القائمة الرئيسية

لماذا لا تكون نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا دائمًا الخيار الأفضل؟

لماذا لا تكون نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا دائمًا الخيار الأفضل؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة مفارقة لافتة في عالم الذكاء الاصطناعي الوكيلي، إذ تكشف أن النماذج الأكثر تطورًا والأعلى تكلفة ليست دائمًا الأفضل أداءً، وأن النجاح الحقيقي يعتمد على مدى ملاءمة النموذج للمهمة، وتكامل مكونات النظام، واختبارها عمليًا قبل التوسع في استخدامها، في وقت تواجه فيه المؤسسات خطر إنفاق ميزانيات ضخمة على حلول قد تفشل رغم قوتها التقنية.

  • من المتوقع إلغاء أكثر من 40% من مشاريع الذكاء الاصطناعي الوكيلي بحلول عام 2027، بسبب عوامل من بينها غموض القيمة وارتفاع التكاليف.
  • في اختبارات مضبوطة لنظام مؤسسي يعالج فواتير الموردين، حقق التكوين الأكثر قدرة والأعلى تكلفة أسوأ أداء.
  • مطابقة النماذج مع المهمة المحددة، واختبار المكونات معًا بدلًا من اختبار كل مكون على حدة، أكثر أهمية من شراء أعلى مستوى ممكن من القدرات.

يُعد الذكاء الاصطناعي الوكيلي — أي البرمجيات القادرة على التخطيط والتصرف بشكل مستقل بدلًا من انتظار التعليمات في كل خطوة — أبرز قصص التكنولوجيا المؤسسية في عام 2026. لكنه قد يصبح أيضًا أكثر خيبات الأمل تكلفة في عام 2027.

تتوقع شركة Gartner إلغاء أكثر من 40% من مشاريع الذكاء الاصطناعي الوكيلي بحلول عام 2027، مشيرة إلى غموض القيمة التجارية، وارتفاع التكاليف، وعدم كفاية ضوابط المخاطر. واليوم، تختار المؤسسات في مختلف أنحاء العالم المجالات التي ستضع فيها أول استثمار جاد لها في هذا النوع من الذكاء الاصطناعي. لكن قلة قليلة منها تتخذ قراراتها استنادًا إلى الأدلة، لأن الأدلة المتاحة للعامة لا تزال محدودة للغاية. فادعاءات الشركات الموردة كثيرة، في حين أن المقارنات المضبوطة نادرة.

أجريت، بالتعاون مع باحث مشارك في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، دراسة تهدف إلى توفير بعض هذه الأدلة. وعملنا مع شركة عالمية تعالج سنويًا فواتير موردين تتجاوز قيمتها 75 مليار دولار، حيث طورنا نظامًا من وكلاء الذكاء الاصطناعي قادرًا على التحقيق في أخطاء الفواتير وحلها بشكل مستقل، مع تصعيد الحالات إلى موظف بشري عندما يعجز عن معالجتها.

بعد ذلك، اختبرنا أربعة تكوينات مختلفة للنماذج باستخدام مجموعة موحدة من 44 فاتورة اختبار، وقسنا دقة الأداء، وحجم القدرة الحاسوبية المستهلكة، والوقت المطلوب.

وجاءت النتائج مخالفة للافتراض الذي تستند إليه معظم قرارات النشر اليوم، وهو أن اختيار النموذج الأكثر قدرة والمتاح في السوق هو الخيار الأكثر أمانًا. ويمكن تسمية هذه الظاهرة بـ"فخ القدرات".

فخ القدرات ليس مجرد افتراض نظري

جاء التكوين المتميز، الذي جمع بين أقوى نموذج استدلال متاح ونموذج متقدم لقراءة المستندات، في المرتبة الأخيرة. فقد نجح في معالجة 91% من الفواتير دون تدخل بشري، بينما حقق تكوين منخفض التكلفة نسبة 95%. أما التكوين متوسط المستوى الذي تم اختياره بعناية ليتناسب مع المهمة، فقد نجح في معالجة جميع الفواتير الـ44، باستخدام نماذج لا تتجاوز تكلفتها سوى جزء بسيط من تكلفة النماذج المتميزة.

وحدثت جميع حالات الفشل خلال مهمة واحدة فقط، وهي تحديد الفواتير المكررة. فقد كانت هذه المهمة تحديدًا تتطلب من الذكاء الاصطناعي تقييم خمس قواعد مستقلة ومتعارضة في بعض الأحيان بصورة متزامنة، لتحديد ما إذا كانت فاتورتان متطابقتين.

وكان النموذج الأكثر قدرة، إن صح التعبير، مفرطًا في التفكير. فقد تردد في الحالات القريبة من الحدود الفاصلة، بينما كان النموذج الأكثر تقييدًا يحسمها ببساطة ويصنفها على أنها متطابقة. فمن السهل تقييم القدرة العامة للنموذج نظريًا، لكن من الأصعب تحديد مدى ملاءمته لمهمة بعينها. وفي نتائجنا، كانت ملاءمة النموذج للمهمة الفعلية هي العامل الذي صنع الفارق.

ورغم أن عينة مكونة من 44 فاتورة تُعد صغيرة بلا شك، ولا يمكن اعتبار هذه النتائج تصنيفًا نهائيًا للنماذج، فإنها تؤكد أن الأداء لا يمكن اعتباره أمرًا مضمونًا. ففي الواقع، التكوين الذي كان معظم الأشخاص سيختارونه اعتمادًا على السمعة وحدها هو الذي جاء في المرتبة الأخيرة.

ثلاث قوى تقف وراء فخ القدرات

لماذا تقع الأنظمة المتقدمة في هذا الفخ؟ تشير نتائجنا إلى ثلاثة أسباب رئيسية: الإفراط في التفكير من جانب النموذج، وعدم التوافق بين المكونات، والتعقيد الهيكلي غير الضروري.

تفصيل مفرط عندما لا تكون هناك حاجة إليه

تميل النماذج الأكبر إلى إنتاج استدلال أطول وأكثر امتلاءً بالتحفظات والتفسيرات. ويشكل ذلك ميزة عند التعامل مع المشكلات المفتوحة والمعقدة، لكنه قد يُدخل الشك إلى قرارات بسيطة ومباشرة قائمة على قواعد واضحة، كان بإمكان نموذج أبسط حسمها بسهولة.

وهذا بالضبط ما حدث عند اختبار مهمة اكتشاف الفواتير المكررة.

مكونات لا تتوافق مع بعضها

جاءت إحدى أكثر النتائج فائدة من تكوين صُمم أساسًا بهدف خفض التكاليف. فقد أبقينا على وكيل الاستدلال المتقدم، لكننا استبدلنا نموذج قراءة المستندات بنموذج أقل تكلفة.

إلا أن النتيجة جاءت عكسية.

فعند تشغيل الوكيل نفسه، استهلك هذا التكوين قدرة حاسوبية تزيد بنحو 68% لكل فاتورة، لأن الوكيل اضطر إلى إنفاق جزء كبير من قدرته الاستدلالية على تنظيف النصوص الأقل جودة المستخرجة من المستندات، قبل أن يتمكن حتى من بدء المهمة الفعلية.

وبذلك تحولت الوفورات في مرحلة إلى خسائر في المرحلة التالية. فالأنظمة المستقلة ترث جودة كل ما يأتي قبلها في سلسلة العمل.

تعقيد هيكلي غير ضروري

تشير نتيجة ثالثة إلى الاتجاه نفسه. فقد اختبرنا تصميمين مختلفين باستخدام المدخلات نفسها: الأول عبارة عن خط معالجة بسيط يعمل فيه الوكلاء وفق ترتيب ثابت، والثاني أكثر تطورًا، ويضم مشرفًا يراجع كل مخرج ويستطيع إعادة المهمة لإجراء محاولة أخرى.

كان التصميم الأكثر تطورًا أبطأ، واستهلك قدرة حاسوبية أكبر، لكنه قدم الدقة نفسها تمامًا. ولم توجد حالة واحدة نجح أحد التصميمين في حلها بينما فشل الآخر.

وهنا توجد ملاحظة مهمة: كانت فواتير الاختبار التي استخدمناها تتضمن أخطاء محددة بوضوح، ومن الممكن أن تصبح القدرة على المحاولة مرة أخرى حاسمة عند التعامل مع الحالات الاستثنائية الغامضة فعلًا، وهي الحالات التي تواجه فيها الفرق البشرية أكبر قدر من الصعوبة.

لكن التعقيد ينبغي إضافته لأن مشكلة تم قياسها فعليًا تستدعيه، لا لمجرد أنه يبدو أكثر احترافية أو تطورًا.

أين تكمن القيمة الحقيقية؟

في الشركة العالمية التي درسناها، يستطيع أحد الأقسام الإقليمية معالجة 97% من فواتيره دون تدخل بشري، في حين لا يحقق قسم إقليمي آخر سوى 67%.

ويمكن لتقليص هذه الفجوة البالغة 30 نقطة مئوية أن ينقل مئات الآلاف من الفواتير سنويًا إلى معالجة آلية بالكامل.

لكن العقبات ليست خارقة التعقيد، بل هي في كثير من الأحيان مسائل عملية ومألوفة، مثل تعامل الموردين مع عدة حسابات مصرفية بعملات مختلفة، وعدم اتساق المعالجة الضريبية، والإشعارات الدائنة التي لا تستطيع الأنظمة الحالية التعامل معها.

هذه هي الأحكام السياقية التي لم تتمكن أنظمة الأتمتة القائمة على القواعد التقليدية من التعامل معها بكفاءة، وستزداد أهميتها مع توجه المزيد من السلطات القضائية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، نحو جعل الفوترة الإلكترونية إلزامية.

وتشير الأدلة الأوسع إلى الاتجاه نفسه. فقد درست إحدى الدراسات 300 حالة نشر معلنة إلى جانب مقابلات واستطلاعات لقيادات الأعمال، ووجدت أن نحو تجربة واحدة فقط من كل 20 تجربة حققت مكاسب سريعة في الإيرادات.

وعزا الباحثون هذه الفجوة ليس إلى ضعف النماذج، بل إلى ضعف توافقها مع تدفقات العمل التي كان من المفترض أن تغيرها.

وقد أثارت هذه النتيجة جدلًا، كما أن النسبة الدقيقة محل نقاش، لكن من الأصعب الاعتراض على الاتجاه العام الذي تشير إليه، وهو ما يتوافق أيضًا مع ما لاحظناه: فالنجاح كان يعتمد بدرجة أقل على القوة الخام لنموذج الذكاء الاصطناعي نفسه، وبدرجة أكبر بكثير على النظام المبني من حوله.

وكان مسؤولو الشؤون المالية الذين أجرينا معهم مقابلات واضحين في أنهم لا يريدون مؤسسة تعمل بصورة مستقلة بالكامل. بل كانوا يريدون مؤسسة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

ولهذا صُمم نظامنا وفق هذا المبدأ: فهو يسجل كل خطوة استدلالية لأغراض التدقيق، وعندما يعجز عن حل مشكلة ما، فإنه يُعد ملخصًا وتوصية بالإجراء المناسب لكي يراجعها شخص، بدلًا من التصرف بشكل مستقل.

إن إدماج الحوكمة منذ البداية أقل تكلفة بكثير من محاولة إضافتها لاحقًا بعد وقوع حادث أو مشكلة.

الاختبار أفضل من الشراء

فخ القدرات ليس حجة ضد تبني الذكاء الاصطناعي الوكيلي، بل هو حجة ضد التعامل مع مستوى قدرات النموذج باعتباره بديلًا عن الأدلة.

وهناك عادتان يمكنهما تغيير معظم قرارات نشر هذه الأنظمة:

  • قياس الأداء وفق المهام المحددة، لا وفق التصنيفات المنشورة. فقد يحتل مستوى معين من النماذج صدارة قوائم الترتيب العامة، لكنه قد يأتي في المركز الثالث عند تنفيذ المهمة المحددة التي تحتاج إليها المؤسسة فعلًا. والطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هي تشغيله واختباره.
  • اختبار السلسلة كاملة، لا كل حلقة منفردة. فالوكيل عبارة عن سلسلة من المكونات، وتحسين أحد هذه المكونات بصورة منفصلة لا يخبرنا إلا بالقليل جدًا عن تكلفة النظام الكامل أو موثوقيته.

وتعتمد هاتان العادتان على خيار ثالث يجب اتخاذه في مرحلة أبكر، وهو تحديد نطاق المشكلة بصورة ضيقة بما يكفي لكي يكون من الممكن قياس النتيجة من الأساس.

فالمشروع التجريبي الطموح ينتج قصة مثيرة للاهتمام، أما المشروع المحدد بدقة فينتج أدلة. والأدلة هي ما يصمد عند مراجعة الميزانية.

لن تكون المؤسسات التي ستتجنب معدل الفشل البالغ 40% الذي تتوقعه Gartner هي التي تحركت بأسرع وتيرة، أو اشترت النماذج الأكثر قدرة.

بل ستكون المؤسسات التي قامت بالقياس، واختبرت مكوناتها معًا، وأبقت الأشخاص في نقاط العمل التي يتطلب فيها الأمر حكمًا بشريًا حقيقيًا.

لقد جاءت نتائجنا من مشكلة صغيرة ومحددة عمدًا، ومع ذلك جاءت النتائج الثلاث جميعها مخالفة لما توقعناه.

إن نشر وكلاء الذكاء الاصطناعي دون إجراء هذا النوع من الاختبارات ليس قرارًا تقنيًا.

بل هو مجرد تخمين مرتبط بميزانية.

يستند هذا المقال إلى بحث لمشروع تخرج لدرجة الماجستير أُجري بالتعاون مع باحث مشارك في مركز النقل والخدمات اللوجستية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. وقد طلبت المؤسسة الراعية عدم الكشف عن اسمها.

المصدر

مقالات ذات صلة