ملخص: يلخص المقال بقلم سيليا هاريس وجاستن كريستنسن على موقع the conversation أن ما يُعرف بالذاكرة العضلية هو في الواقع الذاكرة الإجرائية التي تشمل الدماغ والعضلات معًا لتعلم المهارات تلقائيًا، مثل ركوب الدراجة أو الحياكة، وتصبح هذه المهارات أكثر سهولة مع التكرار والممارسة المستمرة. تعتمد الذاكرة الإجرائية على تعاون مناطق مختلفة في الدماغ، وتظل محتفظة جزئيًا بالمهارات حتى عند تدهور الإدراك، كما أن الموسيقى يمكن أن تعزز تعلم المهارات الجديدة والاحتفاظ بالقديمة. لتقويتها، يُنصح بالممارسة المنتظمة، توزيع الجلسات، والنوم بعد التدريب لتثبيت المهارات، مما يجعل أي مهارة جديدة تُضاف إلى حياتنا وسيلة للحفاظ على الاتصال بالذكريات والأشخاص المحبوبين.
بقلم: سيليا هاريس وجاستن كريستنسن
سواء كنت تركب الدراجة أو تحيك سترة، هناك بعض الأشياء التي تقوم بها تلقائيًا دون التفكير كثيرًا. غالبًا ما نربط هذا النوع من الأداء بما يسمى "الذاكرة العضلية"، وهي الفكرة التي تقول إن جسدك يستطيع تذكر كيفية أداء المهام المعقدة، ومع الوقت يتعلم القيام بها بشكل تلقائي.
لكن هل تمتلك عضلاتنا ذاكرة فعلية؟ وما الدور الذي يلعبه الدماغ في هذا الأمر؟ لننظر إلى العلم وراء هذه الظاهرة.
في الثقافة الشعبية، يرتبط مصطلح "الذاكرة العضلية" بالمهارات التي نتعلمها أو نقوم بها دون وعي كامل، مثل ركوب الدراجة أو العزف على آلة موسيقية أو حتى ربط حذائك. لكن علماء الإدراك يطلقون على هذا النوع من الذاكرة اسم "الذاكرة الإجرائية"، لأنها تشمل الدماغ إلى جانب العضلات، حتى لو لم نشعر بذلك دائمًا.
أحيانًا يستخدم مصطلح "الذاكرة العضلية" أيضًا بشكل حرفي لوصف كيف تصبح العضلات أقوى أو أكبر إذا تم تدريبها مسبقًا. الأبحاث تدعم هذا، حيث تشير إلى أن التدريب السابق يمكن أن يسرع نمو العضلات، ربما عن طريق تغيير طريقة عمل الخلايا العضلية أو تركيبها. ومع ذلك، لا يعرف العلماء بالضبط كيف يحدث هذا، وبالتأكيد لا يمكن للعضلات أن تخزن الذكريات أو المعلومات كما يفعل الدماغ.
الذاكرة الإجرائية هي نوع من "الذاكرة غير التصريحية"، أي أنها تعتمد على الأفعال بدلاً من الكلمات. لهذا السبب من الصعب أحيانًا شرح المهارات التي نتعلمها بهذه الطريقة. على سبيل المثال، إذا كنت تعلم طفلًا ركوب الدراجة، فمن السهل أن تقوم أنت بنفسك بكل الخطوات الصحيحة، لكن من الصعب وصف هذه العملية بالكلمات فقط لشخص آخر.
تشير الدراسات إلى أن أفضل طريقة لتقوية الذاكرة الإجرائية هي التكرار والممارسة المستمرة. عند تعلم مهارة جديدة، تحتاج في البداية إلى جهد وتركيز كبيرين، لأنك تتحكم بكل حركة للتأكد من تنفيذها بالشكل والترتيب الصحيح. ومع مرور الوقت، تصبح هذه المهارات تلقائية بحيث تكاد لا تحتاج للتفكير أثناء القيام بها. على سبيل المثال، قد تقود سيارتك إلى المنزل دون أن تتذكر الطريق الذي سلكته، لأنك تقوم بمجموعة من الأفعال التي مارستها مئات المرات من قبل.
الحفاظ على هذه الذاكرة يتطلب تعاون عدة مناطق في الدماغ، لأننا ننتقل من تعلم المهارة بوعي إلى أدائها بشكل تلقائي. عند تعلم شيء جديد، نستخدم بشكل أساسي مناطق الدماغ الأمامية المرتبطة بالانتباه والذاكرة والتفكير الواعي، وعندما نكرر المهارة، نعتمد على دوائر حسية-حركية تساعدنا على معالجة المعلومات من البيئة الخارجية واختيار الاستجابة الجسدية المناسبة، مما يجعل أداء المهام المعقدة أقل جهدًا ووعيًا.
ما يميز الذاكرة الإجرائية هو أنها تتأثر قليلًا بحالات تدهور الإدراك. الأشخاص المصابون بالخرف أو ضعف الإدراك غالبًا ما يجدون صعوبة في المهام التي تتطلب تركيزًا واعيًا، لكنهم يحتفظون بالمهارات التي تعلموها عبر حياتهم. لهذا قد ترى شخصًا مصابًا بالخرف ما زال قادرًا على الحياكة أو الرقص، رغم أنه يواجه صعوبة في تذكر أسماء أحبائه.
الأبحاث تشير إلى أن الموسيقى تستفيد من الذاكرة الإجرائية بشكل كبير. فقد وجدت دراسة كندية أن الأشخاص المصابين بخرف ألزهايمر، وهو مرض يؤثر على الذاكرة والسلوك والإدراك، كانوا يتعرفون على الكلمات بشكل أفضل عندما تُغنى بدلاً من أن تُنطق. كما يمكن للذاكرة الإجرائية أن تساعد الأشخاص المصابين بحالات إدراكية على تعلم مهارات جديدة والحفاظ على المهارات القديمة. في دراسة أسترالية، تمكنت امرأة تبلغ من العمر 91 عامًا، ولم تكن موسيقية من قبل، من تعلم أغنية جديدة تمامًا رغم إصابتها بخرف ألزهايمر الشديد، وكانت قادرة على غناء الأغنية بعد أسبوعين حتى لو لم تتذكر كلماتها أثناء اختبار الذاكرة.
لا توجد طريقة سريعة لتقوية الذاكرة الإجرائية. البداية تكون بتجاوز مرحلة تعلم المهارة الجديدة، التي تتطلب جهدًا وتركيزًا كبيرين، وهنا تأتي أهمية الممارسة. ممارسة المهارة تجعل الدماغ يعتمد أقل على المناطق الأمامية المرتبطة بالانتباه، ويعتمد أكثر على المناطق المسؤولة عن الحركة. من الأفضل توزيع الممارسة على عدة جلسات، لأن ذلك يجبرك على استدعاء الذاكرة عمدًا وإعادة بنائها، مما يحسن قدرتك على تكوين وحفظ الذكريات طويلة المدى. النوم بعد كل جلسة ممارسة يساعد أيضًا على تثبيت المهارات الجديدة، لأن النوم يعزز قدرة الدماغ على تذكرها والاحتفاظ بها.
تحسين الذاكرة الإجرائية يحتاج إلى وقت وجهد، لكنه مجزٍ للغاية. أي مهارة جديدة تتعلمها ستضيف ثراءً لحياتك، وحتى إذا تدهورت قدراتك الإدراكية، فإن المهارات التي مارستها طوال حياتك ستبقيك متصلاً بالذكريات والأشخاص الذين تحبهم.
