القائمة الرئيسية

ما المهارات التي ستمنح الإنسان أكبر قيمة في مستقبل تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

ما المهارات التي ستمنح الإنسان أكبر قيمة في مستقبل تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للمهارات البشرية مثل الحكم السليم، والتفكير النقدي، والإبداع، والفضول أن تصبح أكثر أهمية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، مستعرضةً تجربة النرويج في عدم التسرع بإدخال هذه التكنولوجيا إلى المدارس، ومسلطةً الضوء على سؤال جوهري: هل ينبغي لنا أتمتة كل ما نستطيع، أم حماية بعض التجارب والتحديات التي تساعد الإنسان على التعلم وبناء القدرات التي ستمنحه قيمة حقيقية في مستقبل تقوده الآلات؟

  • تثير الأساليب المختلفة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول كيفية إعداد الأفراد لمستقبل تقوده هذه التكنولوجيا.
  • من المهم أن تنظر الحكومات والشركات في كيفية تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على المهارات والخبرات التي يطورها الناس في المدارس وأماكن العمل.
  • مع اتساع نطاق الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي القوية، سيزداد الطلب على الحكم البشري السليم والأصالة والقدرة على التفكير المستقل.

أثار إعلان النرويج مؤخراً أنها اقتربت من فرض حظر شبه كامل على استخدام الذكاء الاصطناعي في مدارسها الابتدائية نقاشاً واسعاً حول دور هذه التكنولوجيا في التعليم. وبينما رحب معظم النرويجيين بهذه الخطوة، يرى آخرون أن تأخير تعرض الطلاب للذكاء الاصطناعي قد يجعلهم أقل استعداداً لمستقبل تقوده هذه التكنولوجيا.

وتتخذ دول أخرى نهجاً مختلفاً. فبولندا، على سبيل المثال، تعمل على إدخال مختبرات للذكاء الاصطناعي إلى المدارس الابتدائية والثانوية، بينما تدمج الإمارات العربية المتحدة الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية بدءاً من مرحلة رياض الأطفال.

وتثير هذه الاختلافات في النهج مجموعة من التساؤلات: هل يتطلب إعداد الأطفال لمستقبل تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي بالضرورة جعلهم يستخدمون التكنولوجيا في أقرب سن ممكنة؟ وماذا لو كانت بعض القدرات التي نحاول أتمتتها اليوم هي نفسها القدرات التي ستصبح الأكثر قيمة في عصر الذكاء الاصطناعي؟

النرويج تراهن على المدى الطويل

هذا التركيز على بناء القدرات طويلة الأمد بدلاً من تحقيق مكاسب قصيرة الأجل ليس أمراً غير معتاد في النرويج. فهو يعكس فلسفة أوسع تتبناها دول الشمال الأوروبي، وربما يتجلى ذلك بأوضح صورة في نهج النرويج تجاه الرياضة.

يقوم نظام الرياضة المخصص للشباب في النرويج على التنمية والتطور بدلاً من المنافسة المبكرة، مع التركيز على مفهوم «متعة الرياضة». وتحظى ممارسة النشاط البدني والشمول والاستمتاع بالرياضة بالأولوية على اكتشاف المواهب وتسريع الأداء في سن مبكرة قدر الإمكان.

وقد أسفر هذا النهج عن حصول النرويج على 41 ميدالية، من بينها 18 ميدالية ذهبية، في أحدث دورة للألعاب الأولمبية الشتوية. وبعد أشهر قليلة، وصل منتخب النرويج للرجال لكرة القدم إلى الدور ربع النهائي من كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، بعدما تمكن خلال مشواره من التغلب على البرازيل.

وبالطبع، لا توجد علاقة مباشرة وبسيطة بين استمتاع الأطفال بالرياضة والفوز بالميداليات الأولمبية. لكن الفلسفة الأساسية هنا تتمثل في عدم استعجال التطور سعياً إلى تحقيق نتيجة فورية.

وتطبق النرويج الآن مبدأً مشابهاً على استخدام الذكاء الاصطناعي، من خلال مقاومتها للضغوط الداعية إلى تسريع استخدام التكنولوجيا لمجرد أن هذه التكنولوجيا تجعل ذلك ممكناً.

كيف تعزز القدرات البشرية قيمة الذكاء الاصطناعي

عندما يتعلق الأمر بعالم الأعمال، يمكن تفهم هذه الضغوط. فالذكاء الاصطناعي قادر على إنجاز الأعمال بسرعة أكبر، وتحليل كميات أكبر من البيانات، وتوليد الأفكار، وتولي العديد من المهام الروتينية والمملة التي تشغل جزءاً كبيراً من أيام العمل. ومع إنفاق المؤسسات مبالغ كبيرة على التكنولوجيا التي تتيح هذه الإمكانات، فمن الطبيعي أن ترغب في تحقيق عائد على استثماراتها.

لكن هناك مشكلة في افتراض أن زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي ستؤدي تلقائياً إلى خلق ميزة ملموسة.

فالوصول إلى هذه القدرات أصبح أكثر انتشاراً، ولم تعد القيمة التي تقدمها واضحة ومباشرة كما كانت من قبل. إذ سيكون لدى منافسي أي مؤسسة إمكانية الوصول إلى نماذج متشابهة، وقدرات حوسبة مماثلة، وقدر كبير من الذكاء الأساسي نفسه. وبالتالي، فإن مجرد امتلاك الذكاء الاصطناعي لن يجعل المؤسسة مختلفة عن غيرها.

أما العامل الذي قد يصنع الفارق فعلاً، فهو جودة الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي.

ستصبح القدرة على إصدار الأحكام، والتفكير النقدي، والإبداع، والفضول، والربط بين أشياء تبدو غير مترابطة، كلها مهارات بالغة الأهمية في مستقبل تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي. وهذه القدرات لا يكتسبها الإنسان فجأة بمجرد وصوله إلى مستوى معين من السلطة أو المسؤولية، بل تتطور من خلال ممارسة العمل نفسه.

يتعلم الناس القدرة على إصدار الأحكام من خلال اتخاذ بعض القرارات السيئة. ويتطور التفكير النقدي من خلال التعامل مع المشكلات المعقدة ومحاولة حلها. وفي جوهر الإبداع نجد التجريب والفشل واستلهام الأفكار من العالم المحيط بنا، وأحياناً الاستمرار في التمسك بفكرة حتى عندما يعتقد الجميع من حولنا أنها فكرة سيئة.

قد يبدو كثير من هذه العمليات غير فعّال، لكن ذلك يشكل جزءاً من قيمتها. فالذكاء الاصطناعي قادر على إزالة كثير من هذا الاحتكاك والصعوبة، لكن إذا أدى ذلك أيضاً إلى إزالة التجارب التي تساعد الناس على التعلم، فقد تصبح القوى العاملة الحالية أكثر إنتاجية على حساب التطور الكامل لقدرات القوى العاملة المستقبلية.

وبالعودة إلى سياسة النرويج المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس، فإن السؤال المثير للاهتمام ليس في الحقيقة ما إذا كان ينبغي لطفل يبلغ من العمر عشر سنوات استخدام ChatGPT، بل ما الذي نريد لهذا الطفل أن يتقنه عندما يدخل سوق العمل مستقبلاً.

وهذا يتطلب شيئاً لا تتقنه كثير من الشركات دائماً: الصبر.

ما الذي يتركه الذكاء الاصطناعي وراءه؟

من المسلم به أن الصبر ليس فكرة يسهل إقناع قادة الأعمال بها في الوقت الراهن. فهم يتعاملون مع حالة من عدم اليقين الجيوسياسي، وضغوط اقتصادية، واضطرابات تكنولوجية متسارعة. ولا تريد أي شركة أن تكون هي التي انتظرت بينما تقدم جميع منافسيها إلى الأمام.

لكن النرويج لا ترفض التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي، ولا ينبغي للشركات أن تفعل ذلك أيضاً. فجوهر سياسة النرويج تجاه الذكاء الاصطناعي في المدارس يتمثل في معضلة ما الذي سيحدث للناس عندما تُسند إلى الآلات نسبة متزايدة من الأعمال التي كانوا يتعلمون من خلالها في السابق.

لقد اكتسب معظمنا خبراته في المراحل الأولى من حياتنا المهنية من خلال البحث في موضوعات لم نكن نفهمها، وكتابة مسودات أولية سيئة، وارتكاب الأخطاء، ومشاهدة زملاء أكثر خبرة وهم ينتقدون أعمالنا ويحللونها، قبل أن نحاول من جديد. واليوم، يمكن للذكاء الاصطناعي إنجاز كثير من هذه الأعمال خلال ثوانٍ، بدلاً من أن تشكل هذه المهام وسيلة يتعلم من خلالها الأشخاص بالممارسة.

وإذا قامت المؤسسات بأتمتة قدر مفرط من هذه التجارب، فإنها تخاطر بخلق نوع غريب من مفارقة الإنتاجية، حيث يجري إنتاج المزيد من الأعمال بسرعة أكبر من أي وقت مضى، في الوقت الذي يحصل فيه عدد أقل من الأشخاص على فرصة تطوير القدرة على إصدار الأحكام أو التفكير النقدي اللازمين لمعرفة ما إذا كانت هذه المخرجات جيدة بالفعل.

لذلك، بدلاً من السؤال عن حجم التكنولوجيا التي يجري نشرها، ينبغي للقادة أن يسألوا عن أثر ذلك على قدرات موظفيهم.

هل يصبح الناس أكثر فضولاً، أم أكثر اعتماداً على الآلات؟ هل يطورون قدرتهم على إصدار الأحكام، أم يفقدون الاحتكاك والتحديات التي تسهم في بناء هذه القدرة؟ تحتاج المؤسسات إلى تحديد المجالات التي ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي فيها، والمجالات التي ينبغي أن يظل البشر مشاركين فيها بفاعلية، والمواقف التي يستحق فيها الحفاظ على قدر معين من التحدي والصعوبة المنتجة.

وقد لا تكون المؤسسات الأكثر تقدماً في نهاية المطاف هي المؤسسات التي تؤتمت أكبر قدر من الأعمال، بل تلك التي تتعامل بقدر أكبر من الوعي والتروي مع تحديد ما ينبغي أتمتته من الأساس.

الرهان طويل الأمد في استخدام الذكاء الاصطناعي

استغرق تطوير النموذج الرياضي النرويجي عقوداً، وشهد طوال هذه الفترة تعديلات وتغييرات متواصلة. كما سيستغرق الأمر سنوات أيضاً قبل أن نعرف ما إذا كان نهج النرويج تجاه الذكاء الاصطناعي قد حقق النجاح المرجو.

لكن لا ينبغي النظر إلى الأمر باعتباره خياراً ثنائياً بين الذكاء الاصطناعي والبشر. فمع اتساع نطاق الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي القوية، ستصبح القدرة على إصدار الأحكام والأصالة أكثر قيمة. كما ستزداد قيمة الأشخاص المستعدين للتشكيك في الإجابات ومراجعتها بدلاً من قبول ما يخبرهم به الذكاء الاصطناعي بشكل تلقائي.

والدرس الذي يمكن استخلاصه من تجربة النرويج هو أن تطوير هذه القدرات يتطلب الصبر. ولن يفوز في سباق الذكاء الاصطناعي أولئك الذين يطبقونه بأسرع وتيرة، بل أولئك الذين ينجحون في تطوير أشخاص يعرفون أفضل الطرق لاستخدامه عندما يصبح الذكاء الاصطناعي متاحاً للجميع.

المصدر

مقالات ذات صلة