ملخص: تناقش هذه المقالة التحول الكبير في محاسبة الكربون، حيث لم تعد الشركات مطالَبة بقياس انبعاثاتها فقط، بل أيضاً بتقييم قدرة الأراضي التي تستخدمها على تخزين الكربون مقارنة بإمكاناتها الطبيعية الأصلية. وتوضح كيف أن إدراج “تكلفة الفرصة الكربونية” سيغيّر طريقة تقييم سلاسل الإمداد، والاستثمارات، والسياسات الزراعية والبيئية، دافعاً الشركات والدول إلى تبنّي استراتيجيات لا تقلل الانبعاثات فحسب، بل تستعيد أيضاً إنتاجية الأرض وتحمي التنوع البيولوجي.
- يحدث أكبر تغيير في محاسبة الكربون خلال هذا العقد، إذ بات يُطلب من الشركات الآن تتبّع الانبعاثات، إلى جانب إمكانات التخزين الكربوني للأراضي التي تستخدمها.
- وستؤدي حسابات تكلفة الفرصة الكربونية الناتجة عن ذلك إلى إنشاء مقياس موحّد يجعل قرارات المناخ والغذاء والتنوع البيولوجي قابلة للمقارنة عبر المناطق الجغرافية والمحاصيل المختلفة.
- يشكّل تحويل الأفكار الواعدة إلى أثر قابل للتوسع محوراً رئيسياً في الاجتماع السنوي للأبطال الجدد التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، والمعروف أيضاً باسم «دافوس الصيفي»، والذي يُعقد في الصين من 23 إلى 25 يونيو 2026.
تشهد الاستدامة المؤسسية أكبر تحول لها منذ ثلاثة عقود. فحتى أوائل عام 2026، كان الإطار الأكثر استخداماً عالمياً في محاسبة الكربون لدى الشركات، وهو بروتوكول غازات الاحتباس الحراري، الذي تتبعه أكثر من 90% من شركات مؤشر S&P 500، يطرح سؤالاً واحداً: ما مقدار الانبعاثات التي أطلقتها هذا العام؟
أما منذ يناير، فقد أصبح يطرح سؤالاً ثانياً: ما مقدار الكربون الذي كان يمكن للأراضي التابعة لشركتك أن تخزّنه مقارنةً بإمكانات نظامها البيئي الأصلي؟ لطالما امتلكت محاسبة المناخ المؤسسية ما يشبه «قائمة دخل» تتتبع تدفقات الكربون؛ أما في عام 2026، فهي تحصل على ما يشبه «ميزانية عمومية» تتتبع مخزون الكربون.
وبذلك، سيدخل استخدام الأراضي، وهو مساهم كبير في الانبعاثات، أخيراً ضمن أساليب محاسبة الكربون. وهذا يعني أن على الشركات وصنّاع السياسات والمستثمرين الانتباه إلى تكلفة الفرصة الكربونية في سلاسل الإمداد والدعم الحكومي وتقييم الأصول، لضمان أن تسهم قراراتهم في استعادة القدرة الإنتاجية للأراضي التي يستخدمونها.
إدراج الأراضي في محاسبة الكربون
لقد تسبّب التركيز على التدفقات الكربونية على حساب المخزونات في مشكلات سابقة. ومن الأمثلة على ذلك تفويضات الوقود الحيوي «منخفض الكربون» التي ظهرت قبل عقدين. فقد أدت هذه السياسة الطاقية، رغم حسن نيتها، إلى إزالة أكثر من مليون هكتار من الغابات الاستوائية حول العالم.
وفي العقود التي تلت ذلك، استمر الإهمال المنهجي للأراضي في محاسبة الكربون في إخفاء مساهمات هائلة في تغير المناخ. فالزراعة تمثل نحو ربع الانبعاثات العالمية، أي ما يعادل تقريباً قطاع النقل، وأكثر من نصف الانبعاثات الزراعية ناتج عن إزالة الأراضي وليس عن زراعة الغذاء. لكن حتى الآن، لم يكن معيار المحاسبة المهيمن يطلب من الشركات احتساب أي من ذلك.
ويُدخل معيار قطاع الأراضي وعمليات الإزالة لعام 2026 ضمن بروتوكول غازات الاحتباس الحراري تغييراً ضرورياً في الإبلاغ عن استخدام الأراضي. إذ يتعين على جميع الشركات الآن الإبلاغ عن انبعاثات تغيير استخدام الأراضي، أي التدفقات. كما يتعين على الشركات التي تمتلك الأراضي أو تتحكم فيها أو تعتمد عليها في مصادرها أن تُبلغ أيضاً عن إجمالي شغل الأراضي، أي المخزونات.
وربما يتمثل الجانب الأهم في الإطار الجديد في إدراجه لتكلفة الفرصة الكربونية. فهذا الأمر سيضع أخيراً الأساس لمحاسبة كربونية متسقة.
احتساب تكلفة الفرصة الكربونية
تُعرّف تكلفة الفرصة الكربونية بأنها الفرق بين كمية الكربون التي يمكن لقطعة أرض أن تخزنها ضمن نظامها البيئي الأصلي، وكمية الكربون التي تخزنها في ظل استخدامها الحالي. ويمكن أن يساعد تتبع هذا المقياس في تجنب النتائج العكسية للأطر المحاسبية السابقة، التي كانت تستبعد الأراضي بالكامل، أو تستبعد الأراضي التي أُزيلت غاباتها منذ أكثر من 20 عاماً، أو تكتفي بتتبع استخدام الأراضي مع تجاهل الكربون الذي كان يمكن تخزينه في النظم البيئية الأصلية.
لقد تم تحويل جزء كبير من الأراضي الزراعية في أمريكا الشمالية وأوروبا من نظم بيئية أصلية قبل قرون. ومن منظور أكثر تقليدية لتغير استخدام الأراضي، أي المحاسبة القائمة على التدفقات فقط، تبدو البصمة الكربونية لاستخدام الأراضي في المنتجات المزروعة هناك ضئيلة، لأن التغييرات الكبرى حدثت في الماضي. كما أن التحول إلى محاصيل أعلى إنتاجية لا يُسجل تقريباً أي فائدة كربونية، إذ لا تظهر فائدة قابلة للقياس إلا في الأراضي التي أُزيلت غاباتها حديثاً، حيث لا تزال انبعاثات إزالة الغابات تُحتسب.
وتصحح تكلفة الفرصة الكربونية هذه الرؤية المشوّهة. فمن خلال احتساب إمكانات النظام البيئي الأصلي، تكشف عن ميزة واضحة لزيادة الإنتاجية في الأراضي التي تم تحويلها منذ زمن طويل، مع إعادة تشجير ما يتبقى منها، حتى عندما لا تُظهر المحاسبة القائمة على التدفقات شيئاً.
مقارنة استخدام الأراضي في إنتاج المحاصيل
يقدم قطاع الدهون والزيوت حالة اختبار ثانية لمحاسبة تكلفة الفرصة الكربونية. يُعد نخيل الزيت في جنوب شرق آسيا أعلى المحاصيل إنتاجية على وجه الأرض من حيث السعرات الحرارية. وقد يبدو أن توجيه المعيار الجديد نحو تقليل البصمة الأرضية يفضّل زراعة المزيد منه، لأن إجمالي المساحات المطلوبة لإطعام عدد معين من السكان سيكون أقل.
لكن نخيل الزيت ينمو في بعض أكثر المناطق الحيوية ثراءً بيئياً على الكوكب، والتي تمتلك إمكانات هائلة لتخزين الكربون في نظمها البيئية الأصلية. وستوازن الشركة التي تتتبع تكلفة الفرصة الكربونية بين هذه الكثافة الكربونية وميزة الإنتاجية، لتخلص إلى أن الكانولا الكندية، رغم انخفاض إنتاجيتها لكل فدان، تحمل تكلفة فرصة كربونية أقل.
والفارق أضيق مما قد يوحي به الحدس، إذ تشير تحليلات حديثة أجرتها شركة Savor إلى أن الاختلافات تقارب 10%. ويرجع ذلك تحديداً إلى وجود مفاضلة بين الإنتاجية وقيمة النظام البيئي. وتشير هذه المفارقة إلى الأولوية الحقيقية، وهي العثور على أقل المسارات استخداماً للأراضي في إنتاج المغذيات الكبرى مثل البروتينات والدهون.
أما الشركات التي تطور أساليب تتطلب مساحات أرضية أقل بكثير، ويمكنها العمل على أراضٍ ذات قيمة منخفضة من حيث النظام البيئي الأصلي، فهي تمثل التقدم الأكثر أهمية الذي يمكن أن يحققه القطاع.
استعادة إنتاجية الأراضي
تختلف آثار محاسبة تكلفة الفرصة الكربونية باختلاف القطاعات. فبالنسبة إلى القيادات التنفيذية في قطاعات الغذاء والأزياء والوقود والمواد والتغليف، أي كل صناعة تلامس سلسلة قيمتها الأرض، يجب أن تصبح تكلفة الفرصة الكربونية عاملاً تصميمياً في استراتيجية التوريد، لا فكرة لاحقة. وسيتمكن المبادرون الأوائل من تجنب مخاطر الأصول العالقة التي ستتراكم في سلاسل الإمداد المبنية على مقاييس خاطئة.
أما بالنسبة إلى صنّاع السياسات، فإن المعيار يعيد صياغة معنى الحوافز الجيدة. فتفويضات الوقود البديل، والدعم الزراعي، وقواعد التجارة مثل آلية تعديل حدود الكربون في الاتحاد الأوروبي، وأسواق إزالة الكربون، كلها تحتاج إلى اختبارها في ضوء منطق تكلفة الفرصة. وقد أظهرت تجربة الوقود الحيوي ما يحدث عندما تدعم السياسات المقياس الخطأ. كما أن حوافز الزراعة المتجددة وإعادة التشجير معرضة لإخفاقات مماثلة إذا لم تكن المحاسبة الأساسية صحيحة.
وبالنسبة إلى المستثمرين، تجري الآن إعادة تسعير الأراضي. فقد تحمل الأراضي الزراعية المتدهورة في المناخات المعتدلة قيمة طويلة الأجل أكبر من الأراضي الزراعية الاستوائية التي أُزيلت غاباتها حديثاً، بمجرد احتساب المخاطر التنظيمية ومخاطر الأصول العالقة خلال العقدين المقبلين. ولا يؤثر هذا التغيير في محاسبة الكربون على تقارير الشركات فحسب، بل يغير أيضاً الجاذبية النسبية للأصول التي كانت تبدو متكافئة في ظل أطر أبسط.
إن الشركات والدول التي تستوعب تكلفة الفرصة الكربونية مبكراً ستحظى بميزة تتراكم بمرور الوقت. فهذا المقياس هو الأقرب في هذا المجال إلى معيار موحد يجعل قرارات المناخ والغذاء والتنوع البيولوجي قابلة للمقارنة عبر المناطق الجغرافية والمحاصيل.
أما المرحلة المقبلة من الأهداف الكوكبية، فلن تكافئ فقط الشركة التي تقلل انبعاثاتها، بل الشركة التي تعمل بنشاط على استعادة القدرة الإنتاجية للأراضي التي تلامسها.
