القائمة الرئيسية

أهم البيانات التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي هي نفسها التي نحرص على حمايتها أكثر من غيرها

أهم البيانات التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي هي نفسها التي نحرص على حمايتها أكثر من غيرها
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة المفارقة الأساسية التي تواجه الذكاء الاصطناعي اليوم: فالبيانات الحقيقية والحديثة التي يحتاجها لتحقيق أعلى مستويات الدقة هي نفسها الأكثر حساسية وصعوبة في الوصول إليها. وتوضح حدود البيانات الاصطناعية في القرارات المهمة، وكيف يمكن لتقنيات تعزيز الخصوصية أن تفتح الباب أمام الاستفادة الآمنة من البيانات الواقعية من دون كشفها، بما قد يجعل الذكاء الاصطناعي أكثر دقة وشمولاً مع الحفاظ على خصوصية الأفراد.

  • يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى بيانات حديثة ودقيقة وممثلة للواقع، لكن هذه البيانات هي أيضاً الأكثر حساسية والأشد خضوعاً للتنظيم.
  • يمكن للبيانات الاصطناعية أن تساعد في تدريب النماذج، لكن البيانات الحقيقية تظل ضرورية لبناء نماذج دقيقة واتخاذ قرارات تتعلق بالأفراد.
  • تتيح تقنيات تعزيز الخصوصية للمؤسسات الاستفادة من البيانات الحقيقية والتعلم منها من دون كشفها أو تبادلها.

مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات التمويل والرعاية الصحية ومكافحة الاحتيال، لم يعد النقاش يتمحور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمتلك ما يكفي من البيانات، بل حول ما إذا كان يمتلك البيانات المناسبة.

تساعد النماذج الجيدة جهات الإقراض على تقييم الأشخاص الذين لا يملكون تاريخاً ائتمانياً، كما تمكّن البنوك من اكتشاف الاحتيال في وقت مبكر، وتساعد مقدمي الرعاية الصحية على تحديد المخاطر بصورة أسرع. لكن جودة نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد في النهاية على جودة البيانات التي تتعلم منها. وأفضل البيانات هي تلك التي تكون حديثة ودقيقة وممثلة للواقع. غير أن التحدي يكمن في أن هذه البيانات غالباً ما تكون أيضاً الأكثر حساسية.

الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بيانات أكثر ثراءً وحداثة

غالباً ما تكون البيانات المفيدة مجزأة وحساسة وموزعة بين مؤسسات مختلفة. فقد يفهم البنك سلوك العملاء في سداد الديون، بينما يعرف متجر التجزئة أنماط إنفاق الأسر، وتمتلك شركة الاتصالات معلومات عن الوصول إلى الخدمات الرقمية. لكن كل جهة لا ترى سوى جزء محدود من حياة أي فرد.

وتكمن قيمة هذه البيانات بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي في العلاقات التي تربط بين تلك الإشارات المختلفة. فعندما تُدمج هذه البيانات بطريقة آمنة، يمكنها الكشف عن القدرة المالية على الصمود، أو مواطن الضعف، أو مخاطر الاحتيال، أو الاحتياجات غير الملباة، بدقة أكبر مما يمكن لأي مجموعة بيانات منفردة تحقيقه.

كما أن حداثة البيانات عامل بالغ الأهمية. فالسلوكيات والظروف الاقتصادية وأساليب الاحتيال تتغير باستمرار، والنماذج التي تُدرَّب على معلومات قديمة تتخذ قرارات استناداً إلى عالم تغيّر بالفعل.

البيانات التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي أكثر من غيرها هي الأصعب في الوصول إليها

تبدأ الصعوبة الحقيقية عند محاولة دمج مجموعات البيانات المختلفة بطريقة تجعلها قابلة للاستخدام. فالبيانات المالية يمكن أن تكشف عن الدخل والديون ومواطن الضعف المالي. وبيانات الرعاية الصحية قد تكشف عن التاريخ الطبي. أما بيانات تجارة التجزئة والاتصالات فتوضح السلوكيات والتفضيلات اليومية.

وهذه الحساسية تحديداً هي السبب في عدم إمكانية مشاركة البيانات الحقيقية بحرية، حتى عندما يكون الغرض من استخدامها ذا قيمة. فما تزال معظم سلاسل توريد البيانات تعتمد على نسخ البيانات ونقلها عبر أنظمة تابعة لأطراف خارجية، حيث يمكن أن يحدث اختراق أمني، أو قد تُستخدم البيانات التي جُمعت لغرض معين لاحقاً لغرض آخر. والمشكلة الأساسية هي أنه بمجرد مشاركة البيانات، يصبح من الصعب للغاية التراجع عن تلك المشاركة.

كما تفرض القواعد التنظيمية قيوداً إضافية. فمبادئ تقييد الغرض وتقليل جمع البيانات تعني أن البيانات التي جُمعت لغرض معين لا يمكن، بوجه عام، إعادة استخدامها لغرض آخر، مهما كانت الفائدة المحتملة من ذلك. ولا يعود هذا العائق إلى الإهمال؛ فالمؤسسات المسؤولة تصل، وعن حق، إلى استنتاج مفاده أن مخاطر نقل البيانات الحساسة فيما بينها قد تفوق المنافع المتوقعة.

هل تستطيع البيانات الاصطناعية حل المشكلة؟

تبدو البيانات الاصطناعية، وهي بيانات يتم إنشاؤها بصورة مصطنعة بهدف محاكاة الأنماط الموجودة في مجموعات البيانات الواقعية، حلاً منطقياً لهذه المشكلة. فإذا لم تكن البيانات حقيقية، فقد يبدو من الطبيعي أن تختفي معها مشكلة الخصوصية. والحقيقة أن للبيانات الاصطناعية دوراً مهماً بالفعل في اختبار الأنظمة، واستكشاف السيناريوهات المختلفة، واختبار قدرة الأنظمة على التعامل مع الحالات النادرة أو المتطرفة، لكنها لا تستطيع وحدها تحمّل كامل متطلبات تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تنطوي على قرارات عالية الأهمية.

فالبيانات الاصطناعية لا تعيد إنتاج سوى ما هو معروف بالفعل، وقد لا تتمكن من التقاط السلوكيات الناشئة أو الارتباطات غير المتوقعة أو الخصائص الدقيقة الموجودة في البيانات الحية ولكنها غير موجودة ضمن الافتراضات التي استُخدمت في توليد البيانات الاصطناعية. ولا يمكنها ابتكار ما لم يكن موجوداً أصلاً.

كما أن البيانات الاصطناعية تُنشأ انطلاقاً من بيانات حقيقية، ولذلك فعندما تكون البيانات الحقيقية محدودة أو ناقصة في جوانب معينة، ستكون البيانات الاصطناعية محدودة في الجوانب نفسها، حتى وإن لم يظهر ذلك بوضوح. وبذلك تنتقل الفجوات والتحيزات الموجودة في البيانات الأصلية إلى البيانات الاصطناعية.

إضافة إلى ذلك، فإن تدريب النموذج ليس هو نفسه اتخاذ القرار. فحتى النموذج الذي تم تدريبه بالكامل باستخدام بيانات اصطناعية سيحتاج، عند لحظة اتخاذ القرار، إلى تقييم متقدم للحصول على قرض، أو معاملة مالية، أو مريض حقيقي.

وقد اقترحت وزارة المالية الاتحادية في ألمانيا، بحسب تقارير، السماح للسلطات الضريبية باستخدام بيانات حقيقية وغير معدلة لدافعي الضرائب في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، بحجة أن البيانات الوهمية لم تكن فعالة. وفي المقابل، أثار منتقدون مخاوف تتعلق بالخصوصية واحتمال توسع استخدام البيانات تدريجياً لأغراض تتجاوز الغرض الأصلي.

ويتوقف الاختيار بين استخدام البيانات الاصطناعية أو البيانات الحقيقية في النهاية على طبيعة حالة الاستخدام. لكن عندما تكون هناك حاجة إلى دقة عالية في القرارات الأكثر أهمية، تصبح البيانات الحقيقية عاملاً أساسياً.

تقنيات تعزيز الخصوصية توفر طريقة أكثر أماناً لاستخدام البيانات الحقيقية

تقنيات تعزيز الخصوصية هي مجموعة من التقنيات التي تتيح تحليل البيانات من دون الحاجة إلى تبادل البيانات الحساسة أو كشفها.

وتتم مطابقة السجلات باستخدام معرّفات مشفّرة أو محوّلة إلى رموز، بحيث تستطيع مؤسستان تحديد العملاء المشتركين بينهما من دون أن تتمكن أي منهما من معرفة هوية عملاء المؤسسة الأخرى.

بعد ذلك، يجري التحليل داخل بيئة محايدة، حيث لا تكون السجلات الخام مرئية للطرف الآخر أو حتى للجهة المشغلة للبيئة. ولا يغادر هذه البيئة سوى النتائج، مثل الرؤى المجمعة، أو الخصائص المستخدمة في النماذج، أو درجة تقييم خاصة بقرار فردي واحد.

ولا تلغي تقنيات تعزيز الخصوصية الحاجة إلى الحصول على الموافقة أو إلى المساءلة والامتثال للقوانين واللوائح. لكنها تعالج العقبة الأساسية التي تحول دون التعاون في استخدام البيانات الواقعية.

كيف يبدو ذلك في الممارسة العملية؟

تُستخدم تقنيات تعزيز الخصوصية بالفعل في الوقت الحالي لمعالجة مشكلة تحليل البيانات الحساسة. ففي جنوب أفريقيا، اختبر أكبر متجر تجزئة للبقالة في القارة، بالتعاون مع مجموعة من البنوك الرائدة في البلاد، ما إذا كان سلوك التسوق لشراء المواد الغذائية يمكن أن يساعد في التنبؤ بالجدارة الائتمانية، وذلك من دون مشاركة بيانات المستهلكين بين الأطراف المعنية.

وجرت مطابقة مجموعات البيانات مجهولة الهوية والمحوّلة إلى رموز داخل بيئة تحافظ على الخصوصية، ثم دُرّبت النماذج باستخدام البيانات المجمعة.

وتم تقييم ثمانية ملايين شخص لم يكن لديهم في السابق سجل ائتماني واضح، وتبيّن أن 3.2 ملايين منهم مؤهلون للحصول على ائتمان بتكلفة ميسورة، رغم أنهم كانوا سيُرفضون في الظروف التقليدية. كما أظهرت النماذج التي استخدمت بيانات التسوق المتعلقة بالبقالة تحسناً في الدقة بنسبة 41%.

ولم يكن ذلك ممكناً إلا لأن المؤسسات المالية استطاعت الوصول إلى بيانات مجهولة الهوية حول مشتريات البقالة من خلال تقنيات تعزيز الخصوصية. فلم يكن أي من الأدلة المستخدمة موجوداً في سجلات أي بنك، كما لم يكن من الممكن لأي عملية تعتمد على البيانات الاصطناعية أن تنتج تلك المعلومات، لأن المؤسسات التي كانت تتخذ القرارات لم يسبق لها أن رصدت ذلك السلوك.

كانت البيانات موجودة بالفعل، لكنها ظلت بعيدة المنال بسبب مخاوف مبررة تتعلق بالخصوصية.

العقبة التي تواجه الذكاء الاصطناعي في مجال البيانات لم تعد تقنية

تباطأ اعتماد تقنيات تعزيز الخصوصية بسبب ارتفاع التكلفة وتعقيد تطبيقها وغياب المعايير المشتركة. غير أن هذه العوائق بدأت تتراجع مع نضوج التقنيات وتزايد وضوح الإرشادات التنظيمية.

ولا تقتصر أهمية تقنيات تعزيز الخصوصية على جعل الوصول إلى البيانات الحالية والتعاون بشأنها أكثر أماناً، بل إنها توسّع أيضاً نطاق البيانات التي يمكن استخدامها من الأساس، ولا سيما في المجالات التي تكون فيها نماذج الذكاء الاصطناعي أضعف أداءً، مثل المستهلكين ذوي السجلات الائتمانية المحدودة، وأنماط الاحتيال الناشئة، وفئات المرضى التي لا تحظى بخدمات كافية.

إن تحسين الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على تطوير خوارزميات أفضل أو بناء نماذج أكبر حجماً. بل يعتمد أيضاً على إمكانية الوصول إلى بيانات حقيقية وحديثة وممثلة للواقع حول الأفراد، من دون مطالبتهم بالتخلي عن خصوصيتهم.

وتوفر تقنيات تعزيز الخصوصية الوسيلة التي تجعل تحقيق هذين الهدفين ممكناً في الوقت نفسه.

المصدر

مقالات ذات صلة