ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يزدهر استخدام الذكاء الاصطناعي من أجل الأثر الاجتماعي في آسيا، حيث يطوّر رواد الأعمال الاجتماعيون حلولاً مبتكرة لتحسين الصحة، والمياه، والطاقة، والخدمات العامة، لكنها تؤكد أن نجاح هذه المبادرات لا يعتمد على قوة التكنولوجيا وحدها، بل على قدرة الحكومات والمستثمرين على بناء منظومات جاهزة تشمل البنية التحتية الرقمية، وحوكمة البيانات، والتمويل، والشراكات، حتى تنتقل هذه الحلول من مرحلة التجارب المحدودة إلى تأثير واسع يلامس حياة الملايين.
- ينجح رواد الأعمال الاجتماعيون في مختلف أنحاء آسيا في توظيف الذكاء الاصطناعي لمعالجة تحديات محلية حيوية تواجه المجتمعات.
- ويتطلب توسيع نطاق هذه الأدوات المهمة بنية تحتية عامة رقمية قوية، لا مجرد تطور تقني متقدم.
- يُحدث الذكاء الاصطناعي أثراً عميقاً في العالم، ولا سيما في آسيا، حيث يستخدم رواد الأعمال الاجتماعيون هذه التكنولوجيا لإطلاق مبادرات تُحسّن خدمات الرعاية الصحية، وتعزز الأنظمة الغذائية، وتوسّع فرص الوصول إلى التعليم، وتدعم القدرة على التكيّف مع المناخ، وتُحسّن تقديم الخدمات العامة.
إن طبيعة الابتكار الاجتماعي نفسها تعني أن رواد الأعمال في هذه المنظومة المتنوعة وسريعة النمو قادرون على تحويل الأدوات الناشئة إلى حلول عملية للمجتمعات التي غالباً ما يكون الوصول إليها هو الأصعب. فهم يختبرون ما ينجح في ظروف واقعية، ويحددون المخاطر التي ينبغي إدارتها، ويسلطون الضوء على فرص تحقيق أثر إيجابي. والإمكانات هنا هائلة.
من الرؤية إلى الواقع: كيف يستخدم المبتكرون الاجتماعيون في آسيا الذكاء الاصطناعي؟
في الفلبين، على سبيل المثال، تستخدم شراكة بين Philippine Business for Social Progress وSiemens Healthineers أداة قائمة على الذكاء الاصطناعي لقراءة صور الأشعة السينية للصدر بحثاً عن مؤشرات الإصابة بالسل، مما يمكّن الأطباء من فحص عدد أكبر من الأشخاص يومياً مقارنة بما يمكنهم إنجازه بمفردهم.
وفي مكان آخر من البلاد، يستخدم معهد المناخ والمدن المستدامة الذكاء الاصطناعي لرسم خريطة للاقتصاد الخفي للطاقة الشمسية على أسطح المباني، من خلال التعلم الآلي وصور الأقمار الصناعية. ومن خلال توفير بيانات دقيقة لمسؤولي المدن ووزارة الطاقة، تساعد هذه المبادرة على إدماج آلاف الأنظمة غير المسجلة في المنظومة الرسمية، وتوسيع الحوافز، وتسريع تبنّي الطاقة النظيفة في مركز حضري يضم نصف مليون نسمة.
أما في بنغلاديش، فتعمل مؤسسة المياه Drinkwell مع كل مرفق عام للمياه في البلاد لتشغيل شبكة تضم أكثر من 300 جهاز لصرف المياه، تصل إلى مجتمعات لا تخدمها شبكة الأنابيب. ويُعد Drinkwell.AI مساعداً رقمياً للمرافق العامة، جرى تدريبه على 13 عاماً من الخبرة الهندسية، بما في ذلك تصاميم الأنظمة، وإجراءات الصيانة، وسجلات جودة المياه، وحلول الأعطال الميدانية. فعندما يواجه المشغّل عطلاً، يمكنه طرح سؤال بلغة بسيطة والحصول على إجابة خلال ثوانٍ، مستندة إلى كل ما سبق أن حلّه الفريق، بدلاً من انتظار زميل واحد سبق له التعامل مع المشكلة نفسها. والنتيجة هي تقليل فترات التوقف في شبكة وزّعت أكثر من ملياري لتر من المياه.
وتكتسب هذه الحلول قوتها لأن المبتكرين الاجتماعيين يشكلون جسراً بين التكنولوجيا والمجتمعات. فمعرفتهم الميدانية وفهمهم للمجتمعات المحلية يمكّنانهم من تقديم حلول ذات معنى وفعالية حقيقية.
ما الذي يمنع التقنيات الواعدة من الوصول إلى الأنظمة العامة؟
لكن، على الرغم من ظهور آلاف المبادرات الواعدة في مجال الذكاء الاصطناعي من أجل الأثر في أنحاء المنطقة، حيث لا يوجد نقص في الأفكار أو الطموح، لا تزال الكثير من هذه المبادرات تكافح للانتقال من مرحلة التجربة إلى مرحلة التنفيذ الملموس. ورغم وضوح الحاجة إليها، لماذا لا تُستخدم المزيد من هذه المبادرات بالفعل في المجال العام؟
يوضح تقرير صادر عن مؤسسة شواب بعنوان الذكاء الاصطناعي من أجل الأثر: دور الذكاء الاصطناعي في الابتكار الاجتماعي في آسيا، بالاستناد إلى مجموعة بيانات تضم أكثر من 2800 مبادرة في مجال الذكاء الاصطناعي من أجل الأثر عبر 10 اقتصادات، أن الإجابة لا تعود بالتأكيد إلى نقص في التميز التقني أو تطور النماذج. بل إن ضعف التقدم يعود إلى جاهزية المنظومة، بما يشمل قضايا الحوكمة، والتمويل، والقدرات المؤسسية، والثقة.
فغالباً ما تفشل الأدوات الواعدة في الاندماج داخل الأنظمة العامة أو في تقديم الخدمات على الخطوط الأمامية، ببساطة لأن المنظومات ليست جاهزة لها. ويواجه المبتكرون عوائق مثل ضعف قابلية تبادل البيانات بين الأنظمة، والتجزؤ المؤسسي، ونقص التمويل، وانحيازات التمويل التي تفضّل مزودي الخدمات الراسخين، مما يحد من فرص الحلول الجديدة.
وعلى النقيض من ذلك، تميل الحلول الناجحة إلى الازدهار في الأماكن التي توائم فيها الحكومات بين الاستراتيجية، والبنية التحتية، والشراكات، بما يتيح نشر الحلول على نطاق واسع. ففي فيتنام، على سبيل المثال، يتسارع التبنّي من خلال استراتيجية وطنية شاملة للذكاء الاصطناعي، وثلاثة مراكز وطنية لابتكار الذكاء الاصطناعي، وتطوير البيانات المفتوحة، والإدماج المنهجي للذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة. وتستفيد الصين وماليزيا وتايلاند كذلك من السياسات الوطنية، والمؤسسات التنسيقية المتخصصة، والاستثمار العام المستمر. وهذه العوامل حاسمة لنشر الذكاء الاصطناعي على نطاق وطني.
كيف يمكن للحكومات والمستثمرين إطلاق قوة الذكاء الاصطناعي من أجل الخير؟
من المتوقع أن يستمر نشاط الذكاء الاصطناعي من أجل الأثر في المنطقة في التوسع خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة. لكن من دون منظومات داعمة، ستواجه العديد من الأفكار القادرة على تغيير الحياة، بل وإنقاذها، صعوبة في تحقيق إمكاناتها الكاملة. ومن أجل الانتقال من التجربة إلى التنفيذ على نطاق واسع، يجب مواءمة السياسات، والبنية التحتية، والمواهب، والتمويل، والشراكات حول نتائج واضحة تخدم المصلحة العامة وأولويات المجتمعات. وبعبارة أخرى، نحن بحاجة إلى بناء ما يمكن تسميته “البنية المؤسسية الأساسية”.
بالنسبة للحكومات، يعني ذلك إظهار الدعم العلني لحلول الذكاء الاصطناعي من خلال الاستثمار المناسب، وإنشاء معايير مشتركة لجودة البيانات، والخصوصية، وقابلية التشغيل البيني. فالبنية التحتية العامة الرقمية وأطر حوكمة البيانات المسؤولة توفر الأسس التي تتيح للحلول المثبتة في مجال الذكاء الاصطناعي الارتباط بالأنظمة الأساسية مثل الصحة، والزراعة، والحماية الاجتماعية، كما تسمح للمبتكرين الاجتماعيين ببناء الحل مرة واحدة ونشره عبر برامج متعددة.
ومن الضروري أيضاً أن تنشئ الحكومات مسارات واضحة للتبني. ويشمل ذلك عمليات شراء عامة تعطي الأولوية لنتائج قابلة للقياس، مثل تقليل أوقات الانتظار أو تحسين الوصول إلى الخدمات؛ وبيئات اختبار تنظيمية تسمح بتجربة الحلول مباشرة داخل الأنظمة العامة؛ وتنسيقاً أقوى بين الوزارات حتى يمكن دمج الحلول المطورة في مجال معين وتوسيع نطاقها وطنياً. فعلى سبيل المثال، تجمع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في فيتنام بين التمويل المخصص، وأنظمة الاختبار التنظيمية، والإدماج الإلزامي للذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة الأساسية.
“لا يتوسع الذكاء الاصطناعي من خلال التطور التقني وحده، بل عندما يُدمج في الأنظمة التي يعتمد عليها الناس، ويُصمم حول احتياجاتهم.”
لدى شركات التكنولوجيا فرصة لتصميم منتجات ومنصات ونماذج أعمال تراعي احتياجات المبتكرين الاجتماعيين. ويشمل ذلك تطوير أدوات سهلة الوصول، وبنى معيارية، ونماذج تسعير تخفّض تكلفة وتعقيد نشر الذكاء الاصطناعي في البيئات محدودة الموارد، مما يسمح للمؤسسات الأصغر بالبناء على بنية تحتية بمستوى مؤسسي. ويمكن لمقدمي الخدمات، مثل شركات الاستشارات والخدمات المهنية، المساعدة في سد الفجوة بين تطوير التكنولوجيا وتطبيقها في الواقع، من خلال دعم بناء القدرات، وتطوير المهارات، وتعزيز الشراكات بين المبتكرين الاجتماعيين والقطاع العام.
وفي الوقت نفسه، يمكن للمنظمات الخيرية، ووكالات التنمية، والمستثمرين في الأثر أن يدفعوا نحو مزيد من التبني عبر تحويل رأس المال من التجارب المنعزلة إلى تمكين المنظومات. ويشمل ذلك تمويل البنية التحتية المشتركة، والتعاون في مجال البيانات، وبناء القدرات، والتوسع متعدد السنوات. ففي باكستان، على سبيل المثال، يجري توسيع نطاق نظام إنذار مبكر مدعوم بالذكاء الاصطناعي من خلال استثمار منسق في محطات الطقس، ومنصات البيانات، والبنية التحتية الوطنية. وهذا يوضح أن تمويل الأنظمة الأساسية لا يقل أهمية عن الاستثمار في الأدوات المستقلة للوصول إلى الملايين.
التصميم المتمحور حول الإنسان هو المفتاح الأهم لتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي
إن قبول الذكاء الاصطناعي، وانتشاره في نهاية المطاف عبر المجتمعات، سيعتمدان على ما إذا كان يقدم فوائد واضحة وملموسة في حياة الناس اليومية. وفي مختلف أنحاء آسيا، لا تصنع التكنولوجيا وحدها هذا الرابط، بل يصنعه المبتكرون الاجتماعيون الذين يحولون القدرات المجردة إلى فوائد عملية، سواء عبر تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية، أو تعزيز سبل العيش، أو توسيع نطاق الخدمات الأساسية.
لا يتوسع الذكاء الاصطناعي من خلال التطور التقني وحده، بل عندما يُدمج في الأنظمة التي يعتمد عليها الناس، ويُصمم حول احتياجاتهم. وعندما تكون الحلول متجذرة في سياق المجتمعات، ومتكاملة مع الخدمات العامة، ومدعومة بالبنية التحتية والشراكات المناسبة، يمكنها أن تبدأ في تجاوز مرحلة التجارب.
إخلاء مسؤولية: تعكس الآراء الواردة في هذه المقالة آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة آراء منظمة EY العالمية أو الشركات الأعضاء فيها.
