- شهد اعتماد الذكاء الاصطناعي انتشاراً واسعاً حول العالم، إلا أن مكاسب إنتاجية العمل على مستوى الشركات لا تزال محدودة إلى حد كبير.
- لا تتحقق القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات بمجرد شراء تراخيص البرمجيات، بل من خلال إعادة تصميم سير العمل.
- يتطلب النجاح على المدى الطويل قدرات إدارية أقوى وانضباطاً أكبر في قياس النتائج المالية.
لم يعد دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئة العمل مجرد تصور مستقبلي، بل أصبح واقعاً قائماً اليوم. ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفت الانتباه في بيانات عام 2026 ليس إحصائية تتعلق بالإنتاجية، بل ما يمكن وصفه بـ"مفارقة الإنتاجية": فقد ارتفع اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة، في حين بقيت إنتاجية العمل على نطاق الشركات مستقرة إلى حد كبير، باستثناء عدد محدود من القطاعات المتخصصة. ولهذا السبب تحديداً تستحق هذه المفارقة الاهتمام الآن، كما أن الإجابة الصريحة عن السؤال المتعلق بما إذا كانت هذه التكنولوجيا قد أوفت فعلاً بوعودها هي: ليس بعد.
لم يعد حجم التأثير موضع شك
لنبدأ بما أصبح محسومًا. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف ما يصل إلى 15.7 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030. ويعادل ذلك ارتفاعاً بنحو 14% في حجم الاقتصاد العالمي مقارنة بعالم لا يستخدم الذكاء الاصطناعي، على أن تأتي هذه الزيادة من مزيج من مكاسب الإنتاجية والطلب الاستهلاكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
وعلى مستوى سوق العمل، تشير التوقعات إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة المعلومات ستؤثر في الغالبية العظمى من الشركات بحلول عام 2030، مع إمكانية إزاحة 92 مليون وظيفة مقابل إنشاء 170 مليون وظيفة جديدة. ورغم أن المحصلة النهائية إيجابية، فإن هذا التحول يتطلب تغير نحو 40% من المهارات الأساسية المطلوبة في الوظائف.
ولا تقل أرقام الأتمتة أهمية، وإن كانت تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة مما تحظى به عادة. فقد أظهرت الأبحاث أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع نسبة ساعات العمل القابلة للأتمتة في الاقتصاد الأمريكي من 21.5% إلى نحو 30% بحلول عام 2030. وتضع دراسات مماثلة النسبة العالمية عند مستويات أقل، لكن الاتجاه في جميع الأسواق يبقى واحداً: مزيد من الأتمتة، وبوتيرة أسرع مما كانت تتوقعه التقديرات السابقة.
المرحلة المقلقة: اعتماد الذكاء الاصطناعي دون تحول حقيقي
لكننا نعود هنا إلى المفارقة الأساسية. فقد أظهر مسح أُجري عام 2026 وشمل قرابة 6,000 مدير مالي ورئيس تنفيذي ومسؤول تنفيذي رفيع في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وأستراليا، أن نحو ثلثي الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل فعلي، إلا أن قرابة 89% منها لم تسجل أي تحسن قابل للقياس في إنتاجية العمل خلال السنوات الثلاث الماضية.
وفي دراسات أخرى تناولت مئات مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، تبين أن نحو 5% فقط من المشاريع التجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي تنجح في الوصول إلى أثر مالي قابل للقياس. ولا يعود ذلك إلى ضعف النماذج نفسها، بل إلى أن معظم أدوات الشركات وسير العمل فيها لا تحتفظ بالتغذية الراجعة ولا تتكيف مع السياق بدرجة كافية تسمح لها بالانتقال من المرحلة التجريبية إلى الاستخدام الفعلي واسع النطاق.
وفي الوقت نفسه، لا ينتظر الموظفون مؤسساتهم حتى تلحق بالركب. فقد ظهر ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الذكاء الاصطناعي الموازي"، حيث تستخدم أعداد كبيرة من الموظفين أدوات ذكاء اصطناعي شخصية وغير معتمدة رسمياً لإنجاز مهامهم الوظيفية، وغالباً ما يحصلون منها على قيمة أكبر من الأدوات التي وفرتها شركاتهم بصورة رسمية.
ورغم الاستثمارات القياسية في الذكاء الاصطناعي، تُظهر بيانات عام 2026 أن مستوى تفاعل الموظفين وانخراطهم في العمل بقي شبه مستقر مقارنة بالعام السابق. كما تشير البيانات بوضوح إلى أن مجرد توفير أدوات الذكاء الاصطناعي لا يحسن تجربة الموظفين ولا يضر بها بالضرورة. ما يصنع الفارق فعلياً هو ما إذا كان القادة يقدمون هذه التكنولوجيا بتوقعات واضحة، وخطط تطبيق حقيقية، ودعم فعلي من المديرين.
الفجوة تظهر على جميع المستويات
قد يكون من السهل اعتبار هذه المشكلة مقتصرة على الشركات العملاقة، باعتبارها نتيجة طبيعية لصعوبة تغيير طريقة عمل مؤسسة تضم 50 ألف موظف. لكن النمط نفسه يظهر أيضاً لدى الشركات الصغيرة التي تعاني بدرجة أقل بكثير من البيروقراطية.
فقد أظهر استطلاع أُجري عام 2026 على شبكة تضم 10,000 شركة صغيرة أن 76% من أصحاب هذه الشركات يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل، وأن النتائج لدى المستخدمين قوية بالفعل: 93% منهم أفادوا بتأثير إيجابي، و84% تحدثوا عن مكاسب في الكفاءة والإنتاجية، فيما يتوقع 67% أن يساعد الذكاء الاصطناعي على زيادة الإيرادات.
ومع ذلك، لا يقول سوى 14% منهم إنهم دمجوا الذكاء الاصطناعي بصورة كاملة في عملياتهم الأساسية، وهي فجوة تشبه إلى حد كبير الفارق الموجود لدى المؤسسات الكبرى بين مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي وتحقيق أثر قابل للقياس منه.
أما العقبات التي يذكرها أصحاب الشركات الصغيرة فهي عملية أكثر منها فكرية: مخاوف تتعلق بخصوصية البيانات لدى 50% منهم، ونقص الخبرة التقنية لدى 49%، وصعوبة اختيار الأدوات المناسبة من بين العدد الهائل المتاح في السوق لدى 48%. كما يقول 73% منهم إنهم سيستفيدون من مزيد من التدريب والدعم المنظم.
ويمكن ملاحظة طبيعة هذه الفجوة بوضوح من خلال بعض الحالات الفردية. فعلى سبيل المثال، بدأ مدرس مقيم في لندن باستخدام أداة للذكاء الاصطناعي كطبقة سكرتارية داخل عمله، حيث تقوم بتلخيص جلسات العملاء، وصياغة الفواتير، وتحويل الأهداف العامة وغير المحددة إلى خطوات عملية واضحة، ما وفر له ساعات كان يقضيها سابقاً في الأعمال الإدارية.
وفي حالة أخرى، استخدم متجر متخصص في أعمال خياطة اللحف بولاية أريزونا أداة ذكاء اصطناعي مخصصة لقطاعه من أجل كتابة أوصاف المخزون وتحديد الأسعار، ما أدى إلى تقليص الوقت المطلوب لإدراج المنتجات بنسبة تراوحت بين 60% و80%.
هذه الأمثلة لا تمثل إعادة ابتكار جذرية لنماذج الأعمال، وإنما أتمتة محددة النطاق أُضيفت إلى سير العمل القائم بالفعل. ويتضح أن هذه الاستخدامات هي تحديداً المجال الذي يقدم فيه الذكاء الاصطناعي القيمة الأكثر موثوقية، بصرف النظر عن حجم المؤسسة. وهي أيضاً ما لم تنجح معظم الشركات الكبرى بعد في تطبيقه بشكل منهجي.
ما الذي يتغير بالنسبة إلى القادة؟
هذا الواقع يعيد صياغة السؤال المطروح أمام القادة. فالمهمة التي يواجهها التنفيذيون ليست الإجابة عن سؤال: "أي أداة ذكاء اصطناعي ينبغي أن نشتري؟"، بل هي أقرب إلى التحديات التي فرضتها موجات سابقة من التغير التكنولوجي: إعادة تصميم طريقة اتخاذ القرارات، بدلاً من مجرد إضافة برامج جديدة فوق العمليات القديمة.
فعندما يتمكن الذكاء الاصطناعي من إعداد تقرير أو تلخيص البيانات أو رصد حالة غير طبيعية، تنتقل القيمة المميزة للمدير بصورة أكبر نحو حسن التقدير والحكم: معرفة المخرجات التي يمكن الوثوق بها، وتلك التي يجب التدقيق فيها، والقرارات التي تتطلب فعلاً مساءلة بشرية. وهذه مهارة تختلف عن تلك التي بُنيت حولها غالبية برامج التدريب الإداري التقليدية.
كما يغير ذلك الطريقة التي يقيس بها القادة الإنتاجية. فقد تبين أن المسؤولين التنفيذيين الذين حققوا مكاسب حقيقية تمكنوا من ذلك من خلال إعادة تصميم عمليات محددة وواضحة النطاق حول الذكاء الاصطناعي، بدلاً من إضافة أدوات جديدة إلى عمليات قديمة.
وتتركز المكاسب القابلة للقياس في المهام التي تكون فيها الإجابة الصحيحة واضحة نسبياً ويسهل التحقق منها، مثل خدمة العملاء وتطوير البرمجيات وإعداد المسودات المنظمة. في المقابل، تنخفض المكاسب بصورة ملحوظة في الأعمال التي تعتمد على الأحكام المفتوحة والمعقدة. أما القادة الذين لا يميزون بين هاتين الفئتين، فينتهي بهم الأمر إما إلى إطلاق وعود مبالغ فيها أو، بشكل متزايد، إلى التوقف بهدوء عن قياس النتائج من الأساس.
ثلاثة أمور تحتاج المؤسسات فعلاً إلى القيام بها
لسد الفجوة بين اعتماد الذكاء الاصطناعي وتحقيق أثر حقيقي منه، يحتاج القادة إلى التحول من التركيز على شراء التكنولوجيا إلى تغيير الطريقة التي يُنجز بها العمل. وهناك ثلاث أولويات رئيسية تبرز في هذا السياق.
أولاً، يجب التعامل مع اعتماد الذكاء الاصطناعي باعتباره مسألة تتعلق بتصميم المؤسسة، وليس مجرد قرار شراء. فشراء التراخيص لا يعني إعادة تصميم سير العمل، وتشير البيانات بوضوح إلى أن القيمة الحقيقية تكمن في إعادة التصميم وليس في امتلاك الأدوات فقط.
ثانياً، ينبغي الاستثمار في قدرات المديرين قبل منح الموظفين إمكانية الوصول إلى الأدوات، أو على الأقل بالتوازي مع ذلك. فبما أن مستوى تفاعل الموظفين يرتبط بسلوك القيادة أكثر من ارتباطه بتوفر التكنولوجيا، فإن عنق الزجاجة في كثير من الأحيان لا يكون البرنامج نفسه.
ثالثاً، يجب بناء انضباط حقيقي في القياس. فما زال ثلثا المؤسسات تقريباً يعتمدون على تقديرات مثل "الوقت الذي تم توفيره" بدلاً من قياس النتائج المالية الفعلية لتقييم العائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن معظم المؤسسات لا تستطيع في الواقع معرفة ما إذا كانت استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تحقق النتائج المرجوة أم لا.
معالجة هذه المشكلة قد لا تبدو الجانب الأكثر إثارة، لكنها تمثل الشرط الأساسي لكل ما يأتي بعدها.
لم ينتظر الذكاء الاصطناعي إذناً من أحد لكي يغير بيئة العمل، بل بدأ بالفعل في تغييرها. والخيار الحقيقي الوحيد المتبقي أمام المؤسسات هو ما إذا كانت ستعيد تصميم نفسها بصورة واعية ومقصودة، أم ستترك التحولات الخارجية تعيد تصميمها بشكل تلقائي.
