القائمة الرئيسية

كيف يعيد ""الذكالي"" رسم مستقبل القوى العاملة؟

كيف يعيد ""الذكالي"" رسم مستقبل القوى العاملة؟
ملخص المقال

يرى صناع القرار والمدراء التنفيذيون أن ""الذكالي"" لن يقضي على سوق العمل برمته، غير أن المؤشرات الحيوية لبيانات التوظيف تكشف أن دفة التغيير الجذري قد بدأت بالدوران فعلياً في عمق بيئات العمل.

ملخص: يتناول المقال التأثير الفعلي للذكالي على سوق العمل، ويجادل بأن الحديث عن موجة واسعة من فقدان الوظائف ما زال مبالغاً فيه، إذ لا تظهر البيانات الحالية دليلاً على استبدال جماعي للعمالة البشرية. ويرى أن كثيراً من الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي كذريعة لتبرير تسريح الموظفين فيما يعرف بـ«الغسيل بالذكالي»، رغم أن أسباب التقليص غالباً ما تكون اقتصادية أو تنظيمية. ومع ذلك، يؤكد المقال أن الذكالي يعيد تشكيل هيكل القوى العاملة بصورة تدريجية، حيث تتعرض الوظائف المبتدئة والأعمال الروتينية في التقنية وخدمة العملاء والإدارة لضغوط متزايدة، بينما يتنامى الطلب على تخصصات جديدة مثل هندسة الذكاء الاصطناعي، وحوكمته، والأمن السيبراني، والإشراف البشري على الأنظمة الذكية. ويخلص المقال إلى أن التأثير الأهم للذكالي لا يتمثل في القضاء على الوظائف، بل في تغيير طبيعة العمل والمهارات المطلوبة، مع بقاء الخبرة البشرية والقدرة على الحكم واتخاذ القرار عناصر لا غنى عنها في بيئات العمل المستقبلية.

ومضات جوهرية

  • لم يخلّف "الذكالي" وراءه مجزرة وظائف ملموسة كما شاع، ولكنه يعيد رسم خارطة التوظيف وبناء الخطط الاستراتيجية للموارد البشرية.

  • تعمد بعض الشركات إلى ممارسة نوع من التمويه أو ما يُعرف بـ "الغسيل بالذكالي" لتبرير حملات إنهاء الخدمات، ملقيةً باللوم على التقنية قبل أن تنضج أدواتها كفايةً لتحل محل الإنسان.

  • تقع الشريحة الأكبر من الضغوط الحالية على كاهل الموظفين المبتدئين في قطاع التقنية، والوظائف المعرفية حديثة العهد، فضلاً عن قطاعات خدمة العملاء والمساندة الروتينية.

  • في المقابل، يزدهر طلب جديد ومتسارع على تخصصات هندسة "الذكالي"، وأطر حوكمته، والأمن السيبراني، ومجالات الإشراف البشري المشترك.

ربما لم يطلق "الذكالي" رصاصة الرحمة على مستقبل الوظائف كما تباكى بعضهم في نبوءاتهم، إلا أنه بدأ يغير تضاريس القوى العاملة ملامح مادية لا تخطئها العين.

وفي الوقت الذي يواصل فيه قادة الأعمال ومحللو قطاع التقنية سجالهم حول حجم الفرص الضائعة في المستقبل، فإن الواقع يشهد تبدلاً متسارعاً في أنماط التوظيف، وفرص العمل المتاحة للخريجين الجدد، وتوليفة المهارات التي باتت تتربع على رأس أولويات أرباب العمل.

مخاوف التخلي عن الكوادر البشرية تتصادم مع واقع شديد التعقيد

تتوالى التطمينات من قادة ماليين وتقنيين بارزين تدعو إلى العزوف عن حالة الذعر؛ إذ يرى ديفيد سولومون، الرئيس التنفيذي لمجموعة غولدمان ساكس، أن تضخيم أزمة الوظائف الناجمة عن "الذكالي" أمر مبالغ فيه، وهو ما يتقاطع مع رؤية سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، الذي يستبعد حدوث فناء شامل لفرص العمل.

وقد عبّر سولومون عن هذا المنظور في مقال له بجريدة نيويورك تايمز قائلاً: "هل سيهز الذكالي أركان سوق العمل؟ نعم، دون أدنى شك. ولكن التاريخ يسجل للولايات المتحدة مرونة فائقة في توليد مسارات وظيفية جديدة كلما واجهت تحولاً كبيراً، بدءاً من دخول الكهرباء في مطلع القرن العشرين، ووصولاً إلى الطفرة الرقمية في التسعينيات. ولا أرى مبرراً واحداً يجعل هذه العجلة تتوقف اليوم".

وعلى المقلب الآخر، يرى خبراء آخرون، ومنهم جورج الهيدري، الرئيس التنفيذي لبنك إتش إس بي سي، أن ثمة اضطراباً عميقاً يلوح في الأفق، لاسيما في تلك الأعمال التي تقتات على المهام المعرفية النمطية.

وفي قراءة لهذه التصريحات، توضح إيمي لوميس، نائبة رئيس المجموعة لممارسات حلول أماكن العمل العالمية في مؤسسة آي دي سي، أن الخطاب الصادر عن كبار المسؤولين يصاغ بعناية فائقة لتهدئة روع وسائل الإعلام، وإرضاء مجالس الإدارات، وتأكيد التزامهم بجعل تطبيقات "الذكالي" جزءاً من الهيكل الأساسي للأعمال.

ويعود هذا التوجه في صياغة الرسائل جزئياً إلى أن المؤسسات ما زالت في طور التجريب لتحديد الموضع الأنسب لـ "الذكالي" ضمن منظومتها التشغيلية؛ فالشركات تمضي بالتوازي في إعادة الهيكلة، واختبار الأتمتة، وإعادة النظر في خطط التوظيف، مما يجعل الفصل بين الأثر الحقيقي لـ "الذكالي" والضغوط الاقتصادية العامة أمراً بالغ الصعوبة.

تلميحات ذات صلة: الشركات تلمّح إلى "الذكالي" عند تقليص العمالة، لكن لغة الأرقام تفصح عن كواليس أكثر تعقيداً.

الذرائع المؤسسية الجاهزة وراء تسريح العمالة

"إن التستر وراء عباءة الذكالي يبدو صوتاً أكثر جاذبية من إعلان تسريح اعتيادي للموظفين؛ فهو يمنح الشركة صبغة الابتكار والريادة، ويوحي بأنها تسبق عصرها بخطوات تجعلها في غنى عن العنصر البشري".

جيه بي غوندر نائب الرئيس والمحلل الرئيسي في مؤسسة فورستر

إن حالة الغموض المحيطة بالمدى الذي سيصل إليه تأثير "الذكالي" على سوق التوظيف قد أنجبت ظاهرة جديدة، وهي تعليق مشانق التسريحات على شماعة التقنية، سواء كان لها دور فعلي في استبدال الموظف أم لم يكن.

ويطلق جيه بي غوندر، نائب الرئيس والمحلل الرئيسي في مؤسسة فورستر، على هذه الممارسة مصطلح "الغسيل بالذكالي"، وهي حيلة تسويقية تلجأ إليها الشركات لإلقاء لائمة فقدان الوظائف على التطور التقني، بينما هي في الحقيقة تطبق سياسات مجحفة بحق كوادرها البشرية.

ويضيف غوندر: "إن التستر وراء عباءة الذكالي يبدو صوتاً أكثر جاذبية من إعلان تسريح اعتيادي للموظفين؛ فهو يمنح الشركة صبغة الابتكار والريادة، ويوحي بأنها تسبق عصرها بخطوات تجعلها في غنى عن العنصر البشري".

وأشار غوندر إلى أنه يلتقي بانتظام بمسؤولي شركات يزعمون أن "الذكالي" سيزيح قطاعاً عريضاً من موظفيهم، رغماً عن افتقارهم لبنية تقنية ناضجة تؤهلهم لذلك. وأوضح قائلاً: "لكي نتحدث عن إحلال حقيقي، يجب أن نرى أدوات الذكالي وهي تنجز في اليوم التالي للتسريح ذات المهام التي كان يقوم بها البشر بالأمس، وهو سيناريو نادر الحدوث في وقتنا الراهن".

القراءات الإحصائية: خسائر الوظائف لا تزال تحت السيطرة

جاء صعود نجم "الذكالي" في توقيت متشابك عقّد من عملية رصد أثره الفعلي في سوق العمل؛ فالشركات ما زالت تحت وطأة التكيف مع معدلات الفائدة المرتفعة، وتقلبات سلوك المستهلكين، وتبعات ما بعد الجائحة، إلى جانب ضغوط المستثمرين المستمرة لرفع معدلات الكفاءة بأقل التكاليف.

وطبقاً لبيانات مؤسسة آي دي سي، فإن معدلات البطالة حافظت على مستويات منخفضة تاريخياً منذ أن تحول "الذكالي" التوليدي إلى قبلة رئيسية للاستثمارات، ولا توجد شواهد إحصائية تثبت حدوث عمليات إقصاء جماعية للموظفين بداعي هذه التقنية بشكل مباشر. ويبدو أن الارتفاع الطفيف في نسب البطالة المسجل منذ عام 2024 يعود إلى الدورات الاقتصادية الطبيعية وإعادة ترتيب الأولويات الصناعية، وليس إلى طوفان الأتمتة.

وتأتي الأرقام الصادرة عن مؤسسة فورستر، بحسب غوندر، لتدعم هذه الرؤية وتؤكد ذات السردية.

ومن أبرز ما كشفت عنه دراسات المؤسسة:

  • لم تتجاوز الوظائف المفقودة بسبب "الذكالي" والأتمتة حاجز 100,000 وظيفة خلال عام 2025.

  • تشير تقديرات أخرى متقاطعة إلى أن الرقم الفعلي يتراوح بين 50,000 و 55,000 وظيفة فقط.

  • تظل الأغلبية العظمى من قرارات تقليص العمالة ناتجة عن حسابات اقتصادية وتجارية أوسع، بمعزل عن الإحلال التقني المباشر.

أين تتركز بؤر الضغط الوظيفي؟

على الرغم من تماسك الإطار العام لمعدلات التوظيف، إلا أن هناك قطاعات نوعية بدأت تتجرع مرارة الضغط مبخراً.

وقد رصدت مؤسسة آي دي سي عدة مجالات تتسابق فيها الشركات لتطبيق حلول "الذكالي":

  • مكاتب الدعم الفني ومساندة تكنولوجيا المعلومات.

  • عمليات النظم ومراقبة سلامة البنى التحتية الرقمية.

  • مراكز الاتصال وخدمات العناية بالعملاء.

  • المهام الإدارية الخلفية في قطاعات المالية، الموارد البشرية، والعمليات التشغيلية.

  • بعض الأدوار التنسيقية والإشرافية في مستويات الإدارة الوسطى.

وفي الوقت ذاته، يجد جيل الشباب الصاعد أنفسهم أمام سوق عمل مغايرة تماماً لتلك التي ولجها من سبقوهم.

حيث أظهرت بحوث آي دي سي تراجعاً حاداً في شواغر تطوير البرمجيات للمبتدئين ووظائف تقنية المعلومات والاتصالات المخصصة للخريجين الجدد منذ أواخر عام 2022؛ وذلك لأن أدوات البرمجة المدعومة بـ "الذكالي" منحت الموظفين المخضرمين القدرة على استيعاب وإنجاز المهام التي كانت تُوكل عادةً للوجوه الجديدة.

وتتوقع مؤسسة فورستر مساراً مشابهاً ينعكس سلباً وبشكل ملحوظ على مطوري البرمجيات، والمحررين التقنيين، وممثلي مراكز الاتصال، وصغار الموظفين في الحقل المعرفي.

إن هذا التحول يبرز أولاً في طبيعة وهيكلة القوى العاملة قبل أن يترجم إلى أرقام بطالة صريحة؛ إذ باتت الشركات أكثر راديكالية وانتقائية في توظيف المبتدئين، وتوجه دفة استثماراتها السخية نحو التخصصات المرتبطة بـ "الذكالي"، مع إعادة تقييم جذرية لآليات تنفيذ الأعمال النمطية.

ميلاد تخصصات جديدة مع انحسار الأعمال التقليدية

في المقابل، تؤكد دراسات آي دي سي أن قطاع الأعمال يضخ استثمارات ضخمة لابتكار وظائف جديدة تتماشى مع متطلبات تشغيل "الذكالي" وتوجيهه وضبط حوكمته. وصار استحداث مسارات وظيفية تركز على "الذكالي" الاستراتيجية الأكثر شيوعاً في إدارة المواهب، متفوقة بمسافة ضئيلة على خيار إعادة تأهيل الموظفين الحاليين.

وتشهد المجالات التالية طفرة واضحة في مستويات الطلب:

  • هندسة "الذكالي" وتقنيات التعلم الآلي.

  • تصميم وبناء أنظمة "الذكالي" الوكيل وتطويرها.

  • أطر حوكمة "الذكالي" والرقابة القانونية والأخلاقية عليه.

  • أمن المعلومات وإدارة الأصول البيانية.

  • أدوار التناغم البشري التقني المعنية بالإشراف على الوكلاء المستقلين وتوجيههم.

وتبرهن هذه المعطيات على أن "الذكالي" يسرّع وتيرة هجرة جماعية بدأت منذ عقود، تبتعد عن القوالب الروتينية وتتجه بقوة نحو المهام الإدراكية والتفاعلية التي تتطلب حساً إنسانياً ومهارات تواصلية عالية. وتتوقع المؤسسة أنه بحلول عام 2026، ستشهد 40% من الأدوار الوظيفية في أكبر ألفي شركة حول العالم نوعاً من الشراكة والعمل المشترك مع وكلاء "الذكالي".

الأثر الأعمق: إعادة صياغة مفهوم العمل الإنساني

ما زالت الكثير من الشركات تحبو في مراحلها الأولى نحو تبني "الذكالي"، حيث تصطدم بعقبات عدة، أبرزها غياب نماذج الحوكمة الناضجة والمساحة المحدودة المتاحة لتطبيقات "الذكالي" الوكيل.

وترى لوميس أن المرحلة الراهنة ستشهد زخماً من المبادرات الاستعراضية التي تحمل شعار "الذكالي" اسماً لا فعلاً في بادئ الأمر، مشيرة إلى أن "الفصل في مسألة أي من هذه الاستراتيجيات سيحدث تغييراً مستداماً ومستمراً سيتوقف بالدرجة الأولى على تحول سلوكيات وعادات العمل اليومية، وليس فقط على القدرات التقنية الخارقة للأدوات التي تقود هذا التغيير".

وعلى الرغم من أن أطروحة "فناء الوظائف" ما زالت تفتقر إلى براهين قاطعة، إلا أن التبدل العميق في فلسفة تنظيم العمل وإدارته أصبح أمراً واقعاً لا يمكن غض الطرف عنه.

ويختتم غوندر المشهد برؤية جوهرية قائلاً: "حتى وإن بلغت من الجاهزية ما يؤهلك لأتمتة كل شيء، تذكر دائماً أن الكوادر البشرية تختزن في عقولها مهارات، وخبرات مؤسسية متراكمة، وقدرة على اتخاذ الأحكام لا يمكن لـ الذكالي محاكاتها. لذا، فإن رهانك الرابح ومسارك الأضمن يكمن دائماً في تعزيز مهارات الإنسان وتمكينه، لا في البحث عن بديل له".

المصدر

مقالات ذات صلة