- بحلول عام 2050، من المتوقع أن يتضاعف عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً حول العالم ليصل إلى أكثر من ملياري شخص، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.
- ومع استمرار بعض هؤلاء الأشخاص في العمل لفترات أطول، في إطار ما يُعرف بـ«الاقتصاد الفضي»، تتسبب مشكلات فقدان البصر غير المُعالجة في خسائر تتجاوز 411 مليار دولار سنوياً للاقتصاد العالمي نتيجة تراجع الإنتاجية.
- بدأت بعض الحكومات والشركات بالفعل في اتخاذ خطوات أكبر لحماية الصحة الحسية، ولا سيما صحة البصر، بما يسهم أيضاً في دعم الاقتصاد الفضي.
تشهد القوى العاملة العالمية ارتفاعاً في متوسط الأعمار في كل من الدول النامية والمتقدمة، نتيجة انخفاض معدلات المواليد وارتفاع متوسط العمر المتوقع. ونتيجة لذلك، أصبحت زيادة طول العمر محركاً اقتصادياً رئيسياً، وفقاً لمبادرة اقتصاد طول العمر التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي.
ومع اتجاه الحكومات حول العالم إلى رفع سن التقاعد استجابة لهذه التحولات الديموغرافية، يتشكل ما يُعرف بـ«الاقتصاد الفضي». ويقوم هذا النهج الاقتصادي على اعتبار الشيخوخة الصحية عاملاً داعماً للمشاركة في سوق العمل والابتكار والحفاظ على المعرفة والخبرات المؤسسية.
ومع إعادة قادة الأعمال تنظيم بيئات العمل بهدف الاحتفاظ بالموظفين ذوي الخبرة، غالباً ما يتم تجاهل أحد التحديات المهمة، وهو التراجع الطبيعي في القدرة البصرية المرتبط بالتقدم في العمر. ولكي ينجح الاقتصاد الفضي، يجب أن تنتقل العناية بالعيون من كونها مسؤولية طبية فردية إلى أولوية في الحوكمة المؤسسية والاستراتيجية الاقتصادية.
التحولات الديموغرافية واقتصاد طول العمر
على مدى عقود، افترضت النماذج الاقتصادية التقليدية أن معظم الناس سيتوقفون عن العمل عند سن الخامسة والستين تقريباً. إلا أن هذا الافتراض لم يعد صالحاً اليوم. فمن المتوقع أن يتضاعف عدد سكان العالم الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً بحلول عام 2050، ليصل إلى أكثر من ملياري شخص، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.
ويساعد الاحتفاظ بهؤلاء المهنيين ذوي الخبرة في الحفاظ على المعرفة الحيوية داخل القطاعات المختلفة، فضلاً عن الاستقرار العاطفي والقدرة على حل المشكلات المعقدة داخل المؤسسات.
لكن مع تقدم الجسم في العمر، تكون العينان من بين أول الأعضاء التي تظهر عليها آثار الشيخوخة، إذ يمكن أن تبدأ تغيرات قابلة للقياس في الوظائف البصرية بالظهور منذ منتصف العمر. ونظراً إلى أن البصر يشكل أساساً مهماً لتفاعل الإنسان مع محيطه وقدرته على أداء عمله، فإن حتى التراجع التدريجي في الرؤية يمكن أن يؤدي إلى آثار تتجاوز مجرد انخفاض وضوح النظر.
ومن دون رعاية استباقية لصحة العين، يمكن أن تتحول الآثار الجسدية لفقدان البصر إلى عائق خفي أمام مبادرات الشيخوخة الصحية.
أبرز مشكلات العين لدى الموظفين الأكبر سناً
في سن الأربعين تقريباً، يبدأ معظم الأشخاص في الإصابة بطول النظر الشيخوخي، وهو فقدان طبيعي تدريجي لقدرة العين على التركيز على الأشياء القريبة، مثل شاشات الكمبيوتر والنصوص الصغيرة والأجهزة المحمولة.
ولا تقتصر التحديات على صعوبة القراءة فقط، إذ يواجه المهنيون الأكبر سناً أيضاً خطراً متزايداً للإصابة بعدد من أمراض العيون الرئيسية. فبينما يجعل طول النظر الشيخوخي القراءة والتنقل عبر الوسائط الرقمية والعمل الذي يتطلب الانتباه إلى التفاصيل أكثر إرهاقاً، يؤدي إعتام عدسة العين إلى ضبابية الرؤية وانخفاض القدرة على تمييز التباين والشعور بعدم الراحة الشديد. وقد تصبح هذه المشكلة أكثر صعوبة تحت الإضاءة المكتبية القوية أو المباشرة.
أما الجلوكوما، أو الزَرَق، فهي حالة تؤدي إلى تلف العصب البصري وفقدان تدريجي للرؤية المحيطية. وغالباً ما تتطور لدى كبار السن من دون ألم أو أعراض تحذيرية واضحة إلى أن يحدث ضرر دائم.
كما يُعد التنكس البقعي المرتبط بالعمر أحد الأسباب الرئيسية لفقدان الرؤية المركزية، ما يجعل التعرف على الوجوه وقراءة النصوص التفصيلية وأداء المهام الدقيقة أكثر صعوبة.
وتكلف مشكلات فقدان البصر غير المُعالجة الاقتصاد العالمي ما يُقدّر بنحو 411 مليار دولار سنوياً نتيجة خسائر الإنتاجية، وفقاً لأبحاث عالمية في مجال الصحة. ويرتبط جزء كبير من هذه الخسائر بمشكلات بسيطة وقابلة للعلاج تتعلق بضعف الرؤية القريبة لدى العاملين.
كيف يؤثر ضعف البصر في الإنتاجية داخل مكان العمل
في بيئات العمل الحالية التي تعتمد بشكل كبير على الشاشات، يمكن أن تواجه أعين الموظفين الأكبر سناً صعوبة في تحمل الإجهاد الرقمي المستمر. كما يؤدي انخفاض إنتاج الدموع إلى زيادة احتمال الإصابة بجفاف العين المزمن، في حين تجعل التغيرات الطبيعية في حجم حدقة العين التكيف مع الإضاءة المنخفضة أو الاصطناعية القوية أكثر صعوبة.
وعندما يعاني الموظف من ضعف غير مصحح في البصر، تظهر الآثار الاقتصادية في عدة جوانب. فقد تتباطأ سرعة العمل وتزداد معدلات الأخطاء، لأن انخفاض وضوح الرؤية يؤثر بشكل مباشر في سرعة معالجة النصوص الرقمية ومراجعة الجداول المالية أو فحص المنتجات والبضائع.
كما يمكن أن يشعر الموظفون الذين يعانون من مشكلات بصرية بالإرهاق الجسدي والعقلي، لأن ضعف الرؤية يجبر الدماغ والجسم على بذل جهد أكبر. وقد يؤدي الميل المستمر إلى الأمام أو تضييق العينين لمحاولة الرؤية بشكل أفضل إلى آلام شديدة في الرقبة ومشكلات في وضعية الجسم وصداع بصري يومي.
ويمكن أن تؤدي جميع هذه المشكلات في النهاية إلى دفع الموظف نحو التقاعد المبكر.
كما قد يؤدي فقدان البصر خلال سنوات العمل إلى تغيير قرارات الأفراد المتعلقة بالاستمرار في الوظيفة أو التقاعد. فقد أظهرت أبحاث تابعت عاملين أصيبوا بفقدان البصر بين سن 44 و64 عاماً أن هذه المشكلة ارتبطت بزيادة احتمالات الخروج من سوق العمل.
وكان الأشخاص الذين غادروا سوق العمل أكثر عرضة للإبلاغ عن تقاعد غير طوعي وظروف مالية أقل ملاءمة.
وبالنسبة للموظفين الأكبر سناً، فإن اكتشاف التغيرات في البصر في وقت مبكر قد يكون عاملاً مهماً في مساعدتهم على البقاء في سوق العمل.
جعل صحة العين أولوية
يتطلب الاستفادة الكاملة من قيمة الكفاءات الأكبر سناً في الاقتصاد الفضي الاعتراف بالعناية بالعينين بوصفها جزءاً أساسياً من برامج الصحة في أماكن العمل، وكذلك من السياسات الاقتصادية الوطنية.
وقد بدأت بعض الجهات الحكومية والمؤسسات الصحية العالمية في تقديم نماذج عملية لكيفية تحقيق ذلك.
1. سياسات صحية مؤسسية وتغطية وقائية لصحة العين
بدأ بعض أصحاب العمل في تجاوز حدود التغطية الصحية الأساسية من خلال تنفيذ برامج منظمة للصحة البصرية المهنية.
وتوفر هذه النماذج فحوصات دورية وشاملة للعين، إلى جانب فحوص تشخيصية متقدمة للموظفين الذين تزيد أعمارهم على 40 عاماً.
ويمكن لهذه البرامج المساعدة في اكتشاف أمراض تهدد البصر، مثل الجلوكوما، قبل ظهور الأعراض بسنوات.
2. بيئات عمل أكثر شمولاً ومعايير رقمية ملائمة
تتطور معايير السلامة في مكان العمل لدعم الاحتياجات البصرية المرتبطة بالتقدم في العمر.
وتشمل هذه الإجراءات توفير إضاءة محيطية قابلة للتعديل، واستخدام إعدادات للشاشات تحد من الوهج، وإتاحة إمكانية تخصيص أحجام النصوص الافتراضية داخل برامج الشركات، إلى جانب تنظيم فترات استراحة بصرية قصيرة للحد من الإرهاق الذهني والبصري خلال ساعات العمل الطويلة.
3. سياسات حكومية للشيخوخة وسوق العمل
توفر أطر الرعاية المتكاملة لصحة العين استراتيجيات تساعد أنظمة الصحة العامة على إتاحة فحوص بصرية مجتمعية سهلة الوصول، إلى جانب توفير عدسات تصحيحية مدعومة.
ويمكن للحكومات التي تطبق هذه الاستراتيجيات مساعدة المواطنين الأكبر سناً على الاستمرار في سوق العمل من خلال دمج صحة العين في السياسات الوطنية للشيخوخة النشطة.
ومن شأن ذلك أن يضمن ألا يصبح ضعف الرؤية الوظيفية عائقاً مصطنعاً يمنع الأشخاص من الاستمرار في العمل والحصول على دخل.
حماية صحة العين وحماية الاقتصاد
سيعتمد مستقبل الاقتصاد العالمي على مدى قدرة المجتمعات والمؤسسات على دعم الموظفين الأكبر سناً ذوي الخبرة وتقديرهم والاحتفاظ بهم.
ولا يمكن أن يكون من المستدام تشجيع الناس على العمل لفترات أطول من حياتهم المهنية من دون حماية قدرتهم البصرية التي يحتاجون إليها لمواصلة أداء أعمالهم.
ومن خلال جعل الرعاية الروتينية وعالية الجودة لصحة العين ركناً أساسياً من أركان الاقتصاد الفضي، يمكن للقادة السياسيين وقادة الأعمال الحد من خسائر اقتصادية تُقدّر بمليارات الدولارات، ومساعدة المهنيين ذوي الخبرة على الاستمرار في مسيرتهم المهنية لفترة أطول، وضمان أن تعني زيادة طول العمر أيضاً حياة وعملًا بجودة أفضل.
