القائمة الرئيسية

حيث يوجد دخان حرائق الغابات، تتدهور الصحة النفسية

حيث يوجد دخان حرائق الغابات، تتدهور الصحة النفسية
ملخص المقال

تُظهر الأبحاث بشكل متزايد وجود صلة بين حرائق الغابات ودخانها وبين تدهور الصحة النفسية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أضرار تصيب الدماغ.

ملخص: المقال بقلم إيما فوهرينجر ميرشانت على موقع undark يستعرض كيف لم تعد حرائق الغابات مجرد كارثة بيئية، بل أصبحت تهديدًا متصاعدًا للصحة النفسية والعصبية، إذ تشير الأبحاث إلى أن التعرض لدخان الحرائق—بما يحمله من جسيمات دقيقة—قد يسبب التهابات وتغيرات في الدماغ ترتبط بالقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، مع آثار قد تكون تراكمية وطويلة الأمد، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة. ورغم صعوبة فصل تأثير الدخان عن صدمة الكارثة نفسها، فإن الأدلة الوبائية والتجريبية تتزايد، في وقت لا تزال فيه أنظمة الصحة النفسية—خصوصًا في المناطق الريفية—تعاني من نقص الموارد. وفي مواجهة ذلك، تبرز مبادرات مثل “العلاج البيئي” التي تسعى إلى مساعدة الأفراد على التعافي عبر إعادة بناء علاقتهم بالطبيعة وتعزيز قدرتهم على الصمود، بالتوازي مع الحاجة إلى مزيد من البحث والوعي الطبي لفهم هذه الظاهرة المتنامية والتعامل معها.

بقلم: إيما فوهرينجر ميرشانت

في يوم لطيف من منتصف نوفمبر، وبين مجموعة من أشجار البلوط والدلب، اجتمع أكثر من اثني عشر شخصًا حول نار صغيرة. كان بعضهم ممددًا على الأرض أو على بطانيات، وآخرون يجلسون على مقاعد تخييم. أغمض كثيرون أعينهم، بينما حدّق آخرون في ألسنة اللهب. موسم الحرائق في كاليفورنيا لم يمضِ عليه وقت طويل.

اجتمعت هذه المجموعة في بلدة بارادايس بولاية كاليفورنيا، داخل متنزّه يقع على أرض احترقت في حريق “كامب فاير” عام 2018، الذي دمّر معظم البلدة وأودى بحياة 85 شخصًا. ومنذ ذلك الحين، شهدت المنطقة نفسها ثلاثة حرائق كبرى أخرى تُعد من بين الأكبر في تاريخ الولاية، وكان أحدها من بين الأكثر فتكًا. وبين الجالسين كانت بليك إليس، مديرة برنامج العلاج البيئي المرتبط بجامعة ولاية كاليفورنيا في تشيكو، التي دعت الحضور إلى الانتباه لحواسهم—للروائح، والأصوات، وإحساس النار.

يقدّم برنامج العلاج البيئي، المفتوح للجمهور، ممارسات علاجية شمولية قائمة على المكان، وينظم جلسات علاجية موجهة في الطبيعة، من بينها برامج تهدف إلى إعادة بناء علاقة الإنسان بالطبيعة وما تسميه إليس “النار الجيدة”. وتقول إن الهدف هو الإبطاء، والاسترخاء، والانخراط في الحواس، والوجود في الطبيعة ومع الآخرين، إضافة إلى مساعدة الدماغ على تجاوز الصدمات المرتبطة بالنار وبناء مسارات عصبية تربطها بتجارب أكثر إيجابية. والغاية النهائية هي تعزيز القدرة على الصمود داخل مجتمع يتعرض مرارًا لحرائق مدمّرة.

على مدى العقد الماضي، امتدت حرائق الغابات ودخانها إلى مناطق جديدة وأصبحت تهديدًا أكثر خطورة بسبب تغير المناخ. وتشير الدراسات الحديثة إلى ارتباط متزايد بين التعرض لهذه الحرائق وتدهور الصحة النفسية، جزئيًا بسبب تغيّرات خلوية في الدماغ. فقد ربطت أبحاث بين الحرائق وزيادة زيارات الطوارئ بسبب اضطرابات القلق، وارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب، وحتى حالات الانتحار في المناطق الريفية. وبشكل أوسع، ربطت عقود من الأبحاث تلوث الهواء بزيادة محاولات الانتحار، والاكتئاب، ودخول المستشفيات لأسباب نفسية، إضافة إلى حالات عصبية مثل الخرف.

بالنسبة لمن عاشوا تجربة الحرائق، فإن الأثر الصادم واضح. لكن العلماء لا يزال لديهم الكثير من الأسئلة حول كيفية استجابة الدماغ البشري لهذه الأحداث، ويعمل اليوم اقتصاديون وعلماء أوبئة وأعصاب على إيجاد الإجابات.

تبدو هذه النتائج أكثر أهمية لسكان المناطق الريفية أو القريبة من الأراضي البرية، مثل بارادايس، حيث كانت الحرائق جزءًا من الحياة لكنها أصبحت أكثر شدة وتكرارًا وخطورة، وحيث يكون الدخان أكثر انتشارًا. ومع نقص مقدمي خدمات الصحة النفسية، يمكن أن تضيف الحرائق المتكررة ضغطًا كبيرًا على نظام صحي يعاني أصلًا من الإجهاد.

تعود جذور الكثير من معرفتنا الحالية حول تلوث الهواء والدماغ إلى أوائل الألفية، عندما درس فريق دولي أدمغة كلاب كانت تعيش في شوارع مكسيكو سيتي، التي كانت تُعد من أكثر مدن العالم تلوثًا. ووجد الباحثون أن الكلاب في المناطق الأكثر تلوثًا أظهرت تغيّرات في الحاجز الدموي الدماغي وأضرارًا عصبية.

وأشارت الباحثة ليليان كالديرون-غارسيدويناس إلى أن السبب المحتمل هو الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء. فقد عُثر على هذه الجسيمات داخل خلايا الدماغ، إلى جانب مواد مثل التيتانيوم والحديد والنحاس.

عند استنشاق هذه الجسيمات، ينتقل بعضها من الأنف إلى الرئتين، ثم إلى مجرى الدم، وقد تعبر الحاجز الدموي الدماغي. وتشير بعض الأدلة إلى أن بعضها يصل مباشرة إلى الدماغ. هناك، تنشّط هذه الجسيمات الخلايا المناعية، مما يسبب التهابات. ورغم أن هذه الاستجابة تهدف إلى حماية الدماغ، فإنها قد تسبب ضررًا عندما تتفاقم، إذ تتعرض الخلايا للإجهاد أو تفقد قدرتها على التواصل. كما قد تؤثر السموم مباشرة على وظائف الخلايا. وترتبط هذه التغيرات بالتراجع المعرفي والقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.

وقد اعتُبرت الكلاب “مؤشرًا حيويًا” لتأثير تلوث الهواء على البشر، مثل طائر الكناري في مناجم الفحم، مما فتح الباب لعقود من الأبحاث حول التلوث وأمراض مثل السكتة الدماغية والخرف.

بحلول الوقت الذي بدأت فيه عالمة الأعصاب السلوكية ميغان هيرتينغ دراسة تلوث الهواء، كان هناك إجماع على أن جودة الهواء تؤثر بشكل كبير على الجسم والدماغ. وتؤكد أن البيانات باتت واضحة.

لكن التأثيرات تختلف حسب الفئات: فالرضع أكثر عرضة بسبب سرعة تنفسهم وحساسية أدمغتهم، والحوامل قد ينقلن الملوثات إلى الأجنة، وكبار السن يتعافون ببطء أكبر من التعرض الحاد.

ورغم ذلك، لا تزال هناك تساؤلات حول توقيت التعرض وتأثيره طويل المدى، خاصة مع تغيّر تركيبة الملوثات. تقول هيرتينغ: “لا نعرف ما يكفي عن مكونات هذه الجسيمات التي نتنفسها يوميًا.”

في دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة Nature، قدّر باحثون أن انبعاثات حرائق الغابات منذ 2016 ألغت نحو ربع التحسن في تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة، وهو التحسن الذي تحقق عبر عقود بفضل سياسات بيئية. وكانت النتائج أسوأ في الولايات الغربية.

ويرى بعض الباحثين أن التقدم في هذا المجال قد تباطأ. ورغم وضوح تأثير الدخان على القلب والرئتين، فإن تأثيره العصبي والنفسي لا يزال أقل إدراكًا، رغم تزايد الأدلة.

في تجارب على الفئران، أدى التعرض لدخان الحرائق إلى التهابات دماغية، وانخفاض السيروتونين، وتراكم بروتينات مرتبطة بمرض ألزهايمر. ولم تختفِ هذه التأثيرات سريعًا، بل استمرت لأسابيع، خاصة لدى الفئران الأكبر سنًا. حتى المستويات المنخفضة من الدخان أثرت على الدماغ والسلوك.

كما أظهرت دراسات أخرى على خلايا الدماغ حدوث التهابات وتسرب في الحاجز الدموي الدماغي بعد التعرض للدخان.

تشير هذه النتائج إلى أن بعض الآليات البيولوجية المرتبطة بالأمراض النفسية—مثل الالتهاب وتنشيط المناعة—قد تنشأ نتيجة التعرض لدخان الحرائق، مما قد يزيد من القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. لكن الروابط لا تزال قيد الدراسة.

تُظهر الدراسات الوبائية تقدمًا أكبر، إذ وجدت زيادة في وصف الأدوية النفسية بعد الحرائق، وارتفاع زيارات الطوارئ لأسباب نفسية خلال مواسم الحرائق. لكن من الصعب الفصل بين تأثير الدخان نفسه وتجربة الكارثة.

يشير الباحثون إلى أن التأثيرات غالبًا ما تكون تراكمية، وأن التركيز على عامل واحد قد يقلل من تقدير العبء الحقيقي على الصحة النفسية.

في الوقت نفسه، تتزايد حدة دخان الحرائق، خاصة في المناطق الريفية التي لم تكن معتادة على هذا النوع من التلوث. وبينما التأثير على القلب والرئتين واضح، فإن التأثير طويل المدى على الصحة النفسية لا يزال أكثر تعقيدًا.

مع استمرار البحث، يسعى العلماء إلى إيجاد طرق للتخفيف من هذه التأثيرات، سواء عبر تحسين الخدمات الصحية أو تعزيز قدرة الأفراد البيولوجية على التكيف.

كما أن رفع الوعي مهم، إذ بدأت برامج تدريب الأطباء تتضمن تأثيرات تغير المناخ على الصحة. وهذا يساعد الأطباء على ربط الأعراض النفسية بعوامل بيئية مثل دخان الحرائق.

من جانبها، تعمل بليك إليس على تطبيق هذه المفاهيم عمليًا عبر العلاج البيئي، ومساعدة الناس على إعادة بناء علاقتهم بالطبيعة والمجتمع، مما يعزز قدرتهم على التكيف مع الكوارث المستقبلية.

ورغم أن العلماء لا يزالون في المراحل الأولى لفهم الآليات الدقيقة، فإن الحاجة إلى التعافي واضحة. تقول إليس: “نحن بحاجة إلى الشفاء.”

المصدر

مقالات ذات صلة