ملخص: يحذّر مقال منشور في موقع Undark بقلم سي. براندون أوغبونو من أن التفوق العلمي للولايات المتحدة يواجه خطر التراجع نتيجة ضغوط تمويلية وسياسات حكومية تؤثر في بنية النظام العلمي بأكمله، وهو نظام معقد لا يستجيب بشكل خطي للتقليصات. يوضح المقال أن خفض التمويل لا يؤدي فقط إلى تقليص الأبحاث، بل يمتد تأثيره إلى تقليل أعداد طلاب الدراسات العليا والباحثين، وإضعاف المختبرات، وتراجع الابتكار بسبب الميل نحو الأبحاث الآمنة بدل الجريئة. كما أن القطاع الخاص لا يستطيع تعويض هذا التراجع لأنه يعتمد أساسًا على مخرجات الجامعات. وتتسع الآثار لتشمل الصناعات المرتبطة بالبحث والنشر العلمي، والجمعيات الأكاديمية، بل وحتى الثقافة المجتمعية، حيث يقل انتشار التفكير العلمي ويزداد خطر المعلومات المضللة. ويخلص المقال إلى أن القضية لا تتعلق فقط بالتمويل، بل بمكانة العلم في المجتمع، محذرًا من تحول أعمق قد يعيد تشكيل العلاقة بين العلم والحياة العامة.
بقلم: سي. براندون أوغبونو
لم يعد من المبالغة القول إن التفوق العلمي العالمي للولايات المتحدة يواجه خطر التراجع، نتيجة سياسات حكومية تضغط على مؤسساتها البحثية العامة والخاصة على حد سواء. هذه الضغوط لا تقتصر على لحظة راهنة، بل تمتد آثارها إلى المستقبل، حيث يُتوقع أن يتقلص عدد العلماء في مجالات متعددة خلال السنوات القادمة. وقد بدأت بعض المؤشرات بالظهور بالفعل، مثل تعليق إحدى المجلات العلمية استقبال الأبحاث الجديدة، وهو ما يدفع إلى التساؤل: كيف سيبدو المشهد العلمي إذا انكمش حجمه في الولايات المتحدة؟
المسألة هنا ليست بسيطة أو خطية، لأن المنظومة العلمية الأمريكية شبكة معقدة من الفاعلين والدوافع المتداخلة. لذلك فإن تقليص التمويل لا يؤدي إلى نتائج مباشرة ومتوقعة، بل يشبه تحريك قطعة واحدة في بناء هش، فتنتشر التأثيرات في كل الاتجاهات دفعة واحدة. والنتيجة الواضحة هي أن أي انكماش في هذا النظام سيترك آثارًا سلبية تمتد من طبيعة الأبحاث إلى طرق نشرها.
البداية تكون من العنصر الأكثر أساسية: التمويل. فحين تقل الموارد المتاحة للمختبرات والبرامج البحثية، تتغير أولويات النظام بأكمله. قد يبدو من الممكن التعويض عبر التركيز على مجالات أقل تكلفة مثل البحث النظري أو الحاسوبي، وهو ما قد يحافظ جزئيًا على قدرة العلماء على التعامل مع عالم يزداد اعتمادًا على البيانات والذكاء الاصطناعي. لكن هذا السيناريو، رغم إيجابيته الظاهرية، لا يخفي حقيقة أن الضرر أعمق من ذلك.
فقد بدأت بعض الجامعات بالفعل في تقليص أعداد المقبولين في برامج الدراسات العليا، ما يعني أن فرص الحصول على درجات متقدمة في العلوم ستتراجع. ومع انخفاض أعداد الطلاب، تظهر آثار أخرى أقل وضوحًا لكنها أكثر تأثيرًا، مثل نقص المساعدين التدريسيين الذين يدعمون تعليم المرحلة الجامعية، وتراجع عدد الباحثين ما بعد الدكتوراه، وهم عنصر أساسي في إنتاج المعرفة داخل المختبرات. ومع تقلص هذه الفئات، تصبح المختبرات أصغر وأقل قدرة على تحقيق اكتشافات جديدة، وهو ما ينعكس في النهاية على نوعية الأسئلة التي يطرحها العلماء.
تؤثر الموارد المالية أيضًا في طبيعة البحث العلمي نفسه. فحين تكون الموارد وفيرة، يمكن للعلماء خوض تجارب جريئة ومشاريع عالية المخاطر. أما في ظل الندرة، فيميل النظام إلى الحذر الشديد، حيث يصبح كل قرار مرتبطًا بتكلفة دقيقة. لكن هذا الحذر لا يعني بالضرورة جودة أعلى، بل قد يقود إلى العكس. إذ تميل المختبرات في هذه الحالة إلى اتباع الاتجاهات السائدة لضمان التمويل، بدلًا من استكشاف مسارات جديدة. وهكذا يتراجع الابتكار، ويزداد الاعتماد على تكرار ما هو شائع، في بيئة لا تكافئ المغامرة العلمية.
قد يُطرح أن القطاع الخاص قادر على تعويض هذا النقص، خاصة مع تزايد دوره في تحقيق اكتشافات مهمة. غير أن كثيرًا من هذه الإنجازات تعود جذورها إلى الجامعات، حيث يتلقى العلماء تدريبهم الأساسي. وعندما تتراجع فرص التعليم والتدريب، يتأثر بالضرورة تدفق الكفاءات التي يعتمد عليها القطاعان العام والخاص معًا.
ولا تتوقف الآثار عند حدود البحث والتعليم، بل تمتد إلى الصناعات المرتبطة بهما. فالمختبرات الأصغر تعني طلبًا أقل على الأجهزة والتقنيات المتقدمة، ما يقلل من الحوافز لتطوير أدوات جديدة. كما أن النشر العلمي، الذي يعتمد على تفاعل مجتمع واسع من الباحثين، يتأثر هو الآخر. فمع انخفاض عدد العلماء، يتراجع عدد الأبحاث المقدمة، ويقل عدد المراجعين، ما يضعف نظام التحكيم العلمي الذي يقوم أساسًا على التعاون والالتزام المهني.
وفي ظل هذه الظروف، تصبح المؤسسات الصغيرة أكثر عرضة للخطر، خاصة الجمعيات العلمية التي تعتمد على النشر كمصدر رئيسي للدخل. هذه الجمعيات لا تنشر الأبحاث فقط، بل تنظم أيضًا مؤتمرات وفعاليات تمثل بيئة حيوية للتعلم والتواصل. ومع تراجع مواردها، قد تضطر إلى تقليص نشاطها أو التوقف تمامًا، ما يضعف البنية الاجتماعية للعلم.
أما على المستوى المجتمعي، فإن التأثيرات أوسع وأكثر عمقًا. فكلما تقلصت المنظومة العلمية، قلّ عدد الأفراد الذين يتلقون تدريبًا علميًا. وهذا لا يؤثر فقط في إنتاج المعرفة، بل في الثقافة العامة أيضًا. إذ يتراجع حضور التفكير العلمي في مجالات متعددة، من التعليم إلى الإعلام إلى قطاع الأعمال. ومع انخفاض عدد الأشخاص القادرين على فهم البيانات وتحليلها، يصبح المجتمع أكثر عرضة للمعلومات المضللة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بعدد المختبرات أو حجم التمويل، بل بمكانة العلم نفسه داخل المجتمع. فحين يتراجع عدد العلماء، تتراجع أيضًا صورة العلم بوصفه معيارًا للفهم والمعرفة، ويصبح أكثر بعدًا عن الحياة اليومية للناس.
ما نشهده ليس مجرد تغير عابر، بل تحول قد يعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والعلم. ورغم أن الحلول الممكنة متعددة، فإن الخطوة الأولى تبدأ بالاعتراف بحقيقة واضحة: النظام العلمي الذي اعتدنا عليه لم يعد كما كان.
