- يؤدي الارتفاع الحاد في أسعار شرائح الذاكرة، مدفوعاً بالطلب المتزايد المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إلى ظهور خطر ما يُعرف بـ«تضخم أسعار الرقائق».
- تعمل أكبر خمس شركات للذكاء الاصطناعي على زيادة إنفاقها على مراكز البيانات بشكل هائل، وهو ما يؤدي إلى ارتفاعات غير مباشرة في أسعار أجهزة مثل الحواسيب المحمولة والأجهزة اللوحية.
- لكن مع دفع الذكاء الاصطناعي لموجات جديدة من الابتكار والنمو، قد تؤدي هذه الأوضاع أيضاً إلى تسريع الابتكار في مجال نماذج الذكاء الاصطناعي الأصغر حجماً التي تحتاج إلى جزء بسيط فقط من القدرة الحاسوبية.
لطالما شكلت شرائح الذاكرة عنصراً أساسياً في مسيرة الابتكار التكنولوجي. ويُصنَّع عالمياً أكثر من تريليون شريحة كل عام لتشغيل كل شيء، بدءاً من الهواتف الذكية والسيارات الحديثة وصولاً إلى الأجهزة الطبية وأنظمة الدفاع الوطني.
ولا يوجد حالياً بديل عملي واسع الاستخدام لهذه الشرائح المصنوعة من السيليكون في الحوسبة الموجهة للسوق الشامل. وهذا يجعلها ضرورية للتقدم المستقبلي، كما يمنحها أهمية استراتيجية بالنسبة للشركات والاقتصادات.
لكن مع استمرار الطفرة في مجال الذكاء الاصطناعي، تتوقع أكبر خمس شركات أمريكية في هذا المجال إنفاق أكثر من 650 مليار دولار هذا العام، معظمها على مراكز البيانات، أي ما يقارب ضعف ما أنفقته في عام 2025. ويؤدي هذا الطلب الهائل إلى زيادة خطر ظهور ظاهرة تُعرف باسم «تضخم أسعار الرقائق».
ومع ذلك، قد يؤدي التعامل مع هذه المشكلة إلى تسريع التحول نحو استخدام قدرات حاسوبية أكثر كفاءة.
ما هو «تضخم أسعار الرقائق»؟
بعبارات بسيطة، يحدث تضخم أسعار الرقائق عندما تتوقف شرائح الذاكرة عن الانخفاض في السعر مع مرور الوقت، وتبدأ بدلاً من ذلك في أن تصبح أكثر تكلفة وأصعب في التوفر.
وقد حذرت أبحاث حديثة من أن آثار هذه الظاهرة بدأت تنتقل من مراكز البيانات إلى الاقتصاد الأوسع.
ومن أبرز العوامل الأساسية التي تقف وراء ذلك:
الاستثمار في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي: تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى أعداد ضخمة من الرقائق، ما يدفع شركات التكنولوجيا الكبرى إلى شراء كميات تفوق ما تستطيع الصناعة توفيره بسهولة.
إعطاء الأولوية للرقائق ذات هوامش الربح المرتفعة: يمكن أن تحقق رقائق الذكاء الاصطناعي هوامش ربح أعلى بكثير، ما يدفع بعض الشركات المصنعة إلى التركيز عليها بدلاً من الرقائق المستخدمة في المنتجات اليومية مثل الهواتف والحواسيب المحمولة والسيارات.
فترات التصنيع الطويلة: يستغرق بناء مصانع جديدة لأشباه الموصلات وتشغيلها عدة سنوات، وهو ما يخلق اختناقاً في الإمدادات لا يمكن معالجته بسرعة.
القيود التي تواجه سلاسل الإمداد: ما تزال التوترات الجيوسياسية وقيود التصدير وتشتت سلاسل الإمداد تحد من توفر المكونات وتدفع تكاليف الإنتاج إلى الارتفاع.
ما بعض آثار «تضخم أسعار الرقائق»؟
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها صناعة الرقائق ضغوطاً كبيرة. فقد أظهرت الاضطرابات التي حدثت خلال فترة جائحة كوفيد-19 مدى هشاشة سلاسل إمداد أشباه الموصلات أمام الصدمات المفاجئة، إذ أدت أزمة نقص الرقائق آنذاك إلى توقف خطوط إنتاج السيارات وارتفاع أسعار بعض السلع الاستهلاكية في السوق الثانوية إلى الضعف، مثل أجهزة ألعاب الفيديو.
ووصف الرئيس التنفيذي لشركة آبل، تيم كوك، الارتفاع الكبير في تكاليف الذاكرة بسبب الأزمة الحالية بأنه أشبه بـ«فيضان يحدث مرة كل مئة عام». وقال إنه لم يشهد شيئاً مماثلاً خلال أربعة عقود قضاها في هذا القطاع، في الوقت الذي تستهلك فيه مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من شرائح الذاكرة، مثل ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية المعروفة باسم DRAM.
وأعلنت شركته أنها سترفع أسعار أجهزة ماك بوك وآيباد، في إشارة إلى أن تكلفة عصر الذكاء الاصطناعي بدأت تنعكس بشكل مباشر على المستهلكين.
وتشير التقديرات إلى أن أسعار الذاكرة ارتفعت بنحو ستة أضعاف خلال العام الماضي، مع إعطاء الشركات المصنعة الأولوية لرقائق مراكز البيانات ذات هوامش الربح المرتفعة على حساب الرقائق المستخدمة في الأجهزة اليومية.
وما بدأ باعتباره اختناقاً في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبح ينتقل الآن إلى هوامش أرباح شركات الأجهزة، والقدرة على تحمل تكاليف المنتجات، وتكاليف الخدمات السحابية، والتضخم، والسياسات الاقتصادية.
واستجابت علامات تجارية من بينها سوني ومايكروسوفت ولينوفو برفع أسعار الحواسيب الشخصية وأجهزة الألعاب وغيرها من المنتجات، بينما قررت شركات أخرى تحمل جزء من الصدمة من خلال قبول هوامش ربح أقل.
وهذا يعني أن المستهلك قد يواجه ارتفاعاً مفاجئاً في الأسعار في المرة القادمة التي يحتاج فيها إلى استبدال حاسوبه المحمول أو هاتفه.
ويتوقع باحثون أن تتراجع شحنات الحواسيب الشخصية والهواتف الذكية عالمياً بشكل ملحوظ هذا العام، لأن الأسعار المرتفعة قد تثني المستهلكين عن الشراء وتدفعهم إلى الاحتفاظ بأجهزتهم لفترات أطول قبل استبدالها.
واستجابة لهذه الضغوط، تعمل شركات تصنيع الرقائق على زيادة قدراتها الإنتاجية، لكن ارتفاع تكلفة بناء مصانع جديدة وتعقيد هذه العملية يعنيان أن تحقيق انفراج ملموس قد يستغرق سنوات.
ويتوقع محللون استمرار قيود الإمدادات إلى مراحل متقدمة من النصف الثاني من هذا العقد، في ظل استمرار خوادم الذكاء الاصطناعي في استهلاك كميات ضخمة من شرائح الذاكرة، ما قد يبقي الأسعار مرتفعة.
ماذا قد يعني ذلك لمستقبل الذكاء الاصطناعي؟
يعني كل ذلك أن الرقائق أصبحت واحدة من أهم الأصول الاستراتيجية التي تحدد ملامح اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
ومع استمرار الحكومات وشركات التكنولوجيا في ضخ مئات المليارات من الدولارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لم تعد هذه الجهات تتنافس فقط فيما بينها، بل أصبحت أيضاً تتنافس مع بقية قطاعات الاقتصاد على الموارد المحدودة نفسها.
وقد يمثل ذلك اختباراً حقيقياً لثورة الذكاء الاصطناعي: هل يستطيع العالم بناء البنية التحتية اللازمة لتطوير نماذج أكثر ذكاءً باستمرار دون تحميل بقية الاقتصاد التكاليف المباشرة وغير المباشرة لهذه العملية؟
يدفع الذكاء الاصطناعي موجات جديدة من الابتكار والنمو، لكن تحقيق كامل إمكاناته يتطلب بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي وإدارتها بطريقة تعظم الفوائد وتقلل في الوقت نفسه المخاطر التي قد يتعرض لها الأفراد والمجتمع والبيئة.
وقد يشكل تضخم أسعار الرقائق ضغطاً على هذا الهدف، لأنه قد يؤدي إلى تركيز أقوى قدرات الذكاء الاصطناعي في أيدي عدد محدود من الشركات القادرة على تحمل تكلفة أغلى الرقائق.
لكن هذه الأزمة قد تخلق أيضاً فرصاً جديدة، من خلال دفع الابتكار باتجاه نماذج أصغر حجماً ومصممة لمهام محددة، تستطيع تحقيق أداء مرتفع باستخدام جزء بسيط من القدرة الحاسوبية التي تحتاج إليها النماذج العملاقة.
وقد طورت شركات مثل آبل ومايكروسوفت بالفعل نماذج لغوية صغيرة خلال الأشهر الأخيرة، في وقت تتزايد فيه التوقعات بأن عصر الاعتماد المستمر على النماذج العملاقة قد يقترب من نهايته.
ومن شأن هذا التحول أن يوفر فوائد مهمة من حيث خفض التكاليف وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، كما قد يساعد على توسيع نطاق الوصول إلى النماذج اللغوية وجعل تقنيات الذكاء الاصطناعي أكثر إتاحة لعدد أكبر من المؤسسات والمستخدمين.
