- يتطور مشهد التهديدات السيبرانية العالمي بسرعة، ويزداد ترابطاً، لا سيما مع استمرار تقدم الذكاء الاصطناعي.
- في مجال الدفاع السيبراني، لا يعني وجود عدد أكبر من الحلول بالضرورة مستوى أعلى من الأمن، بل غالباً ما يؤدي إلى مزيد من التعقيد.
- في المقابل، تستطيع المؤسسات التي تعتمد قدرات دفاعية مترابطة الحد من التجزؤ وتعزيز قدرتها على الصمود في بيئة سريعة التغير.
لم تعد المخاطر السيبرانية مجرد مخاطر تقنية، بل أصبحت اليوم من مخاطر الأعمال التي تستوجب اهتمام مجالس الإدارة. واستجابة لذلك، خصصت العديد من المؤسسات خلال السنوات الأخيرة ميزانيات أكبر، وأنشأت مراكز للعمليات الأمنية، وطورت وظائف للاستجابة للحوادث، واستثمرت في قدرات استخبارات التهديدات.
ومع ذلك، لا تزال العديد من هذه المؤسسات تواجه صعوبة في اكتشاف الهجمات والاستجابة لها بفعالية. ونادراً ما يكون السبب هو نقص الأدوات، بل يتمثل في أن هذه القدرات تعمل في كثير من الأحيان كوظائف منفصلة ومعزولة بدلاً من أن تكون جزءاً من منظومة دفاعية واحدة ومتكاملة.
إن اعتماد المزيد من الحلول لا يؤدي تلقائياً إلى تعزيز الأمن، بل يعني في حالات كثيرة زيادة التعقيد، والتعقيد هو البيئة التي تبدأ فيها الرؤية الشاملة بالتلاشي. وتكمن هنا المفارقة الأساسية في الدفاع السيبراني الحديث. فالقدرة على تحديد التكاليف الخفية الناتجة عن التجزؤ والحد منها هي ما يميز المؤسسات القادرة على الصمود في مجال الأمن السيبراني.
المشهد المتنامي للتهديدات السيبرانية
تعمل الجريمة السيبرانية الحديثة اليوم كاقتصاد إجرامي منظم ومنسق، ضمن منظومة عالمية للجريمة السيبرانية تتبادل فيها شبكات سرية شديدة التنظيم البرمجيات الخبيثة، والبنية التحتية المستخدمة في الهجمات، ومعلومات الثغرات الأمنية، وبيانات الاعتماد المسروقة، وأساليب تنفيذ هجمات برامج الفدية. وبالتالي، فإن الجهات المدافعة التي تواجه اختراقاً واحداً تكون في الواقع في مواجهة القدرات الجماعية لهذه المنظومة الإجرامية بأكملها.
وقد أدى ذلك إلى زيادة كبيرة في حجم التهديدات السيبرانية. ووفقاً لتقرير CrowdStrike العالمي للتهديدات لعام 2026، ارتفعت الهجمات بنسبة 89% خلال عام 2025، بينما انخفض متوسط زمن الانتشار، أي المدة التي يحتاجها المهاجم للانتقال من نقطة الاختراق الأولية إلى الأصول المستهدفة بعد الوصول إلى النظام، إلى 29 دقيقة فقط، أي أسرع بنسبة 295% مقارنة بعام 2024.
ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملاً مضاعفاً للقدرات، إذ يعمل على تسريع عمليات المهاجمين والمدافعين على حد سواء. لكن المهاجمين يتحركون بسرعة خاصة، مستفيدين من الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء لتوسيع نطاق حملات التصيد الاحتيالي، وتسريع تطوير البرمجيات الخبيثة، وأتمتة عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات، وإنشاء محتوى شديد الإقناع للهندسة الاجتماعية يصعب بشكل متزايد التمييز بينه وبين الاتصالات المشروعة.
ونتيجة لذلك، أصبح مشهد التهديدات أكبر وأسرع وأكثر ترابطاً من أي وقت مضى. وستواجه أنظمة الدفاع الأمني المجزأة صعوبة متزايدة في مواكبة خصوم يعملون ضمن شبكات منسقة للجريمة السيبرانية.
تكلفة الإخفاق في الأمن السيبراني
يمكن للمؤسسات أن تستثمر بكثافة في الأفراد والمنصات ولوحات المراقبة، ومع ذلك تظل تفتقر إلى الرؤية المنسقة اللازمة لاكتشاف اختراق حقيقي والاستجابة له. وفي الواقع، قد يكون هذا الشعور الزائف بالأمان الناتج عن تكاثر الأدوات أحد أكثر الافتراضات تكلفة في مجال الأمن السيبراني اليوم.
ولا يزال تعقيد أنظمة الأمن السيبراني والاختراقات التي تطال سلاسل التوريد من أبرز العوامل التي تؤدي إلى زيادة تكاليف الاختراقات، وفقاً لتقرير IBM حول تكلفة اختراق البيانات لعام 2025. ويشترك العاملان في سبب جذري واحد يتمثل في وجود أنظمة وشبكات وسير عمل تحتوي على نقاط عمياء يستطيع المهاجمون اكتشافها واستغلالها. فعندما تعمل فرق الاستجابة في صوامع منفصلة، تظل التنبيهات غير مترابطة ولا تتحول المعلومات الاستخباراتية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.
وتبلغ التكلفة المتوسطة للاختراقات التي تشمل بيانات موزعة عبر بيئات متعددة 5.05 ملايين دولار، كما تستغرق عملية اكتشافها واحتوائها 276 يوماً، وفقاً لتقرير IBM. وهذه مدة كافية لتفاقم الاضطرابات التشغيلية، وزيادة التعرض للمخاطر التنظيمية والقانونية، وإلحاق أضرار طويلة الأمد بسمعة المؤسسة.
كيف تتعامل المؤسسات القادرة على الصمود مع الأمن السيبراني؟
للتعامل مع هذا التعقيد وضمان استمرارية الأعمال، من أفضل الممارسات تقييم كل من مشهد التهديدات المتطور والوضع الدفاعي للمؤسسة. فالتهديد هو الذي يحدد طبيعة التحدي، بينما يحدد الوضع الدفاعي قدرة المؤسسة على الاستجابة والتعافي.
ويتطلب ذلك اتباع نهجين متكاملين:
1. إرساء أسس الدفاع
يجب على المؤسسات أن تعرف الأصول التي تمتلكها، ومدى أهمية كل أصل بالنسبة إلى أعمالها، وما إذا كانت هذه الأصول مؤمنة بالفعل، وذلك قبل تنفيذ أي استراتيجية دفاعية. ويتطلب الوصول إلى ذلك أربع خطوات:
- التعرف: إعداد قائمة كاملة ومحدثة بالأصول والاعتماديات المترابطة بينها في مختلف أنحاء البيئة التشغيلية. فما لا يمكن رؤيته لا يمكن الدفاع عنه.
- التصنيف: يجب تصنيف الأصول لتحديد الأصول التي تعتمد عليها خدمات الأعمال الحيوية. فبوابة الدفع والطابعة، على سبيل المثال، لا تواجهان المستوى نفسه من المخاطر، ومعاملتهما بالطريقة نفسها قد يؤدي إلى ظهور نقاط عمياء.
- التقييم: يجب تقييم البنية الحالية لكل أصل، ومدى تعرضه للثغرات الأمنية، وإعدادات التصحيحات والتحديثات التي تعالج نقاط الضعف الأمنية، وذلك وفقاً لدرجة أهميته. ونظراً إلى أن متوسط الفترة بين الإعلان عن وجود ثغرة وبدء استغلالها فعلياً تقلص إلى بضعة أيام، فلا يمكن أن يكون هذا التقييم إجراءً يتم في نقطة زمنية واحدة فقط.
- المعالجة والتحقق: يجب سد الثغرات باستخدام حلول قادرة على الاستمرار وتحقيق النتائج المطلوبة، بدلاً من افتراض أن نشر تصحيح أمني يعني تلقائياً أن الخطر قد تمت معالجته بالكامل.
2. الحماية والحفاظ على الاستمرارية
تتحقق المرونة المستدامة عندما تتعامل المؤسسة مع نفسها كنظام واحد مترابط، وليس كمجموعة متفرقة من الأدوات والعمليات والفرق. ولتحقيق ذلك، هناك ثلاث ممارسات أساسية:
- توسيع نطاق الاستخبارات إلى ما وراء حدود المؤسسة: يجب الجمع بين الرؤية المتكاملة عبر منظومة الدفاع الداخلية والمشاركة في شبكات أوسع لتبادل المعلومات الاستخباراتية. ويساعد ذلك على اكتشاف أنماط الهجمات العابرة للقطاعات قبل أن تصل الأنشطة المرتبطة بها إلى المؤسسة، بدلاً من اكتشافها بعد وقوعها.
- توحيد عمليات الكشف والاستجابة والتعافي: يجب أن يعمل مركز العمليات الأمنية، وفريق الاستجابة للحوادث، ووظيفة استخبارات التهديدات كنظام واحد مترابط، وليس كثلاث وظائف منفصلة تراقب ثلاث لوحات معلومات مختلفة وتعمل وفق ثلاثة جداول زمنية مختلفة. فالتجزؤ على هذا المستوى قد يحول حادثاً كان من الممكن احتواؤه إلى اختراق طويل الأمد.
- نمذجة التهديدات بالتوازي مع تطورها: تصبح نماذج الدفاع الثابتة قديمة بسرعة عندما يكون الخصم قادراً على التحرك خلال دقائق. ولذلك، يجب أن تواكب النماذج الدفاعية التعقيد المتزايد والمتطور للتهديدات.
البناء أم الشراء أم الشراكة؟
يتطلب بناء قدرات شاملة للكشف والاستجابة واستخبارات التهديدات داخل المؤسسة استثمارات مستمرة في المواهب والتكنولوجيا وعمليات التشغيل على مدار الساعة. ولذلك، ينبغي للمؤسسات تقييم ما إذا كانت قادرة على بناء هذه القدرات داخلياً، أم أن من الأفضل الاعتماد على شريك موثوق لسد هذه الفجوة.
ويمكن للشراكة مع مزود موثوق لخدمات الأمن السيبراني أن تحول الأمن من مجموعة من القدرات المنفصلة إلى منظومة دفاعية متكاملة تقودها المعلومات الاستخباراتية. ومن شأن ذلك تعزيز القدرة على الصمود، وتسريع اكتشاف التهديدات والاستجابة لها، وتقليل التعقيد التشغيلي. وبذلك، تستطيع المؤسسات التركيز بشكل أكبر على أعمالها الأساسية وأولوياتها الاستراتيجية.
