- مع تحوّل الفضاء إلى بنية تحتية حيوية، تسعى الدول إلى تعزيز سيطرتها على قدرات مثل الإطلاق والبيانات والتحليلات، لكن عدداً قليلاً منها يستطيع بناء جميع مكونات المنظومة الفضائية وتشغيلها بشكل مستقل.
- ينبغي للدول الحفاظ على قدراتها السيادية حيثما تقتضي الضرورة الاستراتيجية ذلك، مع ضمان قدرة أنظمتها على العمل بصورة متكاملة مع أنظمة الحلفاء والشركاء التجاريين.
- تتطلب المجالات الفضائية المختلفة موازين متفاوتة بين السيطرة الوطنية والتعاون، ما يستدعي تطوير البنى والسياسات من خلال نهج متعدد الأطراف وأصحاب المصلحة.
على مدى أكثر من نصف قرن، استكشفت البشرية الفضاء وطوّرته باعتباره جبهة جديدة. لكن الفضاء اليوم يتحول بصورة متزايدة إلى بنية تحتية اقتصادية حيوية تعتمد عليها المجتمعات.
فالاتصالات والملاحة والأنظمة المالية والاستجابة للكوارث والأمن القومي تعتمد بالفعل على الأصول الموجودة في المدار. ومن المتوقع أن يزداد هذا الاعتماد مع توسع شبكات الأقمار الاصطناعية وتحول قطاعات فضائية جديدة، مثل مراكز البيانات المدارية والمحطات الفضائية التجارية، إلى أنشطة قابلة للاستمرار من الناحية الاقتصادية.
وتدرك دول كثيرة بشكل متزايد أن الفضاء يمثل بنية تحتية محلية حيوية تدعم الأمن القومي والقدرة الاقتصادية على الصمود. وقد نوقش هذا التحول في نظرة الحكومات إلى الفضاء أيضاً خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في وقت سابق من هذا العام، بمشاركة قادة من الحكومات والصناعة والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني.
وفي ظل هذه الخلفية، أصبحت الدول التي تضع الفضاء ضمن أولوياتها الاستراتيجية أكثر وعياً بالمخاطر الناجمة عن الاعتماد على أطراف أخرى لتوفير القدرات الفضائية.
ونتيجة لذلك، تسعى أعداد متزايدة من الدول إلى بناء قدرات فضائية مستقلة من خلال تعزيز البحث والتطوير محلياً وتطوير صناعات فضائية وطنية خاصة بها.
فوائد ومخاطر السيادة الفضائية
يختلف تعريف القدرات الفضائية السيادية من دولة إلى أخرى بحسب أولوياتها واحتياجاتها وظروفها.
وخلال إفطار رفيع المستوى نظمه المنتدى الاقتصادي العالمي ومؤسسة SPACETIDE بشكل مشترك في طوكيو في يوليو، ناقش المشاركون مناهج مختلفة لمفهوم السيادة الفضائية.
كما تناول النقاش المجالات داخل اقتصاد الفضاء الأكثر تعرضاً لمخاطر الاعتماد الدولي، والسبل التي يمكن للقادة من خلالها معالجة هذه المخاطر بالتوازي مع بناء قدرات قابلة للاستمرار تجارياً وقادرة على المنافسة عالمياً.
ووصف هيروشي ياماكاوا، رئيس وكالة استكشاف الفضاء اليابانية، السيادة الفضائية بأنها الاستقلالية في تنفيذ الأنشطة الفضائية، بما يشمل ضمان الوصول إلى المدار، إلى جانب القدرة على استخدام الإمكانات الفضائية لدعم عملية صنع القرار على المستوى الوطني.
وأضاف لي نا نغيام، الرئيس التنفيذي لوكالة الفضاء الوطنية في سنغافورة، أن الوصول إلى البيانات الحيوية والسيطرة عليها يمثلان أيضاً عنصراً رئيسياً في القدرات الفضائية السيادية.
وقد تشكل الجهود الحكومية الرامية إلى تعزيز القدرات الفضائية المحلية ركيزة مهمة ويمكن التنبؤ بها للنمو طويل الأجل لصناعة الفضاء التجارية، إذ يمكنها أن تساعد في دفع الاستثمارات العامة والخاصة نحو هذا القطاع.
وأوضح جون كازيكي، المدير العام السابق لأمانة سياسة الفضاء الوطنية في اليابان، كيف تعمل اليابان على ترسيخ مكانة الفضاء كمحرك للنمو الاقتصادي وكبنية تحتية من الجيل المقبل تدعم الاستخدام الآمن والمستدام للفضاء الخارجي، وكذلك منطقة حرة ومفتوحة في المحيطين الهندي والهادئ من خلال دعم الأمن الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، قد يؤدي السعي المفرط وراء القدرات السيادية إلى تقويض توجهات مهمة أسهمت في نمو قطاع الفضاء خلال السنوات الأخيرة، ومن بينها خفض التكاليف وتعزيز التعاون الدولي.
وحذر كازوتو سوزوكي، مدير معهد الاقتصاد الجغرافي في اليابان، من أن «السعي إلى السيادة الفضائية قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف».
وبالمثل، قال موتويوكي أراي، الرئيس التنفيذي لشركة Synspective، إن «السيادة الفضائية من دون قابلية التشغيل البيني تؤدي إلى العزلة».
وسلط الضوء على مخاطر أن يؤدي التركيز المفرط على القدرات الفضائية السيادية إلى إضعاف العمل الجماعي عند الحاجة إليه، لا سيما خلال الأزمات، إذ لا يمتلك سوى عدد قليل من الدول القدرة على توفير جميع المعلومات والخدمات الضرورية بشكل مستقل.
على الدول اعتماد نهج «نظام من الأنظمة» عبر المجالات المختلفة
كيف ينبغي لقطاع الفضاء التعامل مع هذه التحديات؟ أشارت ريبيكا إيفرندن، مديرة وكالة الفضاء البريطانية، إلى أن «نهج نظام من الأنظمة ضروري لمعالجة تحدي السيادة الفضائية».
ويقوم هذا النهج على إدراك أن القدرة على الصمود لا تتطلب من كل دولة امتلاك وتشغيل كل طبقة من طبقات سلسلة القيمة الفضائية. بل ينبغي للأنظمة التي تخضع لإدارة مستقلة أن تكون قادرة على العمل معاً عبر الحدود المؤسسية والوطنية وبين أصحاب المصلحة الرئيسيين.
وينبغي أن تتضمن البنية التنظيمية للقطاع عدة عناصر رئيسية:
القدرات السيادية التي يتعين على كل دولة الاحتفاظ بها.
استقلال الأنظمة وقابليتها للتشغيل البيني.
قواعد تشغيل مشتركة ومعايير دولية للمشاركة والتعاون.
الابتكار التكنولوجي وتنمية المواهب اللازمان لتحويل هذه البنية إلى واقع.
وبما أن التحديات تختلف من مجال فضائي إلى آخر، فمن المهم مناقشة مثل هذه البنى وتطويرها بشكل منفصل لكل مجال.
ويقدم قطاع الأقمار الاصطناعية مثالاً على ذلك. فمع استمرار نمو البنية التحتية للأقمار الاصطناعية، سنتمكن من الاستفادة من كميات متزايدة من البيانات لتقديم معلومات استخباراتية أكثر قابلية للتنفيذ واستناداً إلى الأدلة، ولا سيما عبر مجموعة واسعة من الأولويات الوطنية، بما في ذلك الأمن القومي والاستجابة للكوارث ومراقبة المناخ وإدارة البنية التحتية وتعزيز القدرة الاقتصادية على الصمود.
وفي الوقت نفسه، تعمل التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تعزيز قدرتنا على استخلاص رؤى من البيانات. وفي هذا المجال، تسعى الدول بطبيعة الحال إلى الاحتفاظ بقدرتها الخاصة على الوصول إلى البيانات الحيوية، بينما يظل التعاون بين الحلفاء والدول المتقاربة في التوجهات أمراً ضرورياً أيضاً.
واستجابة لذلك، بدأت تظهر بُنى جديدة تحتفظ فيها الدول ببياناتها وقدراتها الخاصة في مجال تحليلات الذكاء الاصطناعي، مع مشاركة واستخدام الرؤى المستخلصة منها لتحقيق قدر أكبر من التكامل وبناء صورة تشغيلية مشتركة عبر الدول.
وأكدت روندا شرينك، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الاستخبارات الجغرافية المكانية الأمريكية، أهمية مشاركة البيانات، مشيرة إلى أنه رغم أن القدرات السيادية قد تكون ضرورية في بعض السياقات، فمن المهم ألا تؤدي السيادة إلى إنشاء مستودعات بيانات منفصلة غير ضرورية وغير فعالة.
وفي مجال الوعي بالأوضاع الفضائية، شدد أنيرود شارما، الرئيس التنفيذي لشركة Digantara، على الأهمية المرتبطة بالأمن القومي للاحتفاظ بسجل موثوق ومعتمد للأجسام الفضائية، إلى جانب الحاجة إلى تعاون أوسع.
أما في المجال بين الأرض والقمر، فقد أكد تاكيشي هاكامادا، الرئيس التنفيذي لشركة ispace، أن استدامة الأنشطة القمرية ستعتمد على أصول وعمليات مترابطة بصورة متزايدة، ولذلك سيكون وضع واجهات مشتركة ومبادئ تشغيلية موحدة أمراً بالغ الأهمية لتجنب ظهور أنظمة قمرية مجزأة أو غير متوافقة.
وتطرح المحطات الفضائية التجارية تحديات مختلفة. فالجهود في هذا المجال تقودها في الغالب شركات أمريكية، وستتأثر الدول التي تسعى إلى الوصول إلى منصات في المدار الأرضي المنخفض عبر منصات تقودها الولايات المتحدة بالمتطلبات الأمريكية وضوابط التصدير والمعايير التقنية المعمول بها هناك.
رسم ملامح المستقبل من خلال حوار متعدد الأطراف
لا تستطيع جميع الدول بناء النطاق الكامل من القدرات الفضائية بمفردها. ولذلك أصبحت إتاحة الوصول المفتوح إلى البيانات، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والأنظمة الوطنية القابلة للتشغيل البيني عناصر أساسية لتحقيق تنمية مستدامة للقطاع.
ويتطلب ذلك تقييماً أكثر وضوحاً لكيفية تأثير أولويات الأمن القومي والقدرة الاقتصادية على الصمود في تحديد أنواع ومستويات السيادة والاستقلالية التي تسعى الدول إلى تحقيقها في مجالات مختلفة من قطاع الفضاء، مثل خدمات الأقمار الاصطناعية والإطلاق والوعي بالأوضاع الفضائية والأنشطة بين الأرض والقمر.
وينبغي لأصحاب المصلحة العمل على تطوير بنية قابلة للتشغيل البيني تعزز قدرة الدول على الصمود وطنياً، وفي الوقت ذاته تمكّنها من التعاون على المستوى الدولي.
وسيتطلب تحقيق ذلك حواراً مستمراً بين القطاع الخاص والحكومات والمستثمرين من أجل تطوير أطر للسياسات والاستثمار تحقق التوازن المناسب بين الاستقلالية الاستراتيجية والقدرة التنافسية التجارية والاستدامة طويلة الأجل.
