صغير يستطيع مالكو السيارات من خلاله التحكم في توزيع المخاطر. أو يمكنك أن تتخيل أن الناس يستخدمون تحديثات من جهات خارجية لتعديل الأخلاقيات التي تعمل وفقها السيارة.
هل لديك فكرة عن كيفية تعامل شركات السيارات مع هذه القضايا في الوقت الحالي؟
«إذا سألت الناس بصفتهم مواطنين عما ينبغي للسيارة أن تفعله، فسيقولون إنها ينبغي أن تقلل عدد الضحايا إلى أدنى حد، حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالشخص الموجود داخل السيارة. لكن إذا سألت الناس عن السيارة التي يفضلون ركوبها أو شراءها، فإنهم عادة سيفضلون السيارة التي دُرّبت على حمايتهم.»
أعتقد أن النقاش العام بين شركات صناعة السيارات يدور حاليًا حول محاولة تقليل الضرر بصورة شاملة. وأعتقد أننا لم نصل بعد إلى مرحلة نستطيع فيها تحديد ما إذا كانت مجموعات معينة تتعرض للضرر بصورة متكررة أكثر من غيرها.
وسجل السلامة جيد إلى حد كبير، وبالتأكيد أفضل من القيادة البشرية. فهناك الآن ما بين 30 ألفًا و40 ألف وفاة على الطرق، من دون احتساب الإصابات، سنويًا في الولايات المتحدة وحدها. وإذا تبين أن عدد الوفيات على الطرق التي تسببها السيارات ذاتية القيادة أقل بكثير، وهو ما يبدو عليه الأمر حاليًا، رغم أنه من المبكر جدًا التأكد من ذلك، فربما يمكن تجنب النقاش حول حوادث التصادم التي لا مفر منها.
بعد ذلك، نحتاج إلى فهم أنواع الأولويات التي ينبغي أن توجه سلوك المركبات في مثل هذه «الحالات الاستثنائية». وبمجرد التوصل إلى اتفاق مجتمعي بشأن هذه الأولويات، ستحتاج الحكومات إلى أنظمة جديدة لمراقبة سلوك هذه المركبات وفرض القواعد.
تؤكد في البحث أنه حتى لو كنا نحن من يدفع مقابل نظام الذكاء الاصطناعي أو المنتج الذي يحتوي عليه، فلا ينبغي لنا أن نفترض أن الذكاء الاصطناعي يضع دائمًا مصلحتنا في المقام الأول.
بالفعل. أحد الأمور التي جربناها في وقت مبكر، والتي أصبحت الآن واقعًا، هي ما أطلقنا عليه «أنظمة ذكاء اصطناعي ذات مصالح خاصة»، دُرّبت لخدمة مصالح تختلف عن مصالح المستخدم. وقد تكون لدى شركات الذكاء الاصطناعي مصالح تتعارض مع مصالحنا، وهذا ليس أمرًا جديدًا. فقد كانت لدينا دائمًا شركات تفضل استخدام مواد أرخص، مع ما يترتب على ذلك من عواقب على سلامة المستهلك، على سبيل المثال. ولهذا السبب لدينا تنظيم حكومي.
أما بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، فلا نزال نحاول معرفة ما هي النظائر المناسبة لذلك. في أي المجالات تحتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مزيد من التدقيق، هل في المجالات الطبية أم القانونية أم المالية؟ وفي أي المجالات يستطيع المستهلكون الحكم بأنفسهم؟
أحد الأمور التي تحدث عندما نترك القرارات الأخلاقية للذكاء الاصطناعي هو أننا قد لا نعود نشعر بأننا مسؤولون بالقدر نفسه عن النتيجة. كيف يمكن أن يؤثر ذلك في سلوكنا؟
أجرينا مؤخرًا دراسة حول هذا الموضوع، حيث كان الأشخاص يؤدون المهام بأنفسهم أو يستخدمون الذكاء الاصطناعي لأدائها. معظم الناس يمتنعون عن الغش بدرجة كبيرة، لكن يبدو أن الذكاء الاصطناعي يقلل هذا الامتناع.
فعندما يُطلب من الأشخاص رمي حجر نرد والإبلاغ عن النتيجة بأنفسهم، لا يغش سوى 5 في المئة منهم، حتى لو كان بإمكانهم الإفلات بالغش بسهولة. لكن عندما يوجهون نموذجًا لغويًا كبيرًا، يرتفع العدد إلى نحو 25 في المئة من الأشخاص المستعدين للغش.
وإذا زُوّد الأشخاص بقرص تحكم يسمح لهم بالموازنة بين الأمانة والإيرادات، فإن 85 في المئة منهم يغشون. ويتحول كل هؤلاء الأشخاص الصادقين إلى غشاشين، ربما لأنهم يستطيعون أن يقولوا: «لقد طلبت منه فقط تعظيم الإيرادات، ولم أطلب منه أن يغش». وقد تظهر مشكلات مشابهة في جوانب كثيرة من الحياة، وستصبح هذه المسألة أكثر أهمية بالنسبة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يجدون بأنفسهم طريقهم إلى تحقيق هدفك، بدلًا من اتباع أوامر صريحة للتصرف بطريقة غير أخلاقية.
كيف تعتقد أن كل هذا الوقت الذي نقضيه مع روبوتات المحادثة قد يؤثر في الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا بعضًا؟
أجرينا بعض الدراسات المبكرة التي أظهرت أن الناس يفضلون التعاون مع أشخاص بدلًا من أنظمة الذكاء الاصطناعي، حتى لو كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر لطفًا. لكن دراسة أحدث وجدت أنهم قد يبدأون أيضًا في تفضيل الآلات على البشر.
جعلنا المشاركين يلعبون «لعبة ثقة» مالية، حيث كان عليهم الاختيار بين التعاون مع إنسان أو روبوت. في البداية، كان لدى الناس تحيز ضد الآلات. لكن بعد أن تعلموا، عبر جولات متعددة، أن الروبوتات كانت في الواقع أكثر تعاونًا وموثوقية من البشر، بدأوا يفضلون الآلات.
لذلك، بمجرد أن نحل مشكلة سوء تصرف أنظمة الذكاء الاصطناعي، قد تبدأ هذه الأنظمة في التفوق على البشر حتى في سياق التفاعل الاجتماعي. فبعض الناس أصبح لديهم الآن أصدقاء من الذكاء الاصطناعي، وربما يُغرى بعضنا بالتصرف بطريقة تشبه الذكاء الاصطناعي مع الآخرين.
إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي تؤكد لنا دائمًا وتبالغ في إرضائنا، فقد يضطر الأصدقاء البشر إلى التصرف بطريقة أكثر شبهًا بذلك الذكاء الاصطناعي لمجرد المنافسة. وإذا كانت الطريقة الوحيدة للحفاظ على صديق بشري هي أن تتصرف مثل روبوت متملق، فستكون تلك نتيجة سيئة للغاية.
لم نبحث فعلًا فيما إذا كان الناس يتبنون طريقة تعامل روبوت المحادثة أو موقفه، لكن دراسة حديثة أجريناها أظهرت أننا بدأنا بالفعل في تبني الكلمات التي تحب روبوتات المحادثة استخدامها، وتُعد كلمة «التعمق» المثال الأكثر شهرة على ذلك.
صحيح، فالناس يمارسون الكثير من «التعمق» هذه الأيام. إذا وضعك الاتحاد الأوروبي، مثلًا، في موقع يسمح لك بتنظيم الذكاء الاصطناعي، فما أول قرار ستتخذه؟ وما الذي تعتقد أنه يمكن وينبغي فعله الآن؟
لو كنت المسؤول، فسيكون من السذاجة الشديدة أن أفترض أنني أعرف جميع الإجابات بنفسي. لكن هذا لا يعني أنني لن أفعل شيئًا.
ما سأفعله هو تغيير القواعد بحيث يتعين على الشركات أن تفتح أمام العلماء ليس بياناتها فحسب، بل تصميم منتجاتها أيضًا. وسأغير اللوائح بحيث يمكن للعلماء المستقلين إجراء تجارب على منتجات الذكاء الاصطناعي، لا بدافع من كرم الشركات، وإنما بموجب القانون.
ينبغي أن يتمكن الباحثون من فحص الخوارزميات الحالية، وربما حتى تعديلها لإجراء أفضل بحث ممكن حول تأثيرات هذه التقنيات. وبهذه الطريقة، يمكننا الإجابة عن الأسئلة الكبرى التي يطرحها الناس، مثل ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يزيد المعلومات المضللة والاستقطاب، وما تأثيرات التفاعل مع الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية، وغير ذلك.
ويمكننا أن نتحقق بصورة حقيقية من أن هذه الخدمات التي أصبحت، في جوهرها، خدمات عامة واسعة النطاق، لا تتسبب في مشكلات اجتماعية ضخمة.
المخاطر كبيرة. نحن لا نريد خنق الابتكار، لكن ينبغي أن نتيح للعلماء دراسة هذه التقنيات.
