كان يُنظر إلى جزيئات RNA غير المشفرة في الماضي على أنها مجرد مخلفات خلوية، لكنها بدأت تظهر اليوم بوصفها عناصر أساسية تؤدي أدوارًا مهمة في كل شيء، من نمو الدماغ إلى السرطان، ولا يزال الكثير منها ينتظر الاكتشاف.
عندما نجح العلماء للمرة الأولى في فك الشفرة الجينية، كانوا يتوقعون قصة بسيطة: يصنع الحمض النووي DNA الحمض النووي الريبي RNA، وهذا الـRNA، المعروف باسم الحمض النووي الريبي المرسال mRNA، يصنع البروتينات. وكان يُعتقد أن البروتينات هي التي تؤدي جميع الوظائف المهمة، مثل بناء الأنسجة ومقاومة العدوى وهضم الطعام.
لكن عندما اكتمل أخيرًا تسلسل الحمض النووي لجينوم الإنسان، واجه الباحثون لغزًا محيرًا. فالجينات التي يزيد عددها على 20 ألف جين وتحمل التعليمات اللازمة لصنع بروتيناتنا لا تمثل سوى أقل من 2 في المئة من حمضنا النووي. فما فائدة بقية هذا الحمض النووي؟
لسنوات طويلة، جرى التعامل مع نسبة الـ98 في المئة المتبقية باعتبارها «حمضًا نوويًا خردة»، أي بقايا تطورية وحشوًا لا وظيفة له. لكن مع تحسن تقنيات تحديد التسلسل الجيني، بدأت تظهر صورة مدهشة. فقد اتضح أن خلايانا كانت منشغلة بإنتاج نسخ من RNA عن كل تلك الامتدادات، ولم تكن تكتفي بصنع RNA المرسال، أو mRNA، من الجينات التي ترمز إلى البروتينات. كانت الخلايا تنتج كميات هائلة من جزيئات RNA التي لم يكن لها غرض معروف.
وأصبح السؤال المطروح هو: لماذا تهدر الخلايا كل هذه الطاقة في نسخ ما كان يُعتقد أنه مجرد خردة؟
أما اليوم، فلم يعد من الممكن إنكار أهمية هذا الـRNA غير المشفر، وهو المصطلح العام الذي يطلق على جزيئات RNA التي لا تحمل تعليمات لصنع البروتينات. فقد تبين أن جزيئات RNA غير المشفرة تنظم كل شيء تقريبًا، بدءًا من نمو الجنين وصولًا إلى الاستجابات المناعية ووظائف الدماغ. وهي تساعد في تحديد الجينات التي يجري تشغيلها أو إيقافها، ومتى يحدث ذلك. كما يمكنها أن تعزز الإصابة بالسرطان أو تثبطها.
يقول جون رين، عالم الأحياء التجديدية في جامعة كولورادو بولدر، الذي أمضى مسيرته المهنية في دراسة هذه الجزيئات: «من المحتمل أن تكون كل خلية فريدة مثل ندفة الثلج، ويرجع ذلك إلى تنوع جزيئات RNA التي ينتجها الجينوم، وهذا التنوع لا يأتي من RNA المرسال».
وفيما يلي نستعرض بعض الفئات الرئيسية من جزيئات RNA غير المشفرة التي تمكن العلماء من تحديدها حتى الآن.
microRNA: جزيئات صغيرة وتأثيرات كبيرة
جاء أحد الاكتشافات المهمة التي قلبت الافتراضات المتعلقة بالـRNA غير المشفر من مصدر بالغ الصغر، وهو دودة شفافة تسمى Caenorhabditis elegans.
في عام 1993، اكتشف عالم الأحياء التطورية فيكتور أمبروس وعالم الوراثة غاري روفكون جينًا غريبًا في هذه الدودة ينتج جزيئًا صغيرًا جدًا من RNA لا يتجاوز طوله 22 نيوكليوتيدًا، والنيوكليوتيدات هي الوحدات الأساسية التي يتكون منها RNA وDNA. واتضح أن هذا الـRNA يستطيع منع جينات أخرى من إنتاج البروتينات. وكان العلماء قد اكتشفوا بذلك جزيئات microRNA.
ولسنوات، بدا هذا الاكتشاف مجرد ظاهرة غريبة خاصة بالديدان. ثم اكتشف روفكون جزيئات microRNA في الذباب والأسماك، وحدد باحثون آخرون وجودها في النباتات والبشر. ونحن نعرف الآن أن لدى الإنسان أكثر من 2000 نوع مختلف من microRNA، وأن هذه الجزيئات تساعد في التحكم في نحو ثلث جميع الجينات التي ترمز إلى البروتينات. وحصل أمبروس وروفكون على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 2024 تقديرًا لاكتشافهما.
تعمل جزيئات microRNA من خلال التفاعل ليس مع الجينات نفسها، وإنما مع جزيئات RNA المرسال الوسيطة التي تنقل التعليمات الجينية من DNA إلى الآلية المسؤولة عن صنع البروتينات. وعندما ترتبط جزيئة microRNA بجزيء mRNA، فإنها إما تمنع إنتاج البروتين أو تحفز تدمير جزيء mRNA. ويمكن لجزيئة microRNA واحدة أن تنظم مئات الجينات المختلفة، مما يجعل هذه الجزيئات الصغيرة بمثابة أجهزة تحكم رئيسية في العمليات الخلوية.
يوضح كينيث إس. كوسيك، عالم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا: «ما تفعله جزيئات microRNA هو أنها تضيف مستوى من الدقة يحدد بالضبط كمية البروتينات المختلفة التي يجري إنتاجها في أنواع الخلايا الفردية».
ويبدو أن هذه الدقة ذات أهمية خاصة في الدماغ، الذي يحتوي على آلاف الأنواع المختلفة من الخلايا، أكثر من أي عضو آخر. ويقول كوسيك: «لكي نتمكن من تطوير هذا التنوع في الخلايا والحفاظ عليه، يبدو أن وجود تنوع مماثل في جزيئات microRNA أمر مهم جدًا».
وتدور جزيئات microRNA أيضًا في مجرى الدم بصورة مستقرة، مما يجعلها مؤشرات حيوية واعدة للأمراض. وقد حدد فريق كوسيك جزيئًا يسمى microRNA 21 يُنتج بكميات زائدة لدى المرضى المصابين بمجموعة متنوعة من السرطانات، بما في ذلك الورم الأرومي الدبقي، وهو نوع عدواني من سرطان الدماغ. كما تعمل شركات الأدوية على تطوير أدوية قائمة على microRNA، إلى جانب جزيئات تمنع بعض أنواع microRNA، لعلاج حالات تتراوح بين التهاب الكبد وفشل القلب.
يقول كوسيك: «نحتاج إلى فهم جميع أهدافها وكيفية التحكم فيها».
جزيئات RNA الطويلة غير المشفرة: المادة المظلمة للجينوم
إذا كانت جزيئات microRNA صغيرة جدًا، فإن جزيئات RNA الطويلة غير المشفرة هائلة الحجم. ويُقصد بها عادةً أي جزيء RNA غير مشفر يبلغ طوله 200 نيوكليوتيد أو أكثر، ويمكن أن تمتد إلى عشرات الآلاف من النيوكليوتيدات.
وهناك أعداد هائلة منها في الجينوم البشري، إذ يبلغ عددها نحو 36 ألفًا، وربما أكثر بكثير، متجاوزًا عدد الجينات التي ترمز إلى البروتينات.
وأشهر جزيئات RNA الطويلة غير المشفرة هو XIST، الذي اكتُشف عام 1991، ويؤدي دورًا بالغ الأهمية لدى الإناث. وبما أن الإناث يحملن كروموسومين من نوع X، فلا بد من إسكات أحدهما لتجنب حدوث اختلال في كمية الجينات الموجودة على كروموسوم X.
ويحقق XIST ذلك من خلال تغطية الكروموسوم بأكمله، ثم جذب البروتينات التي تعمل على تعطيل معظم الجينات الموجودة عليه. تقول سوزان كاربنتر، عالمة الأحياء الخلوية والجزيئية في جامعة كاليفورنيا بسانتا كروز: «يمكنك أن تتخيلها وهي تعمل كدعامات، إذ تستطيع أن تجمع شركاء ارتباط آخرين».
وXIST ليس سوى مثال واحد. تقول كاربنتر: «يمكن لكل جزيء من جزيئات RNA الطويلة غير المشفرة أن يؤدي وظائف مختلفة».
فبعضها يعزز نشاط الجينات المجاورة، ويساعد بعضها الآخر على التحكم في مكان وزمان إنتاج البروتينات، بينما يحمل بعضها تعليمات لصنع الببتيدات، وهي سلاسل قصيرة جدًا من الأحماض الأمينية، يمكنها مثلًا أن تنظم الالتهاب.
وبدأت جزيئات RNA الطويلة غير المشفرة تكتسب أهمية سريرية. ففي عام 2024، اكتشف الباحثون مثلًا أن جزيئًا طويلًا من RNA غير المشفر يسمى CHASERR يرتبط بحالة وراثية معينة. إذ إن امتلاك نسخة وظيفية واحدة فقط من الجين الذي يصنع CHASERR يؤدي إلى إعاقات شديدة في النمو. ويبدو، بالتالي، أن بعض جزيئات RNA الطويلة غير المشفرة شديدة الحساسية لكمية الجرعة الجينية.
RNA الدائري: حلقات لها غرض
يكون mRNA التقليدي خطيًا، أي له بداية ونهاية تحتاج إليهما الآلية الخلوية لترجمته إلى بروتين. لكن بعض جزيئات RNA توجد على شكل دوائر، وغالبًا ما تنشأ من الجينات نفسها التي تنتج جزيئات mRNA الخطية.
وعندما رصد العلماء هذه الجزيئات للمرة الأولى في أواخر سبعينيات القرن الماضي، افترضوا أنها أخطاء، أي أخطاء في عملية التضفير أو حوادث خلوية.
لكن جيريمي ويلوس، عالم أحياء متخصص في RNA في كلية بايلور للطب، يقول: «هناك آلاف وآلاف من هذه الدوائر التي جرى تحديدها. وهي موجودة بصورة خاصة في الدماغ، وكذلك في بعض الأنسجة الأخرى، لكن الدماغ هو المكان الذي نراها فيه بأكبر قدر».
وفي الواقع، بالنسبة إلى مئات الجينات، تكون النسخة الدائرية أكثر وفرة من نسخ mRNA الخطية العادية التي ينتجها الجين. وهذا ليس من قبيل المصادفة. فجزيئات RNA الدائرية تفتقر إلى الأطراف الحرة، ولذلك تكون مقاومة للإنزيمات التي تعمل عادةً على تفكيك جزيئات RNA. وهذا يجعلها مستقرة بصورة استثنائية، إذ يمكنها أن تبقى في الخلايا لفترة أطول بكثير من نظيراتها الخطية التي تُدمَّر خلال ساعات.
ويبدو أن لهذه الاستقرارية غرضًا محددًا. إذ يمكن لجزيئات RNA الدائرية أن تعمل كطُعم، فترتبط بجزيئات microRNA أو البروتينات وتمنعها من أداء وظائفها المعتادة، مثل تنظيم نشاط الجينات.
وقد ارتبط أحد جزيئات RNA الدائرية المدروسة جيدًا، ويسمى MALAT1، بعدة أنواع من السرطان. إذ يوجد بكميات غير طبيعية في الأورام ويبدو أنه يساعدها على النمو، رغم أن الآلية الدقيقة لذلك لا تزال غير واضحة. ويبدو أنه يغير الجينات التي يجري تشغيلها أو إيقافها، بحسب ويلوس، لكن تفاصيل هذه العملية لا تزال قيد الدراسة.
وتربط أبحاث ناشئة بين مستويات جزيئات RNA الدائرية المحددة وبين الخصوبة وشيخوخة الدماغ وعدة أنواع من السرطان. كما تستكشف بعض الشركات إمكانية استخدام RNA الدائري بوصفه بديلًا أكثر استدامة لتقنية RNA المرسال المستخدمة في لقاحات كوفيد 19.
piRNA: جهاز المناعة القديم للجينوم
في عام 2006، اكتشف عالم الوراثة الجزيئية المتخصص في RNA نيلسون لاو وعدة مجموعات بحثية أخرى بصورة مستقلة فئة جديدة من جزيئات RNA الصغيرة، تبين أنها تمثل نظام دفاع الجينوم ضد عدو قديم.
وتحمي هذه الجزيئات، المعروفة باسم جزيئات RNA المتفاعلة مع PIWI أو piRNA، الجينوم من كيانات تسمى العناصر القافزة، أو الجينات القافزة، التي تستطيع نسخ نفسها وإدخال تلك النسخ في أماكن أخرى من الجينوم.
وتشكل العناصر القافزة قرابة نصف الحمض النووي البشري بأكمله، وإذا تُركت من دون رقابة، فقد يؤدي انتقالها إلى إحداث فوضى، من خلال تعطيل الجينات الأساسية والتسبب في طفرات.
يوضح لاو، الذي يعمل الآن في كلية تشوبانيان وأفديزيان للطب بجامعة بوسطن، أن العناصر القافزة تكون نشطة بصورة خاصة داخل الخصيتين والمبيضين. ويضيف: «ولحسن الحظ، فإننا في الخلايا الجرثومية نفسها ننتج أيضًا كمية هائلة من جزيئات piRNA».
وعندما يقفز عنصر قافز إلى أجزاء معينة من الجينوم، تنتج الخلية جزيئات piRNA من تلك المادة الجديدة. ويمكن لهذه الجزيئات بعد ذلك التعرف على ذلك العنصر القافز وأقاربه وإسكاتهم.
وبهذا المعنى، يقول لاو إن جزيئات piRNA تمثل «أول جهاز مناعة جيني لدينا للدفاع ضد الفيروسات التي تريد التكاثر والانتشار عبر السلالة الجرثومية».
وقد وسع مختبر لاو هذا العمل ليشمل البعوض، إذ يبحث في إمكانية تسخير هذا النظام الطبيعي المضاد للفيروسات لجعل البعوض مقاومًا لمسببات الأمراض التي ينقلها إلى البشر.
وتوجد جزيئات piRNA أيضًا في الدماغ، حيث يزداد نشاط العناصر القافزة مع التقدم في العمر. ويدرس لاو كيف يمكن لفشل السيطرة على العناصر القافزة أن يسهم في أمراض التنكس العصبي مثل مرض ألزهايمر ومرض باركنسون.
siRNA: من أداة مخبرية إلى خزانة الأدوية
اكتُشفت جزيئات RNA الصغيرة المتداخلة، أو siRNA، في النباتات والديدان في أواخر تسعينيات القرن الماضي. ومثل جزيئات microRNA، فهي صغيرة، ويتراوح طولها عادةً بين 21 و23 نيوكليوتيدًا، وتعمل من خلال الارتباط بجزيئات mRNA محددة واستهدافها للتدمير.
وبهذه الطريقة تساعد أيضًا في التحكم في العناصر القافزة والدفاع ضد الفيروسات.
وقد جعلت درجة تخصصها العالية هذه الجزيئات جذابة للغاية للاستخدامات العلاجية منذ البداية. وأدرك العلماء أنه يمكنهم تصميم جزيئات siRNA اصطناعية لإسكات أي جين تقريبًا، وهو ما يمثل أداة قوية لعلاج الأمراض الناجمة عن بروتينات ضارة أو مختلة الوظيفة.
وفي عام 2018، اعتُمد أول دواء قائم على siRNA، وهو باتيسيران، لعلاج مرض وراثي نادر يسمى الداء النشواني المرتبط بالترانستيريتين.
وتواجه هذه التقنية تحديات، من بينها كيفية إيصال جزيئات siRNA إلى الأنسجة الصحيحة داخل الجسم، وكيفية تجنب الاستجابات المناعية. لكن التعديلات الكيميائية الجديدة وأنظمة توصيل الأدوية تظهر نتائج واعدة، كما تستمر قائمة أدوية siRNA قيد التطوير في النمو.
رؤية جديدة للجينوم
كلما تعلم الباحثون المزيد، أصبحت الصورة الناشئة عن جزيئات RNA غير المشفرة أكثر تعقيدًا وإثارة للدهشة. فجزيئات microRNA تنظم جزيئات RNA الطويلة غير المشفرة. وجزيئات RNA الطويلة غير المشفرة يمكنها أن تعمل كإسفنجة تمتص جزيئات microRNA. وجزيئات RNA الدائرية تنشأ من الجينات نفسها التي تنتج RNA المرسال. أما جزيئات piRNA فتعمل على إسكات العناصر القافزة التي أسهمت في تشكيل جينومنا على مدى ملايين السنين.
وكل هذا التنظيم يحدث فوق منظومة الجينات التي ترمز إلى البروتينات وRNA المرسال، وهي المنظومة التي كان يُعتقد في السابق أنها تمثل القصة بأكملها.
وفوق ذلك، لم يدرس العلماء سوى جزء ضئيل من جزيئات RNA غير المشفرة المعروفة بوجودها. وربما لا تتجاوز النسبة التي دُرست 3 في المئة، بحسب كاربنتر، مما يعني أن قدرًا هائلًا من الاكتشافات لا يزال ينتظرنا.
