- قد يحدث «تدمير الطلب» عندما ترتفع الأسعار بشدة أو تتراجع الإمدادات. وقد ازداد تداول هذا المصطلح مع الضغوط التي يشهدها مضيق هرمز، والتي تدفع الاقتصادات إلى الاستغناء عن جزء من وارداتها النفطية.
- يمكن أن يتراجع الطلب بطرق مختلفة. فمن الأسبستوس إلى زيت الحيتان، اختفت تدريجياً مواد كانت تُعد في وقت ما ضرورية، وقد تحمل بعض الحالات التاريخية دروساً مفيدة.
- تخيّل أنك «ملك الأسبستوس»، وتعيش في قلعة حقيقية في بلدة صغيرة بولاية بنسلفانيا.
عندما كان ريتشارد ماتيسون يحوّل شركته المتخصصة في الأسبستوس إلى قوة صناعية كبرى في نهاية القرن التاسع عشر، ويحوّل منزله إلى قصر يليق بالعائلة المالكة البريطانية، كان هذا المعدن الليفي لا يزال يحظى بتقدير كبير لدى العاملين في تشييد المباني وعزل الأنابيب. وكان النشاط الاقتصادي يعتمد عليه بدرجة لافتة. وبحلول أوائل القرن العشرين، كان ماتيسون قد امتلك البنك المحلي وبنى داراً للأوبرا.
ولم تمر إلا عقود عديدة، إلى جانب عمليات اندماج ودعاوى قضائية، حتى لحقت شركته بنظيراتها في قطاع الأسبستوس وانتهى بها المطاف إلى الإفلاس. فقد أثبت العلم أن هذه المادة خطيرة، فتوقّفنا في معظم أنحاء العالم عن استخدامها.
وماذا عن الوقود الأحفوري؟ لقد أصبحت أضراره على رفاه الإنسان واضحة إلى حد كبير. فقد عادل الشهر الماضي الرقم القياسي لأعلى حرارة عالمية مسجلة، الذي سُجل قبل عامين فقط، ويُلقى باللوم في ذلك على تغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية. ومع ذلك، لا يزال النفط حتى الآن يشكل عنصراً أساسياً في عمل الاقتصاد العالمي.
أدى نقص الإمدادات الناجم عن الحرب في إيران وتقييد حركة المرور عبر مضيق هرمز إلى حرمان الاقتصاد العالمي من مليارات البراميل من النفط التي كانت ستتدفق عادة إلى المصافي وقطاع النقل والمصانع. وبدأت الاقتصادات تبحث عن بدائل للوقود الأحفوري، ما أدى إلى انتشار مصطلح «تدمير الطلب».
وفي مقابلة أُجريت بعد فترة قصيرة من بدء الاضطرابات في مضيق هرمز، قدّم سعد رحيم، كبير الاقتصاديين لدى شركة تجارة السلع «ترافيغورا»، تفسيراً بشأن تدفقات النفط. وقال إنه عند نقطة معينة، ونظراً إلى حجم الاضطراب، لا تعود المسألة مرتبطة فقط بتأثير الأسعار، بل بغياب الكميات المادية نفسها من النفط، وهو ما يؤدي إلى تدمير الطلب.
وبعد أكثر من أربعة أشهر، بدأت مؤشرات تدمير الطلب تتراكم. وقدّرت وكالة الطاقة الدولية مؤخراً أن الطلب الإجمالي على النفط سينخفض هذا العام بمتوسط 1.6 مليون برميل يومياً.
لكن السؤال الأهم هو: ما حجم الجزء المؤقت من هذا الانخفاض، وما الجزء الذي قد يصبح دائماً؟
اختلفت أنماط تدمير الطلب تاريخياً بحسب الظروف. فعلى سبيل المثال، استخدمت الولايات المتحدة نحو 31.5 مليون طن متري من الأسبستوس خلال القرن العشرين، لكن الاستهلاك كان قد بدأ بالفعل في التراجع الحاد عندما أدى انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي كان من كبار مستخدمي الأسبستوس، إلى تسريع تراجع استخدام هذه المادة في أجزاء كبيرة من أوروبا. ثم ازداد الوعي الرسمي بأضرارها، وتبعت ذلك قيود على استخدامها في الصين.
ومع ذلك، قد يكون هناك شكل من أشكال العودة. ففي العام الماضي، قالت الجهة الفيدرالية الرئيسية المعنية بحماية البيئة في الولايات المتحدة إنها تعيد النظر في حظر نوع من الأسبستوس يُستخدم في المعدات الصناعية، قبل أن تتراجع لاحقاً عن هذا التوجه.
طرق جديدة لإبقاء الأضواء مشتعلة
أحد ضحايا تدمير الطلب الذي من غير المرجح أن يستفيد من أي إعادة نظر هو زيت الحيتان.
بلغت ممارسة استخراج الزيت من الحيتان ذروتها في الحقبة التي تدور فيها أحداث رواية «موبي ديك». ففي ذلك الوقت، كان زيت الحيتان ضرورياً لإضاءة المصابيح. ولم تكن هناك مادة أخرى تنتج لهباً آمناً ومشرقاً بالقدر نفسه، من دون أن تملأ غرف النوم أو حتى البيت الأبيض بروائح كريهة.
بدأت كمية زيت الحيتان التي كانت تجلبها أطقم الصيد الأمريكية في الانخفاض النهائي خلال منتصف القرن التاسع عشر. وتزامن ذلك تقريباً مع اكتشاف طريقة لتحويل النفط إلى كيروسين، وهو ما أدى إلى موجة ناجحة من عمليات التنقيب عن النفط. وكان إنتاج هذا السائل في منشأة تقطير أسهل بكثير من صيد حيوان ضخم بالحراب في أعالي البحار. وأصبح الكيروسين الوقود الرئيسي للإضاءة خلال ما تبقى من ذلك القرن وامتد استخدامه إلى القرن التالي.
وبالطبع لم يختف زيت الحيتان تماماً. فقد وُجدت له استخدامات أخرى، من بينها صناعة المارغرين الذي يُدهن على الخبز، وحتى استخدامه في إنتاج النتروغليسرين المستخدم في المتفجرات. ولم يبلغ صيد الحيتان ذروته النهائية إلا في ستينيات القرن العشرين، عندما أصبح واضحاً أن أنواعاً عديدة من الحيتان باتت مهددة بشدة بالانقراض.
وعلى مر السنين، جرت محاولات لاستخلاص دروس من مصير صناعة زيت الحيتان. وكان أحد أبرز مؤشرات ديمومة تدمير الطلب على زيت الحيتان هو كل مرة يشتري فيها شخص ما مصباحاً يعمل بالكيروسين.
وبالنسبة إلى نفط القرن الحادي والعشرين، قد ينطبق الأمر نفسه على كل شخص يشتري سيارة كهربائية ويجد أنها تلبي احتياجاته. وبهذا المقياس، قد لا يكون الجزء الدائم من تدمير الطلب الحالي ضئيلاً. فقد تضاعفت تقريباً مبيعات السيارات الكهربائية في دول مثل أستراليا والبرازيل والهند وفيتنام بين مارس ويونيو، ووصف بعض الخبراء هذا التطور بأنه نقطة تحول.
تدمير للطلب أم «إعادة تكيّف»؟
في أيامنا الحالية، ربما كنا سنصف ما فعله هنريك كالمتر بأنه نوع من التجسس الصناعي. فقد كان هذا المسؤول في هيئة المناجم من بين مجموعة من السويديين الذين أُرسلوا إلى بريطانيا في القرن الثامن عشر لتعلم أكبر قدر ممكن عن الصناعات المحلية والعودة بتقارير عنها. وكانت بعض أهم المعلومات التي جمعها تتعلق بالرصاص، مثل مدى ربحية خام الرصاص عالي الجودة أو طرق تحويل الخام منخفض الجودة إلى سبائك نقية، وهي عملية كانت تتطلب الكثير من الطرق بالمطارق.
لطالما كان هذا المعدن متعدد الاستخدامات مطلوباً في كل شيء تقريباً، من الأنابيب إلى الدهانات. لكن الطلب عليه بدأ يتراجع عندما أصبحت أضرار التعرض للرصاص خطيرة إلى درجة لا يمكن تجاهلها. فقد كان الرسامون المحترفون يموتون بمعدلات غير اعتيادية، كما وجدت إحدى الدراسات أن عوادم السيارات الناتجة عن البنزين المحتوي على الرصاص ساهمت في زيادة معدلات الاكتئاب والقلق لدى أجيال متعاقبة.
استُهلك آخر مخزون من البنزين المحتوي على الرصاص في عام 2021، وبحلول عام 2024 كانت نحو نصف دول العالم قد فرضت قيوداً قانونية على استخدام الرصاص في الطلاء. لكن الطلب الذي اختفى من بعض الاستخدامات عاد للظهور في استخدامات أخرى. فقد ازداد استخدام الرصاص في البطاريات بصورة كبيرة، وهو ما أثار بدوره مخاوف صحية. ومن الصعب التخلي تماماً عن المواد التي تتمتع بدرجة عالية من الفائدة العملية.
وينطبق ذلك حتى عندما تكون البدائل متاحة. فقد أضاف العالم في العام الماضي رقماً قياسياً بلغ 800 غيغاواط من قدرات الطاقة المتجددة، لكن الطلب على النفط والغاز نما أيضاً. وقد وصفت أحدث نسخة من مؤشر تحول الطاقة الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الوضع بأنه «إضافة بدلاً من إحلال»، أي أن مصادر الطاقة الجديدة تُضاف إلى القديمة بدلاً من أن تحل محلها بالكامل.
كما أن تقييم حجم الانخفاض الأخير في الطلب على النفط ليس أمراً بسيطاً. فلا يزال هناك قدر من عدم الوضوح بشأن كميات النفط التي تخرج فعلياً عبر مضيق هرمز، سواء بصورة رسمية أو بطرق أخرى. وفي الوقت نفسه، منحت استثمارات الصين الكبيرة في الطاقة المتجددة ووسائل النقل الكهربائية اقتصادها قدراً لافتاً من المرونة خلال صدمة الإمدادات. وتمكنت الصين، رغم كونها من كبار مستوردي النفط، من الحد من شهيتها الكبيرة عادة للخام بطريقة وُصفت بأنها «إعادة تكيّف للطلب».
ومع ذلك، يبدو الاتجاه العام واضحاً بدرجة كافية. فهناك مجموعة واسعة من العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى تدمير الطلب وتكون فعالة في خفض الاستهلاك. ومن الطبيعي أن يبدأ الناس في الاعتماد بدرجة أقل على شيء ما كلما جعل حياتهم اليومية أكثر تكلفة وصعوبة.
وقبل نحو عقدين، اقترح مؤرخ مالي بريطاني أننا سنظل دائماً مدفوعين إلى إيجاد بدائل للأشياء التي نحتاج إليها بشدة. وبالمعنى العام لفكرته، حتى عندما اختفت الحيتان من المعادلة، استمرت المصابيح في الإضاءة. وهذه هي الطريقة التي تعمل بها الرأسمالية.
