القائمة الرئيسية

الذكالي يحوّل العمل إلى مقياس للأداء

الذكالي يحوّل العمل إلى مقياس للأداء
ملخص المقال

من إحصاء الرموز البرمجية المستهلكة إلى ملخصات الاجتماعات الآلية، تعيد الأنظمة البرمجية لـ ""الذكالي"" في الشركات صياغة الحوافز المهنية

ملخص: يتناول المقال ظاهرة جديدة في بيئات العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث تتحول المقاييس الرقمية المصممة لقياس الإنتاجية إلى أهداف بحد ذاتها، مما يدفع الموظفين إلى التركيز على إظهار النشاط بدلاً من خلق قيمة حقيقية. ويوضح أن أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على توليد كميات ضخمة من التقارير والعروض والوثائق والملخصات، لكن كثرة المخرجات لا تعني بالضرورة جودة النتائج أو تحقيق أهداف العمل. كما يستعرض أمثلة من شركات كبرى مثل أمازون وميتا، حيث سعى بعض الموظفين إلى تضخيم استهلاكهم لأدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين صورتهم أمام الإدارة، في تجسيد لما يعرف بـ«قانون غودهارت» الذي ينص على أن المقياس يفقد قيمته عندما يتحول إلى هدف. ويحذر المقال من أن الاعتماد المفرط على مؤشرات الاستخدام والتلخيصات الآلية قد يشجع السلوك الاستعراضي ويضعف التفكير النقدي والإبداعي، بينما يدعو إلى قياس القيمة الفعلية للعمل من خلال النتائج التشغيلية الحقيقية، مثل تحسين تجربة العملاء، وتسريع الإنجاز، وتقليل الأخطاء، بدلاً من التركيز على أرقام النشاط والاستخدام المجردة.

من إحصاء الرموز البرمجية المستهلكة إلى ملخصات الاجتماعات الآلية، تعيد الأنظمة البرمجية لـ "الذكالي" في الشركات صياغة الحوافز المهنية، لتكافئ كل ما هو قابل للقياس الكمي، عوضاً عما يدفع عجلة العمل الحقيقي نحو الأمام.

كان من المفترض أن تساهم برمجيات "الذكالي" في المؤسسات بجعل الموظفين أكثر إنتاجية، وقد نجحت في ذلك بالفعل في بعض الحالات، ولكنها خلقت في المقابل حوافز جديدة تدفع الموظف لتبدو عليه ملامح الإنتاجية والاجتهاد، بدلاً من تقديم قيمة حقيقية ملموسة.

ويتخذ "مسرح الإنتاجية" هذا صوراً وأشكالاً شتى؛ فكما تعلّم الموظفون سريعاً مع أدوات "الذكالي" التوليدي، فإن هذه التقنية تبرع تماماً في النتيجة التي يعد بها اسمها وهي التوليد والإنتاج الغزير. وبناء على ذلك، أصبح بإمكان الموظفين بسهولة إنتاج عروض تقديمية، وتقارير، ومسودات، وتحديثات بحجم مرئي وقابل للقياس، غير أن السؤال الجوهري يظل يكمن في مدى تحول هذا الكم الهائل إلى قيمة فعلية. وبمجرد أن يدرك الموظفون أن "الذكالي" يتتبع مؤشرات أداء محددة، مثل وقت إغلاق تذاكر الدعم الفني، أو عدد حزم البرمجة المرفوعة، أو حجم الوثائق المنتجَة، فإنهم يعمدون ببساطة إلى التلاعب بالنظام الرقمي وإغراقه بإنتاجية ذات قيمة مشكوك في أمرها.

ولا تقف نصوص حوارات الاجتماعات المكتوبة بعيداً عن هذه الحوافز المصطنعة؛ فعندما تصبح ملخصات الاجتماعات المستندة إلى "الذكالي" هي السجل الرسمي الذي يثبت حضور الموظف ومشاركته، يتعلم العاملون بسرعة كيفية إقحام مداخلات مرئية وعبارات رنانة لكي تظهر في الملخص النهائي، بغض النظر عما إذا كانت تلك المداخلة قد دفعت بالنقاش خطوة إلى الأمام أم لا. ولعل ظاهرة تعظيم استهلاك الرموز التقنية، أو ما يعرف اصطلاحاً بـ "التوكن مكسينغ"، تمثل الصورة الأكثر وضوحاً وكلفة لهذه الممارسات؛ حيث يسعى المهندسون لرفع معدل استخدامهم لأدوات "الذكالي" إلى حده الأقصى لعلمهم بأن مراقبة الإدارة منصبة على حجم استهلاك التقنية وليس على جودة المنتج النهائي، فالمدراء لا يرون سوى أرقام التدفق ومعدلات الاستهلاك.

وقد طفت هذه المعضلة على السطح مؤخراً في شركة أمازون، حيث تبين أن الموظفين يقومون بتشغيل أداة "الذكالي" الداخلية للشركة لإنجاز مهام تافهة بهدف تضخيم أرقام استهلاكهم للرموز التقنية، وذكر أحد الموظفين لصحيفة فاينانشال تايمز أن هناك ضغوطاً هائلة تُمارس عليهم لمجرد استخدام هذه الأدوات. ولاحقاً، أكدت أمازون أنها ألغت لوحة الصدارة الرقمية تلك، واصفة إياها بأنها كانت مجرد لوحة تحكم تجريبية ولم تكن أداة رسمية أو معتمدة.

ومن البديهي في عالم الإدارة أنك لا تقوم بإلغاء وإيقاف نظام ما إذا كان يعمل بكفاءة ويحقق مصلحة العمل.

وفي شركة ميتا، قام الموظفون ببناء لوحة صدارة داخلية أطلقوا عليها اسم "كلودونوميكس" لتصنيف ما يقارب 85,000 موظف بناءً على حجم استهلاكهم للرموز التقنية، وسجلت اللوحة استهلاكاً يتجاوز 60 تريليون رمز في شهر واحد قبل أن يتم إغلاقها وحذفها.

وقد وصف المحللون هذه الظاهرة بأنها تجسيد مثالي وصريح لـ "قانون غودهارت" الشهير في علم الاقتصاد، والذي ينص على أنه عندما يتحول المقياس إلى هدف، فإنه يفقد صلاحيته كمقياس جيد. فعندما تقيس الشركات مدى نجاح تبني "الذكالي" بحجم المخرجات الكمية بدلاً من جودة النتائج، فإنها تلقن موظفيها درساً مفاده أن الأهم هو تحسين المؤشر الرقمي وليس جودة العمل ذاته.

وتشير الإحصاءات إلى أن ما يقارب 74% من أصحاب العمل في الولايات المتحدة يستعينون حالياً بأدوات التتبع الرقمي عبر الإنترنت، وسط توقعات بأن يتضاعف حجم السوق العالمي لمراقبة الموظفين ثلاث مرات بحلول عام 2034، مما يوضح أن نمو هذه الأدوات الرقابية يتسارع بشكل يفوق العثور على إجابات واضحة حول ما ينبغي لها قياسه بالفعل.

عندما تتحول المؤشرات إلى العمل نفسه

تقول لويزا لوران، المستشارة التنفيذية ومؤلفة كتاب "تشريح القيادة في حركتها"، والتي قادت مشاريع التحول القائم على "الذكالي" في شركتي غوغل وميرسك، إن الخطر الأعمق لا يكمن في تلاعب الموظفين بالنظام، فالبشر لطالما تكيفوا مع الحوافز المتاحة لهم، بل إن الخطر الحقيقي يتمثل في قيام المؤسسات على نحو هادئ وصامت بإعادة تعريف مفهوم العمل الجيد وصياغته حول ما يمكن لأنظمة "الذكالي" التقاطه وتلخيصه ومكافأته بسهولة. وهذا التحول يغير سلوكيات الموظفين بسرعة تفوق إدراك القيادات الإدارية.

وفي حالة ملخصات الاجتماعات الآلية، تصبح مداخلات الموظفين أكثر تنميقاً ومحسوبة بدقة من حيث التوقيت الاستراتيجي، بينما يتم تهميش التفكير الاستكشافي والعصف الذهني الحر، لأنه نادراً ما يظهر بشكل جيد في الملخصات التقنية. وتضيف لوران أن الموظفين يتعلمون صياغة حديثهم في شكل شذرات جاهزة للاقتباس بدلاً من طرح أفكار غير مكتملة النضج تحتاج للنقاش، ونتيجة لذلك تظل المؤسسة تبدو في الظاهر منتجة؛ حيث تتحرك لوحات التحكم، وتتدفق التلخيصات، وترتفع مؤشرات تبني التقنية، ولكن في العمق، يتآكل التفكير المستقل، والاصطدام البنّاء في وجهات النظر، والمجازفة الفكرية بشكل صامت.

ويتفق لويس بومونت مع هذا الطرح، وهو مؤسس منصة "سكرين بايب" مفتوحة المصدر المتخصصة في بناء وكلاء "الذكالي" الواعين بالسياق، حيث يرى أن الموظفين يعيدون صياغة القرارات التي اتُّخذت بالفعل لمجرد أن يسجلها نظام التوثيق الآلي، ويسارعون إلى ادعاء الفضل في الأفكار لكي ينسبها مدون الملاحظات الإلكتروني إليهم، ويتوقفون عن إبداء الاعتراض علناً لأن أي تراجع أو ممانعة تُلخَّص الآن للإدارة العليا على أنها عرقلة. ويضيف بومونت أن الجانب الصادق والشفاف من الاجتماعات يهاجر إلى الرسائل المباشرة والممرات الجانبية بعيداً عن أعين "الذكالي"، في حين أن معظم المدراء لا يلاحظون غياب الصدق والصراحة، بل يكتفون برؤية ملخص منسق ويثقون به، وهو عين الانتكاس الإداري.

ويمتلك هذا الحراك تفسيراً هيكلياً؛ إذ تكشف البيانات الحديثة الصادرة عن مؤسسة "كورنرستون أون ديماند" بناء على استطلاع شمل 2000 موظف في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أن 47% من الموظفين يتعلمون كيفية التعامل مع "الذكالي" عبر التجربة والخطأ، و36% يحدون من استخدامه خوفاً من الوقوع في الأخطاء، بينما يقر 17% بأنهم يتظاهرون أحياناً باستخدام "الذكالي". وتؤكد هذه الأرقام أن الموظفين لا يمارسون الخداع والتلاعب بدافع الكسل، بل يسعون إلى تحقيق الأمان المهني في ظل غياب توقعات واضحة من إداراتهم.

"الذكالي" يسرع خطى خطأ إداري قديم

ولا يبدو أن الشركات المزودة للتقنية تسهم في حل المشكلة؛ إذ تشير لورا ستاش، نائبة الرئيس التنفيذي في شركة "آي تيك إيه جي" وأحد الأصوات الخبيرة في مجال تبني "الذكالي" في المؤسسات، إلى أن زيادة الأوامر البرمجية والمدخلات لا تعني بالضرورة زيادة القيمة، كما أن وفرة المخرجات المولدة بواسطة "الذكالي" لا تعني تحقيق نتائج أفضل للعمل. ولقد تعلمنا هذا الدرس ذاته في حقب سابقة مع تدفق رسائل البريد الإلكتروني، وكثرة الاجتماعات، وعروض الباوربوينت، وتذاكر نظام "جيرا"، وكل تقليعة إنتاجية سبقت هذه الموجة.

بيد أن المتغير الحقيقي اليوم هو سرعة ودقة حلقة التغذية الراجعة، حيث توضح ستاش أن المثير للاهتمام هو السرعة الفائقة التي تتكيف بها سلوكيات الموظفين بمجرد إدراكهم أن ملخص "الذكالي" هو الشيء الوحيد الذي يقرؤه المدراء التنفيذيون بالفعل. ومن ثم، يبدأ الأشخاص في الحديث لجمهور النص المكتوب بدلاً من التحدث للحاضرين في الغرفة، ويمكن ملاحظة تحول النقاشات في الاجتماعات نحو السؤال عن كيف سأبدو في التلخيص، بدلاً من السؤال الجوهري حول هل قمنا بحل المشكلة فعلاً.

إن الأدوات التقنية التي يتم تسويقها وبيعها لحل هذه المعضلات تقيس في الواقع الأمور الخاطئة؛ إذ يرى بومونت أن حساب ساعات العمل المحصورة، وعدد الاجتماعات الملخصة، ونسبة الوقت المقضي على التطبيقات المعتمدة، لا يمثل أي منها نتاجاً حقيقياً للأعمال. ويضيف أن الدراسة الحقيقية والجدية التي تبحث في ما إذا كان الفريق قد شحن منتجات أكثر، أو هل تحسنت دورة العمل الزمنية، أو هل تفوقت المجموعة الخاضعة للمراقبة على المجموعة غير المراقبة، هي دراسة بطيئة وقد تفجر مفاجأة غير سارة وتثبت أن الأداة التقنية لم تفعل شيئاً على الإطلاق، ولذلك لا يقوم أحد تقريباً بإجراء هذا النوع من الدراسات، حيث يباع المنتج بناء على مظهر المخرجات الصورية لا على حقيقة النتائج المستدامة.

ولا تختلف الوثائق والتقارير عن هذا المشهد؛ حيث كشفت دراسة أجرتها مؤسسة "سمول بي دي إف" حول سير العمل المهني أن 16% من جميع الوثائق المهنية يتم التخلي عنها وإهمالها قبل استخدامها أو مشاركتها أو إنهائها، مما يكلف المهنيين ما متوسطه خمس ساعات ونصف شهرياً من الجهد الضائع. ولم ينجح "الذكالي" في سد هذه الفجوة، بل قام في كثير من الأحيان بتغطيتها وسترها بمخرجات منسقة بعناية تبدو في ظاهرها تقدماً وإنجازاً بينما لا تفضي إلى أي مكان.

ويستمر هذا الوضع ويتجذر لأن الأشخاص الأكثر قدرة على كشف هذا الخلل والإشارة إليه هم أنفسهم الأشخاص الذين سيخسرون الكثير إن فعلوا ذلك. وكما يلخص بومونت المسألة فإن لوحة التحكم الخضراء التي تشير إلى صعود المؤشرات هي ملاذ أكثر أماناً للموظف من لوحة تحكم صادقة تظهر خطاً أفقياً راكداً، فالعرف الإداري يقتضي ألا تقوم بطلب تدقيق على أمر قمت بشرائه واعتماده بنفسك.

قانون غودهارت يفرض ظلاله على "الذكالي"

تمثل لوحات صدارة استهلاك الرموز التقنية في هذا العام النسخة المحدثة من حيلة "محرك الفأرة" التي ظهرت إبان طفرة العمل عن بعد؛ فحين ربطت أدوات المراقبة عن بعد نشاط حركة مؤشر الفأرة بالأداء الوظيفي، استجاب الموظفون بابتكار أدوات ميكانيكية تحاكي الحركة لإيهام النظام بالنشاط. وجاء رد الشركات المزودة للتقنية برفع وتيرة الرقابة عبر تسجيل نقرات لوحة المفاتيح، والتقاط صور عشوائية للشاشة، وتتبع حركة العين عبر الكاميرا، ووصولاً الآن إلى تصنيف الأنشطة بواسطة "الذكالي"، وافترضت كل مرحلة من هذه المراحل أن المشكلة تكمن فقط في عدم دقة الأداة الرقابية الوسيطة.

ويصف بومونت مراقبة الموظفين عبر "الذكالي" بأنها تمثل الجيل الثاني من حيل تحريك الفأرة ولكن مع لوحة تحكم أكثر أناقة وجاذبية، فهي تجسيد للخطأ الإداري ذاته ولكن بدقة رقمية أعلى.

وتشير ستاش إلى أن المؤسسات لطالما عانت تاريخياً من الفصل بين العمل المرئي الاستعراضي والعمل ذي القيمة الحقيقية؛ فالموظف اللبق المحبوب الذي يجيد إدارة انطباعات الإدارة عنه ينال الترقيات، في حين يتم تجاهل الموظف الهادئ الذي ينتج العمل الفعلي في صمت. ولم يبتكر "الذكالي" هذه الديناميكية الإنسانية، ولكنه حول مؤشراتها إلى إشارات رقمية أسرع وتتمتع بسلطة يصعب دحضها أو الجدال معها، مع العلم أن رصد مؤشر فأرة زائف يعد أسهل بكثير من كشف ملخص اجتماع تم تحسينه وتنميقه بذكاء لخدمة مصالح شخصية.

كفّوا عن تقييم الموظفين رقمياً وقيسوا القيمة الفعلية

لا تعني هذه المعطيات بأي حال من الأحوال أن تتوقف المؤسسات عن قياس وتتبع مدى تبني "الذكالي"؛ فالقادة بحاجة ماسة لمعرفة ما إذا كان الموظفون يشتغلون على هذه الأدوات الباهظة الثمن وما إذا كانت تسهم في تحسين الأداء. إنما تبدأ المشكلة الحقيقية عندما يتحول مجرد الاستخدام في حد ذاته إلى النتيجة والهدف النهائي.

إن الشركات التي تدير هذه المرحلة بنجاح تعتمد معايير قياس مختلفة تماماً؛ حيث توضح لوران أن الشركات الأقوى باتت أكثر حسمًا وفطنة في تحديد ما يصنع لها قيمة فريدة واستثنائية، وتستخدم "الذكالي" لتعزيز هذه الميزة وتوسيع نطاقها بدلاً من استبدالها بمخرجات نمطية مكررة. وترى لوران أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد نشر أدوات "الذكالي"، بل في ضمان أن تساهم هذه التكنولوجيا في تقوية الحكمة والتقدير البشري، بدلاً من تلقين الموظفين وتدريبهم تدريجياً على تمثيل دور المساهمة بدلاً من ابتكارها فعلياً.

وتؤكد ستاش على ضرورة أن يتطور استخدام "الذكالي" ليصبح أقرب إلى المحاسبة التشغيلية، بحيث يرتبط بالمشاريع والنتائج والقيمة التجارية القابلة للقياس، بدلاً من الارتباط بلوحات تحكم تقيس النشاط الصوري. وتضيف أن الشركات التي ستصيب كبد الحقيقة ستتوقف عن قياس نشاط "الذكالي" بمعزل عن الواقع، وتبدأ بربط الأعمال المدعومة بالتقنية بالمخرجات التشغيلية الفعلية، مثل تسريع وتيرة التسليم، أو تحسين تجربة العملاء، أو خفض نسبة إعادة العمل وتصحيح الأخطاء، أو مساعدة الفرق على اتخاذ القرارات بشكل أسرع، فهذا هو الجانب الوحيد الذي يستحق القياس والمتابعة.

وتشير ستاش إلى أن ضبط وتشكيل الأدوات الفردية يسهم في تغيير المعادلة السلوكية للموظفين؛ فإذا كانت برمجيات التلخيص تكافئ من يتحدث أكثر، فسوف يركز الموظفون على الظهور والاستعراض، أما إذا ركزت الملخصات على القرارات المتخذة، والخطوات التنفيذية، والمعوقات، وتوزيع المسؤوليات، فسوف يوجه الموظفون جهودهم نحو دفع العمل إلى الأمام.

وينصح بومونت بالتوقف التام عن تقييم الموظف والبدء بدلاً من ذلك في قياس قيمة العمل نفسه، والتركيز على فهم سياق وكيفية إنجاز المهام بدلاً من التركيز على حجم المخرجات الكمية، وذلك بهدف العثور على مكامن الخلل والاهتراء، وتوثيق العمليات، وأتمتة المهام الشاقة والمجهدة وحساب الوقت المستغرق بدقة. ويختتم بومونت محذراً من أنه في اللحظة التي يشعر فيها الموظفون بأن أدوات رصد البيانات تُستخدم كأداة ضغط ضدهم، فإنهم سيعودون إلى استخدام حيل تحريك الفأرة والتحايل الرقمي في غضون أسبوع واحد.

وتوحي البيانات الصادرة عن مؤسسة "كورنرستون" بأن الوقت المتاح لإصلاح هذا المسار وتصحيحه أخذ في النفاد؛ فعندما يتظاهر واحد من كل خمسة موظفين تقريباً باستخدام "الذكالي"، فإن هذا يعني أن مسرح الأداء والاستعراض قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من دورة العمل اليومية. وبمجرد أن توكل المؤسسات مهمة تعريف العمل الجيد إلى ما يمكن للأنظمة الرقمية حصر وتلخيص وتصنيف أرقامه بسهولة، فإن الموظفين سيتكيفون مع هذا الواقع الجديد بلا شك، ولم يعد السؤال المطروح اليوم هو هل سيتلاعب الموظفون بالمؤشرات الرقمية لخدمة مصالحهم، بل هل ما زال القادة والمدراء يمتلكون القدرة على معرفة القيمة الحقيقية وتمييزها عندما لا تظهر على شاشات لوحات التحكم الرقمية.

المصدر

مقالات ذات صلة