القائمة الرئيسية

فشل تمويل المناخ في أفريقيا مرتين، فكيف يمكن إصلاح ذلك؟

فشل تمويل المناخ في أفريقيا مرتين، فكيف يمكن إصلاح ذلك؟
ملخص المقال

لم تعد آثار تغيّر المناخ في أفريقيا مجرد احتمال مستقبلي، بل تحولت إلى واقع يومي ضاغط. الفيضانات تدمّر بنى تحتية استغرق إنشاؤها عقودًا، والجفاف يقضي على المحاصيل ويدفع المجتمعات إلى النزوح

ملخص: يوضح مقال للكاتبة ليزا ساكس على موقع The Conversation أن تغيّر المناخ في أفريقيا لم يعد تهديدًا مستقبليًا بل أزمة حاضرة تتجسد في فيضانات وجفاف وحر شديد وتآكل السواحل، ما يجعل الاستثمار في التكيف ضرورة ملحّة، لكنه يظل محدودًا دون خفض جذري لانبعاثات الكربون. ويرى المقال أن الاستجابة العالمية تعاني قصورًا واضحًا، سواء في فجوة تمويل التكيف أو في التركيز على التكيف على حساب التخفيف، إضافة إلى خلل أعمق في النظام المالي العالمي الذي يقيّد وصول أفريقيا إلى التمويل الميسر ويضعها في حلقة مفرغة من المخاطر وضعف الاستثمار، رغم امتلاكها إمكانات كبيرة خاصة في الطاقة المتجددة. ويخلص إلى أن الحل يتطلب إصلاحات مالية جذرية، وخفض تكلفة التمويل، وتحديث تقييم المخاطر، بالتوازي مع تسريع إزالة الكربون عالميًا لمعالجة جذور الأزمة ومنع تفاقمها.

بقلم: ليزا ساكس

لم تعد آثار تغيّر المناخ في أفريقيا مجرد احتمال مستقبلي، بل تحولت إلى واقع يومي ضاغط. الفيضانات تدمّر بنى تحتية استغرق إنشاؤها عقودًا، والجفاف يقضي على المحاصيل ويدفع المجتمعات إلى النزوح، بينما تؤدي موجات الحر الشديدة إلى تراجع إنتاجية العمل وإرهاق الأنظمة الصحية. وعلى السواحل، تتآكل الأراضي تحت ضغط ارتفاع مستوى البحر والعواصف المتزايدة.

أصبح الاستثمار في التكيف وتعزيز القدرة على الصمود ضرورة لا جدال فيها. فالمجتمعات بحاجة إلى بنية تحتية وزراعة وأنظمة مياه وحماية ساحلية تمكّنها من التعايش مع مناخ تغيّر بالفعل. لكن التكيف، مهما توسّع، يظل حلًا مؤقتًا. وحده الخفض السريع والجذري لانبعاثات الغازات الدفيئة قادر على منع تفاقم الأزمة إلى مستويات تتجاوز القدرة على التعامل معها.

ورغم وضوح هذا التحدي المزدوج، فإن الاستجابة العالمية لا تزال قاصرة بشكل كبير، وهو ما ينعكس بأشد صوره على الدول التي ساهمت بأقل قدر في المشكلة لكنها تتحمل العبء الأكبر من آثارها.

أول أوجه هذا القصور يتمثل في فجوة تمويل التكيف، التي ما تزال شاسعة رغم الوعود المتكررة. فما يصل إلى أفريقيا لا يتجاوز جزءًا يسيرًا من احتياجاتها الفعلية، والأسوأ أن جزءًا كبيرًا من هذا التمويل يأتي في صورة قروض تثقل كاهل الدول بدل أن تدعمها.

أما الخلل الثاني، فيكمن في أن التركيز المتزايد على التكيف جاء على حساب التخفيف، أي إزالة الكربون. في وقت يقترب فيه العالم من تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية، لا تزال الانبعاثات في ارتفاع، ما يجعل التحرك نحو اقتصاد منخفض الكربون أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فبدون خفض جذري للانبعاثات، ستظل جهود التكيف محدودة الأثر، لأن بعض المخاطر ببساطة لا يمكن التكيف معها، خاصة حين تتجاوز الأنظمة الطبيعية نقاط اللاعودة.

أما الخلل الأعمق، فيكمن في بنية النظام المالي العالمي نفسه، الذي يعجز عن تلبية احتياجات أفريقيا على مستويات متعددة في آن واحد. فبناء أنظمة طاقة ونقل نظيفة، وتعزيز القدرة على الصمود، يتطلب تمويلًا طويل الأجل بتكلفة معقولة، وهو ما لا يتوفر للقارة.

تجد الدول الأفريقية نفسها عالقة في حلقة مفرغة، حيث يُنظر إليها على أنها عالية المخاطر، فتُحرم من التمويل الميسر، ما يعيق استثماراتها الحيوية، ويزيد من هشاشتها، فيرتفع تقييم المخاطر أكثر. وتدعم هذه الحلقة مجموعة من الآليات المتداخلة، من أطر استدامة الدين إلى التصنيفات الائتمانية وقواعد الأسواق المالية، وكلها تسهم في توجيه رأس المال بعيدًا عن الأماكن الأكثر احتياجًا له.

فهم هذا التشابك في الإخفاقات هو الخطوة الأولى نحو معالجته. وعلى مدى سنوات من العمل مع الحكومات حول العالم، أصبح واضحًا كيف تُترجم هذه الإخفاقات إلى فرص ضائعة ومشاريع لم تُنفذ وبنى تحتية لم تُبنَ، بينما تستمر المخاطر في التراكم رغم وضوح مسارات الحل.

اليوم، لم يعد الأمر يقتصر على المخاطر، بل امتد إلى أعباء مالية متزايدة، وخيارات أصعب، واعتماد متزايد على استنزاف موارد المستقبل لتعويض خسائر الحاضر.

من هنا، تبرز أولوية أساسية لا تحتمل التأجيل، وهي خفض تكلفة التمويل للدول الأفريقية، سواء على مستوى الحكومات أو القطاع الخاص، حتى تتمكن من الاستثمار على نطاق واسع في البنية التحتية الحديثة منخفضة الكربون، وفي تعزيز القدرة على الصمود.

تحقيق ذلك يتطلب إصلاحات جذرية في أطر استدامة الدين، وآليات توفير السيولة، ومنهجيات تقييم المخاطر والتصنيف الائتماني. كما يتطلب تنسيقًا أوثق بين الحكومات والمستثمرين ومطوري المشاريع، قائمًا على نماذج دقيقة لأنظمة الطاقة الأقل تكلفة، بحيث ترتبط الاستثمارات بخطط اقتصادية شاملة.

ومع تطوير آليات ذكية لتوزيع المخاطر، يمكن تحفيز تدفق رأس المال الخاص نحو مئات المشاريع القابلة للتنفيذ في مختلف أنحاء القارة.

في جانب التخفيف، لا بد من التأكيد أن إزالة الكربون هي السبيل الوحيد لمعالجة جذور الأزمة. أما التمويل الموجّه للتكيف أو التأمين أو التعافي من الكوارث، فهو يعالج النتائج لا الأسباب.

ومن غير المقبول استمرار التباطؤ في إزالة الكربون، خاصة أن العالم يمتلك اليوم التكنولوجيا والموارد والمسارات الواضحة لتحقيق ذلك. بل إن التطور التكنولوجي جعل الحلول منخفضة الكربون أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية في مجالات الطاقة والنقل والبناء.

كما تغيّر دور المستهلكين في أنظمة الطاقة الحديثة، فلم يعودوا مجرد متلقين، بل أصبح بإمكانهم المساهمة في تخزين الطاقة وتحقيق التوازن في الشبكات، ما يقلل التكاليف ويخلق فرصًا اقتصادية جديدة. كذلك تتيح الأنظمة اللامركزية توزيع الطاقة ومشاركتها محليًا، ما يعزز الاستقرار ويقلل من آثار الانقطاعات. وتبقى الطاقة المتجددة، من شمس ورياح، الخيار الأكثر استقلالًا وأمانًا بعيدًا عن تقلبات الوقود الأحفوري.

ورغم كل ذلك، لا تزال السياسات العالمية متأخرة عن مواكبة هذه التحولات، إذ تركز على أهداف عامة مثل “صافي الصفر” دون الاستفادة الكاملة من إمكانات تحسين الأنظمة وتكاملها.

المطلوب اليوم هو الانتقال إلى نهج أكثر واقعية، يقوم على تحليل تقني دقيق يحدد المسارات الأقل تكلفة، وتنسيق فعّال بين مختلف الجهات لنشر التكنولوجيا، وآليات لتقاسم المخاطر تشجع استثمارات القطاع الخاص.

أما في أفريقيا، فالتناقض صارخ. القارة تمتلك أفضل موارد الطاقة الشمسية في العالم، ومع ذلك لا يزال مئات الملايين من سكانها بلا كهرباء. وفي الوقت الذي يمكن فيه للبنية التحتية الحديثة أن تقود نهضة اقتصادية شاملة، لا تحصل أفريقيا إلا على نسبة ضئيلة جدًا من الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة.

ويعود ذلك في جوهره إلى خلل عميق في النظام المالي الدولي، حيث تُحدد تكلفة التمويل فرص الاستثمار. ففي حين تتمكن الدول المتقدمة من الاقتراض بتكلفة منخفضة، تواجه الدول الأفريقية معدلات مرتفعة تجعل تمويل مشاريع الطاقة النظيفة غير ممكن عمليًا.

ولا تعكس هذه التكلفة المرتفعة المخاطر الحقيقية، بل هي نتيجة لافتراضات متحيزة، منها ربط الجدارة الائتمانية بمستوى الدخل، ما يجعل الدول الفقيرة عالقة خارج دائرة التصنيف الاستثماري مهما تحسن أداؤها.

وتفاقم المؤسسات المالية الدولية هذا الوضع من خلال سياسات تحد من قدرة الدول على الاقتراض للاستثمار في مستقبلها. كما أن الكوارث المناخية نفسها تؤدي إلى رفع تكلفة الاقتراض، ما يضيق هامش الحركة في اللحظات التي تكون فيها الحاجة إلى التمويل أكبر.

وتزداد المفارقة حين تُفرض على الدول التي تتأخر في التحول الطاقي تكلفة اقتراض أعلى، رغم أن هذا التأخر ناتج أصلًا عن نقص التمويل.

الحل يتطلب إعادة نظر شاملة في قواعد اللعبة. يجب تمكين الدول الأفريقية من الوصول إلى تمويل ميسر وطويل الأجل، وتحديث منهجيات التصنيف الائتماني بحيث لا تعاقب الفقر، وإعادة تصميم أطر استدامة الدين لتشجع الاستثمار بدل أن تعرقله.

فالدول التي تستثمر في الطاقة النظيفة والبنية التحتية والإنسان قادرة على تحقيق معدلات نمو تفوق الاقتصادات المتقدمة. وعلى النظام المالي العالمي أن يعترف بهذه الحقيقة، وبشكل عاجل، قبل أن يصبح التكيف مجرد محاولة متأخرة لمواجهة أزمة كان بالإمكان احتواؤها.

المصدر

 

مقالات ذات صلة