القائمة الرئيسية

مستقبل أخلاقيات علم الأحياء في عالم يعاد تشكيل نظامه الدولي

مستقبل أخلاقيات علم الأحياء في عالم يعاد تشكيل نظامه الدولي
ملخص المقال

يرى الكتاب أن أخلاقيات علم الأحياء نشأت في إطار النظام الدولي القائم على القواعد الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، ولذلك لا يمكن فهم مبادئها بمعزل عن السياق السياسي والقيم الغربية التي أسهمت في صياغتها، مثل الحقوق الفردية والموافقة المستنيرة. ومع تراجع هذا النظام، تتعرض العلاقة بين العلم والدولة، وكذلك استقلالية المؤسسات العلمية وثقة الجمهور بها، لضغوط متزايدة، كما تكشف الخلافات حول اللقاحات والبحوث البيولوجية والتجارب الجينية. ويكشف تاريخ نورمبرغ وما تلاه من تسويات سياسية، ومنها منح الحصانة لبعض العلماء اليابانيين المتورطين في الحرب البيولوجية، أن المبادئ الأخلاقية لم تُطبق دائمًا بصورة متسقة، وأن أخلاقيات علم الأحياء بقيت إلى حد كبير مرتبطة بالمؤسسات والتصورات الغربية بدل أن تتطور من خلال حوار عالمي حقيقي. ومن ثم، فإن التحدي في المرحلة المقبلة لا يكمن في الحفاظ على المنظومة القائمة فحسب، بل في بناء إطار عالمي لأخلاقيات علم الأحياء يشارك في صياغته مختلف المجتمعات، ويوازن بين التقدم العلمي وكرامة الإنسان والمساءلة، خصوصًا مع تحول التكنولوجيا الحيوية إلى عنصر أساسي في المنافسة العالمية.

يبحث كتاب Absolutely Essential للمفكر جوناثان د. مورينو في الكيفية التي نشأت بها أخلاقيات علم الأحياء في ظل النظام الدولي القائم على القواعد الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، وما قد يعنيه تراجع هذا النظام لمستقبل العلم. ويقدم الكتاب حجة قوية مفادها أن بناء أخلاقيات علم أحياء عالمية حقًا يقتضي تجاوز الأسس الغربية التي قامت عليها في بداياتها.

Absolutely Essential: Bioethics and the Rules Based International Order.
جوناثان د. مورينو، مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، 2025.

ماذا يحدث للعلم عندما يبدأ النظام العالمي الذي رسم حدود استخدامه، وحدد كذلك ما يعد إساءة لاستخدامه، في التفكك؟

هذا هو السؤال الذي ينطلق منه جوناثان د. مورينو في كتابه Absolutely Essential: Bioethics and the Rules Based International Order. فمع دخول النظام الدولي الليبرالي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، أو ما يعرف بالنظام الدولي «القائم على القواعد»، مرحلة من الأزمات، تدخل معه في دائرة الأزمة المنظومة الأخلاقية التي تحكم الطب وعلوم الحياة، أي ما يعرف بأخلاقيات علم الأحياء.

ويرى مورينو أن أخلاقيات علم الأحياء ليست منظومة أخلاقية قائمة بذاتها، بل نشأت داخل سياق سياسي وفكري محدد، وتأثرت بعمق بقيم عصر التنوير، وفي مقدمتها الحقوق الفردية ومبدأ موافقة المحكومين. ولذلك، فإن فهم هذه المنظومة الأخلاقية لا ينفصل عن فهم النظام السياسي الدولي الذي نشأت في ظله. وهذه هي الفكرة المحورية التي يقوم عليها الكتاب.

يحذر مورينو من أن الأزمة لا تهدد العلم نفسه فحسب، وإنما تهدد أيضًا العلاقة التي تربط العلم بالدولة.

وكما في أعماله السابقة، يقدم مورينو في هذا الكتاب إسهامًا متميزًا وجديدًا. فقد تناول عدد من الباحثين، من أمثال شيلا جاسانوف، وجينيفر هوشيلد، وهنك تن هاف، الجدل السياسي المحيط بأخلاقيات علم الأحياء، كما يأخذ كتاب آني جاكوبسن Biological War: A Scenario الصادر عام 2026 القارئ إلى قلب سيناريو لهجوم بيولوجي. لكن ما يميز كتاب مورينو هو أنه يضع أخلاقيات علم الأحياء في قلب دراسة السياسة الدولية، وفي الوقت نفسه يعيد إدخال السياسة الدولية إلى صميم النقاش حول أخلاقيات علم الأحياء.

التوتر بين العلم والدولة

يرى مورينو أن الأزمة المقبلة قد لا تقتصر على العلم، بل قد تمتد إلى العلاقة نفسها بين العلم والدولة. فأخلاقيات علم الأحياء، كما يوضح، لم تكن في أي وقت مشروعًا أخلاقيًا محضًا، بل كانت مشروعًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد.

لقد أسهمت هذه المنظومة في منح السلطة العلمية قدرًا من الشرعية، وفي الوقت نفسه قامت على صفقة ضمنية بين الدولة وعلوم الحياة. وبموجب هذه الصفقة، يتمتع العلماء بهامش واسع من الاستقلالية في عملهم، ما داموا لا يتسببون في «إحراج» السلطات السياسية ولا يعرضون الأمن القومي للخطر. لكن مع تراجع النظام الدولي القائم على القواعد، أصبحت هذه الصفقة نفسها موضع شك، وأصبح مستقبل السلطة العلمية والعلاقة بين الدولة والعلم أكثر غموضًا.

استقلالية العلم لا تقوم على الخبرة العلمية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى ثقة الجمهور وشرعية المؤسسات.

وتكشف التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة أن هذه التوترات لم تعد مجرد احتمال نظري، بل أصبحت ظاهرة للعيان. فالتدقيق المسيّس بدرجة كبيرة في أنتوني فاوتشي، الذي استند إلى التعديل الخامس أكثر من مئة مرة أمام لجنة في مجلس الشيوخ يقودها الجمهوريون للتحقيق في أصول جائحة كوفيد 19، يعكس اتساع الفجوة بين الخبراء العلميين والسلطات السياسية.

وفي الوقت نفسه، يشير تصاعد التشكيك في اللقاحات إلى تراجع أوسع في الثقة بالمؤسسات العلمية. وتكشف هذه النقاشات مجتمعة مدى هشاشة الصفقة التي يصفها مورينو. فالعلم لا يستطيع الحفاظ على استقلاليته بالاستناد إلى المعرفة والخبرة وحدهما، إذ يحتاج كذلك إلى ثقة المجتمع واعترافه بشرعية المؤسسات التي تنتج المعرفة العلمية وتطبقها.

نورمبرغ وتاريخ أخلاقيات علم الأحياء

إذا كان كتاب مورينو يروي قصة انهيار، فإنها قصة انهيار لمشروع لم يكتمل بناؤه أصلًا. إنها قصة نظام أفضى إلى ظهور أخلاقيات علم الأحياء، لكنه لم ينجح قط في ترسيخ مبادئها داخل مؤسساته بصورة كاملة.

ويستعرض مورينو تاريخًا تشكلت ملامحه من خلال مُثل أخلاقية سامية ومن خلال جهود استثنائية بذلها أشخاص مثل ليو ألكسندر، الطبيب النفسي الذي ساعد في كشف الفظائع الطبية التي ارتكبها النظام النازي في ألمانيا، وأسهم في صياغة مبادئ أخلاقية، من بينها مبدأ الموافقة المستنيرة، أصبحت لاحقًا من الأسس التي قامت عليها مدونة نورمبرغ.

لكن هذا التاريخ لم تصنعه المُثل العليا وحدها. فقد كان للغرور الشخصي، وللبيروقراطيات التي سعت إلى حماية مصالحها، ولإعطاء الأمن القومي أولوية تفوق الاعتبارات الأخلاقية، دور لا يقل أهمية. والمفارقة أن جزءًا كبيرًا من المسؤولية يقع على عاتق الجهات نفسها التي ينظر إليها عادة بوصفها الجهات التي أسست نظام ما بعد الحرب.

ومع ذلك، فإن تحميل تلك الجهات المسؤولية وحدها يحجب حقيقة أوسع: أخلاقيات علم الأحياء لم تكن يومًا مشروعًا غربيًا خالصًا، ومن ثم فإن مستقبلها لا يمكن أن يظل مرهونًا بالدول الغربية وحدها.

فالتناقضات التي تطبع هذا المجال كانت موجودة منذ اللحظة التي ولدت فيها أخلاقيات علم الأحياء الحديثة. فقد أفضت محاكمات نورمبرغ إلى وضع مدونة نورمبرغ، التي جعلت الموافقة الطوعية وحماية الأشخاص الخاضعين للبحث مبدأين أساسيين في إجراء البحوث العلمية على البشر.

لكن هذه المبادئ لم تجد طريقها إلى ترسيخ كامل داخل النظام الدولي. فالقوى التي حاكمت الأطباء النازيين بسبب الفظائع التي ارتكبوها باسم العلم لم تتردد في عقد تسويات استراتيجية في أماكن أخرى.

وبعد الحرب العالمية الثانية، منحت الولايات المتحدة حصانة لأطباء يابانيين شاركوا في برنامج الحرب البيولوجية للجيش الإمبراطوري الياباني، ومن بينهم العاملون في منشأة الأبحاث سيئة السمعة الوحدة 731، مقابل الحصول على نتائج أبحاثهم. وقد أفلت عدد كبير من هؤلاء العلماء من الملاحقة القضائية لأن واشنطن كانت ترى في أبحاثهم قيمة استراتيجية يمكن الاستفادة منها في سياق الحرب الباردة التي كانت تتشكل آنذاك.

ولم يتوقف الأمر عند الإفلات من المحاكمة، إذ شغل كثير من هؤلاء العلماء لاحقًا مناصب مؤثرة في مؤسسات الطب والصحة العامة في اليابان، بما في ذلك المعهد الوطني للصحة، حيث استمر بعضهم في العمل لعقود.

تحدي بناء أخلاقيات علم أحياء عالمية

لكن المشكلة لم تكن في الانتقائية في تطبيق مبدأ المساءلة فحسب. فقد كانت هناك مشكلة أعمق، تمثلت في العجز عن بناء نظام عالمي حقيقي لأخلاقيات علم الأحياء.

ولا يتناول مورينو محاكمة خاباروفسك عام 1949، التي حاكمت فيها السلطات السوفيتية مسؤولين يابانيين بتهم تتعلق بجرائم الحرب البيولوجية. غير أن هذه الواقعة تكشف أن بدائل أخرى للمساءلة كانت موجودة، أو على الأقل كانت هناك محاولات لتطبيقها.

لكن الحرب الباردة جعلت من الصعب تحويل مثل هذه التجارب إلى أساس لحوار عالمي. فقد نظرت الولايات المتحدة إلى الاتحاد السوفيتي في المقام الأول باعتباره خصمًا استراتيجيًا، لا شريكًا محتملًا في صياغة قواعد علمية وأخلاقية مشتركة. كما أن الانقسامات الجيوسياسية، إلى جانب إحجام الدول الغربية عن الاعتراف بمصادر أخرى للسلطة الأخلاقية، حالت دون أن تجد مثل هذه التجارب مكانًا لها في نقاش دولي أوسع.

وبدلًا من أن تتطور مبادئ أخلاقيات علم الأحياء من خلال حوار عالمي حقيقي، ظلت إلى حد كبير أسيرة المؤسسات والتصورات الغربية.

ومن هذه الزاوية، أخفق نظام ما بعد الحرب في إتاحة ذلك النوع من التفاعل الفكري عبر الحدود السياسية والثقافية الذي يرى الاقتصادي والفيلسوف الحائز جائزة نوبل أمارتيا سن أنه ضروري لتكييف الأفكار وصقلها، بما يسمح للأفكار بأن تخضع للنقد المتبادل وأن تتطور من خلال الاحتكاك بوجهات نظر مختلفة.

فبدلًا من أن تنشأ أخلاقيات علم الأحياء من حوار عالمي يشارك فيه الجميع، بقيت مبادئها مرتبطة إلى حد كبير بالمؤسسات الغربية والافتراضات التي قامت عليها. وبذلك، طلب النظام الدولي «القائم على القواعد» من دول ومجتمعات أخرى أن تتبنى معايير لم يكن لها دور حقيقي في صياغتها.

ولا يعني ذلك بأي حال إعفاء الدول الأخرى من مسؤولياتها. فمورينو يوضح أن دولًا ذات أنظمة سياسية مختلفة واجهت هي الأخرى صعوبة في إيجاد التوازن بين الطموح العلمي والقيود الأخلاقية.

وتكشف البحوث البيولوجية التي قادتها الدولة في موسكو، إلى جانب الجدل الذي أحاط بتطوير لقاح كوفيد 19 في روسيا، كيف يمكن للأولويات السياسية أن تؤثر في الممارسة العلمية وفي القرارات التي تتخذها المؤسسات البحثية.

وتقدم الصين مثالًا آخر على هذه التوترات، ولا سيما في مجال البحوث الجينية التي تشمل البشر. وتوضح قضية هي جيانكوي، العالم الصيني الذي أجرى عام 2018 تجربة باستخدام تقنية كريسبر أسفرت عن ولادة أطفال جرى تعديل جيناتهم، مدى صعوبة فرض حدود أخلاقية واضحة في بيئة تتسم بمنافسة علمية شديدة.

وقد حُكم على هي جيانكوي بالسجن ثلاث سنوات، لكن القضية لم تنته عند العقوبة نفسها، إذ أثارت أسئلة أوسع بكثير حول آليات الرقابة، وحدود المساءلة، والضغوط التي تدفع عجلة الابتكار في مجال الطب الحيوي.

إطار أخلاقي للمرحلة المقبلة من تطور العلم

لهذا السبب، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل ببساطة في الحفاظ على منظومة أخلاقية نشأت في الغرب. المطلوب هو بناء منظومة عالمية فعلًا، منظومة تستطيع أن تواجه إخفاقات الماضي، وفي الوقت نفسه تعزز الالتزام بكرامة الإنسان، والمساءلة، والتقدم العلمي المسؤول.

وربما تكمن المفارقة في أن أكبر ما يحد من قدرة أخلاقيات علم الأحياء العالمية على التطور ليس انهيار النظام القائم أو فشله، وإنما نجاحه الجزئي. فقد نجح النظام في إيجاد قدر من التوافق العملي، لكنه لم ينجح في بناء المؤسسات اللازمة لضمان استمرارية هذا التوافق وترسيخه.

وهذه الثغرة تصبح أكثر خطورة في عصر باتت فيه التكنولوجيا الحيوية عنصرًا محوريًا في المنافسة العالمية. ففي مثل هذا العالم، لن يكون من الكافي أن نمتلك نظامًا لأخلاقيات علم الأحياء يكتفي بتحقيق الحد الأدنى المقبول.

المرحلة المقبلة تتطلب رؤية أكثر طموحًا. ولا ينبغي أن تنحصر هذه الرؤية في حماية ما تحقق في الماضي، بل يجب أن تتجه إلى بناء إطار عالمي حقيقي يستطيع توجيه العلم في المجالات التي ستشكل حدوده الجديدة.

قد يبدو هذا الهدف طموحًا إلى حد بعيد، وربما يبدو للبعض غير واقعي. لكن التاريخ يقدم سببًا يدعو إلى الاعتقاد بأن الرؤى الطموحة قادرة على تحفيز الناس والمؤسسات على التحرك. فمدونة نورمبرغ نفسها نشأت من طموح كان يبدو في حينه أقرب إلى المستحيل: تحويل أهوال التجارب الطبية التي ارتكبت خلال الحرب إلى مبادئ عالمية تحدد مسؤولية العلماء وتضع حدودًا لما يمكن أن يُفعل باسم العلم.

وهنا تكمن إحدى أهم دروس هذا التاريخ. فالرؤية الكبرى ليست بالضرورة عائقًا أمام التغيير، بل قد تكون في كثير من الأحيان الشرط الذي يجعل التغيير ممكنًا أصلًا.

المصدر

مقالات ذات صلة