القائمة الرئيسية

المهارات الفوقية: مفتاح استعداد الفرق لعصر الذكاء الاصطناعي والتعلم المستمر

المهارات الفوقية: مفتاح استعداد الفرق لعصر الذكاء الاصطناعي والتعلم المستمر
ملخص المقال

هذا المنطق يكفي في البيئات المستقرة. لكنه ينهار في البيئات التي تخلقها التقنيات الرقمية الحديثة، حيث تتغير المهام أسرع من الوصف الوظيفي، وتتطور التقنيات أسرع من المناهج التدريبية.

ملخص: تناقش هذه المقالة أهمية المهارات الفوقية في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد امتلاك المهارات الحالية كافياً مع تسارع تغيّر الوظائف والتقنيات، بل أصبحت القدرة على التعلّم المستمر، والتكيف، والتفكير النقدي، والتعاون، وبناء الثقة داخل الفرق هي ما يميز الأفراد والمؤسسات القادرة على مواكبة المستقبل، مع التحذير من أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يضعف هذه القدرات إذا لم تُنمَّ وتُصقل بوعي.

  • في عصر تصبح فيه المهارات قديمة أو غير صالحة بسرعة، تمثل المهارات الفوقية القدرة الشاملة على اكتساب قدرات جديدة.
  • وهي، إذ تضم مهارات معرفية واجتماعية معاً، تُعد أساسية للتكيف السريع وتطوير محفظة المهارات.
  • يمكن للمؤسسات إدراج التدريب على المهارات الفوقية ضمن برامجها، بما في ذلك من خلال التعليم التنفيذي الذي يعزز قدرات القيادة.

عادة ما نفكر في المهارات باعتبارها القدرات التي نمتلكها، مثل التفاوض والتسويق والنمذجة المالية. فهي تُدرج في السير الذاتية، ويمكن اعتمادها وقياسها ومقارنتها. ومن هذا المنظور، تصبح قدرة المؤسسة مسألة توظيف عدد كافٍ من الأشخاص المهرة وإسناد المهام المناسبة إليهم.

هذا المنطق يكفي في البيئات المستقرة. لكنه ينهار في البيئات التي تخلقها التقنيات الرقمية الحديثة، حيث تتغير المهام أسرع من الوصف الوظيفي، وتتطور التقنيات أسرع من المناهج التدريبية.

في مثل هذه السياقات غير المستقرة، وبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عما إذا كان الموظفون يمتلكون المهارات المناسبة للمهام الحالية، ينبغي للقادة أن يتأملوا في مدى سرعة وجودة اكتسابهم للمهارات التي سيحتاجون إليها لاحقاً. هذا التحول في طريقة التفكير يسلط الضوء على فئة مختلفة من القدرات: المهارات الفوقية.

ليست المسألة ما تعرفه، بل كيف تعرف

لا تنتج المهارات الفوقية مخرجات مباشرة. كما أنها ليست تماماً مثل المهارات الشخصية، مثل حل المشكلات أو التواصل. فالأثر الأساسي للمهارة الفوقية لا يظهر في أداء مهمة معينة، بل في مدى جودة اكتساب مهارات جديدة. المهارات الفوقية لا تجعلك بالضرورة أفضل في وظيفتك الحالية فقط، بل تجعلك أفضل في أن تصبح جيداً في أي شكل تتحول إليه هذه الوظيفة لاحقاً.

لا تُعرّف المهارات الفوقية بحسب المجال أو الصعوبة أو المكانة. بل تُعرّف بحسب ما تفعله بمحفظة مهاراتك: أي كيف يتم تفعيل المهارات الكامنة لتصبح مهارات قابلة للاستخدام عندما تتغير المهام.

ممّ تتكون المهارات الفوقية؟

تشير أبحاث التعلم إلى مجموعتين مهمتين من الآليات التي تقوم عليها المهارات الفوقية.

1. المهارات المعرفية

تُحسّن بعض المهارات الفوقية سرعة وعمق تعلم الأشخاص بمفردهم. وتشمل التفكير عالي المستوى، الذي يضم التقييم النقدي، والتجريب المنضبط، واتخاذ القرار في ظل عدم اليقين. تساعد هذه المهارة الأشخاص على صقل النماذج الذهنية بدلاً من مجرد تراكم الحقائق.

وتُمكّن مهارات فوقية أخرى الأشخاص من ربط المعرفة عبر المهام والمجالات. ويُعد التفكير بالقياس الأداة الأساسية هنا. فهو يسمح لك بإدراك أن مشكلتين تختلفان في ملامحهما الظاهرة تشتركان في البنية الأساسية نفسها، ولذلك يمكن حلهما باستخدام مبادئ متشابهة. وهذا ما يفسر لماذا تساعدك خبرتك في مجال ما أحياناً في مجال آخر.

أما التنظيم ما وراء المعرفي فيفعل شيئاً أكثر دقة. فهو يسمح لنا بمراقبة فهمنا الذاتي، واكتشاف متى تفشل استراتيجية التعلم، وتغيير النهج وفقاً لذلك.

2. المهارات الاجتماعية

تتعلق بعض المهارات الفوقية بالتفاعل الاجتماعي، لا بحل المشكلات الفردي. فهي تشمل القدرة على فهم الآخرين وقراءة نواياهم، والتفاوض، وبناء الثقة.

الأفراد الذين يمتلكون هذه المهارات الاجتماعية يستطيعون التعلم من المهام الجديدة والتكيف معها بسرعة أكبر. ففي نهاية المطاف، معظم المهام داخل المؤسسات مترابطة، والزملاء يمثلون مصدراً حاسماً للتعلم.

ومن المرجح أن تثق فرق الأفراد الذين يمتلكون هذه المهارات الاجتماعية ببعضها بعضاً وأن تتعلم معاً. ويصبح أي خلاف بينها منتجاً لا مشلولاً، كما تظهر الأخطاء إلى السطح دون أن تُعاقب. ويمكن لهذه الفرق أن تتفوق على مجموعات تضم أفراداً أكثر مهارة بالمعنى التقليدي، لكنهم يتعلمون في عزلة.

وإلى جانب المهارات المعرفية والاجتماعية، تساعد المرونة العاطفية وعقلية النمو أيضاً على اكتساب مهارات جديدة بسرعة عندما تصبح المهارات القديمة غير صالحة.

كيف نقيس المهارات الفوقية؟

تحوّل معظم المهارات الجهد إلى ناتج فوري. أما المهارات الفوقية فتحوّل الخبرة إلى قدرة مستقبلية. وقد يبدو الأشخاص أصحاب المهارات الفوقية القوية غير فعالين في كثير من الأحيان. فهم يطرحون أسئلة تبدو ساذجة، ويختبرون فرضيات غير مكتملة، بينما ينفذ الآخرون مهامهم بثقة. لكن عندما تتغير الظروف، قد يتكيفون أسرع من الجميع. ومع ذلك، قد تكون المؤسسات قد قررت بالفعل من هو صاحب “الإمكانات العالية”.

من مصلحة قادة الأعمال والحكومات أن يتعرفوا إلى هذه القدرة الإنسانية الديناميكية وأن يعملوا على تنميتها. تقول الحكمة الإدارية التقليدية إنك لا تستطيع إدارة ما لا تستطيع قياسه. فكيف يمكن إذاً قياس المهارات الفوقية؟ هناك ثلاثة مؤشرات مهمة:

مسارات التعلم: الأشخاص ذوو المهارات الفوقية القوية يكتسبون مهارات جديدة بسرعة أكبر، ويصلون إلى مستوى الكفاءة بعد عدد أقل من التكرارات، ويتكيفون بسرعة أكبر عندما تتغير المهام.

أداء النقل: تظهر المهارات الفوقية عندما يطبق الأشخاص مبادئ تعلموها في سياق معين على مشكلات غير مألوفة لكنها متشابهة في بنيتها.

سلوكيات العملية: تظهر المهارات الفوقية في طريقة عمل الأشخاص. وقد يكون ذلك في شكل تغييرات في الاستراتيجية، وشرح ذاتي، ومقارنات بالقياس، وكذلك في كيفية تعاونهم مع الآخرين.

هل يمكن تدريب المهارات الفوقية؟

الآليات المعرفية والاجتماعية التي تقوم عليها المهارات الفوقية ليست سمات ثابتة، بل يُعرف أنها مرنة لدى البشر، سواء في سن مبكرة أو في مرحلة البلوغ. فالتفكير عالي المستوى، والتنظيم ما وراء المعرفي، والتفكير بالقياس، والتنسيق الاجتماعي، كلها تتحسن من خلال الممارسة المنظمة، والتغذية الراجعة، والبيئات التي تتسم بقدر معقول من التحدي. وتقوى المهارات الفوقية بصورة أكثر موثوقية عندما يواجه الأشخاص مهام جديدة ومعقدة، ويتلقون تغذية راجعة في الوقت المناسب، ويعملون بشكل مترابط.

وهذا أحد الأسباب التي قد تجعل التعليم التنفيذي مفيداً. فالغرض من التعليم التنفيذي ليس مجرد إطلاع القادة على اتجاهات الصناعة أو تعليمهم إطاراً جديداً، بل تقوية الآليات المعرفية والاجتماعية التي ستسمح لهم بالتكيف مع كل ما يأتي لاحقاً. وغالباً ما يشمل التعليم التنفيذي الاستراتيجية أو التمويل أو القيادة. لكن قيمته الأعمق قد تكمن في بناء المهارات الفوقية، من خلال دراسات الحالة، والعمل الجماعي، والمحاكاة، وحل المشكلات، وهي المهارات التي تجعل القادة ومؤسساتهم مؤهلين لعالم لن يتوقف عن التغير.

وهذا أيضاً سبب استمرار فائدة تعلم البرمجة. فمن واقع تجربتي، تغذي البرمجة المكونات المعرفية للمهارات الفوقية كما تفعل أشياء قليلة أخرى.

صقل المهارات الفوقية للاستعداد للمستقبل

وهذا يقودني إلى اعتمادنا المتزايد على الذكاء الاصطناعي. قد يساعدنا استخدام الذكاء الاصطناعي على كتابة تقارير أفضل وأكواد أفضل، لكنه قد يتسبب في ضمور مهاراتنا، بما في ذلك المهارات الفوقية، مما يقلل قابليتنا للتوظيف على المدى الطويل. فكّر في العلاقة بين المهام والمهارات كالعلاقة بين الأوراق والجذور. المهام هي الأوراق، والمهارات هي الجذور. كل ورقة تتغذى من جذور كثيرة، وكل جذر يغذي أوراقاً كثيرة. إزالة ورقة، أي إسناد مهمة إلى الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يؤدي إلى ضمور المهارات الكامنة وراءها، أي الجذور، وهو ما قد يعيق الأداء حتى في مهام أخرى ما زلنا بحاجة إلى القيام بها يدوياً.

كثيراً ما نسمع عبارة “الناس هم أعظم أصولنا”. لكن الأصول يمكن أن تفقد قيمتها. لذلك، هناك حاجة إلى تحقيق توازن بين الكفاءة اليوم والمرونة غداً، وقد تساعدنا المهارات الفوقية على تحقيق ذلك.

المصدر

مقالات ذات صلة