ملخص: المقال بقلم بيتر هول لموقع undark يتناول التحديات المتزايدة التي تواجه التعاون العلمي الدولي في ظل تصاعد التوترات السياسية والقيود المرتبطة بالهجرة والأمن القومي، خاصة في الولايات المتحدة. إذ أصبح بعض العلماء والطلاب الدوليين يترددون في السفر أو الدراسة هناك بسبب صعوبة الحصول على التأشيرات أو الخوف من إجراءات الهجرة، وهو ما يهدد نموذج التعاون العابر للحدود الذي أسهم تاريخيًا في تقدم المعرفة العلمية. ويرى الكاتب أن هذه التحولات تعكس اتجاهًا عالميًا أوسع نحو تقييد العولمة العلمية، ما يفرض على المجتمع البحثي التكيف مع واقع جديد عبر تعزيز مبادئ العلم المفتوح، وتوسيع الوصول إلى المعرفة والمواد التعليمية، وتقوية شبكات التعاون المحلية بين الباحثين. ويخلص إلى أن العلم سيستمر رغم هذه التحديات، لكن الحفاظ على التعاون والانفتاح يتطلب وعيًا مبكرًا بالمخاطر والعمل الجماعي لحماية تقاليد البحث العلمي الدولي.
بقلم: بيتر هول
يبدو أن التعاون العلمي الدولي يمر بمرحلة من الاضطراب المتزايد. فقد أصبح من الصعب أكثر فأكثر على العلماء في مختلف أنحاء العالم أن يعملوا معًا كما اعتادوا. وهذا يفرض على مجتمع البحث العلمي التفكير بجدية في كيفية التكيف مع الظروف الجديدة.
في الولايات المتحدة تلوح في الأفق أزمة محتملة في التعاون العلمي. فعدد متزايد من الباحثين حول العالم بدأ يتجنب المشاركة في المؤتمرات العلمية التي تُعقد داخل البلاد خشية التعرض لمشكلات مرتبطة بإجراءات الهجرة. كما أن الحصول على تأشيرات الدراسة أصبح يستغرق وقتًا أطول بكثير، خاصة بالنسبة للطلاب القادمين من دول لا تربطها علاقات جيدة بإدارة الرئيس Donald Trump. وفي الوقت نفسه أدى الغموض الذي يحيط بمصادر التمويل إلى دفع عدد من الجامعات إلى تبني سياسات أكثر تحفظًا، فبدأت تقلص أعداد المقبولين أو تجمّد التوظيف.
بصفتي باحثًا في أمن الحاسوب، لمست هذه التحولات بشكل مباشر عندما قررت نقل أحد مشاريعي البحثية إلى مكان خارج الولايات المتحدة، كما رأيتها أيضًا من خلال تجارب زملاء من دول أخرى. وما يثير القلق هو أن الاعتبارات المرتبطة بالأمن القومي بدأت تؤثر في الأساليب التي اعتاد العلماء من خلالها إنتاج المعرفة وتبادلها عبر الحدود. وهذا يطرح سؤالًا صعبًا أمام مجتمع الباحثين حول كيفية التكيف مع عالم قد يشهد تراجعًا في عصر العلم الدولي الذي ساد خلال العقود الماضية.
لطالما كان البحث العلمي نشاطًا عابرًا للحدود. فالرغبة في فهم العالم من حولنا ليست حكرًا على شعب دون آخر، والتعاون بين العلماء في بلدان مختلفة كثيرًا ما يولّد أفكارًا جديدة ويفتح الباب أمام اكتشافات لم تكن ممكنة بغير ذلك. صحيح أن هذه العلاقات لم تكن دائمًا متكافئة عبر التاريخ، إذ ارتبط بعضها بممارسات استغلالية خلال الحقبة الاستعمارية، مثل جمع العينات الحيوانية أو القطع الثقافية من مناطق مختلفة. ومع ذلك فإن كثيرًا من الاكتشافات والمجالات العلمية الحديثة نشأت بفضل هذا التعاون الدولي. وقد ساعد الإنترنت، وهو نفسه ثمرة تعاون بحثي عالمي، على تقليص المسافات بين العلماء وتسهيل التواصل بينهم. ففي مجالي مثلًا تُناقش كثير من المشاريع البحثية وتُطوَّر عبر اجتماعات افتراضية تجمع باحثين يعملون في بلدان ومناطق زمنية مختلفة.
غير أن التوترات الدولية أخذت تتصاعد في السنوات الأخيرة. ففي مؤتمر Eurocrypt 2025 الذي عُقد في مدريد بعد أشهر قليلة من تنصيب الرئيس ترامب، عبّر عدد من الباحثين عن ترددهم في السفر إلى الولايات المتحدة للمشاركة في الأبحاث أو حضور الاجتماعات العلمية. وجاء ذلك بعد حادثة مُنع فيها عالم فرنسي من دخول البلاد بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد ترامب. أما المؤتمر الأميركي المقابل المعروف باسم Crypto Conference فقد ظل يُعقد سنويًا في University of California, Santa Barbara لأكثر من أربعين عامًا. لكن في السنوات الأخيرة بدأ كثير من الباحثين يقترحون نقله إلى بلد آخر تكون إجراءات التأشيرة فيه أقل تعقيدًا.
الجامعات الأميركية، التي تمثل العمود الفقري للبحث العلمي في البلاد، تواجه هي الأخرى تحولات عميقة. فهناك ما يقرب من 1.2 مليون طالب دولي يدرسون فيها. وعلى الرغم من أن جميع هؤلاء ليسوا علماء، فإن أي شخص عمل في مختبر علمي يعرف مدى تنوع الجنسيات في فرق البحث. شخصيًا لا أكاد أتذكر اجتماعًا بحثيًا حضرته من دون مشاركة باحث من جنسية أخرى. هؤلاء زملاء مجتهدون يسعون إلى تطوير أنفسهم والمساهمة في تقدم العلم. ومع ذلك يجد كثير منهم أنفسهم في مواجهة حالة من عدم اليقين بشأن وضعهم القانوني. فقد استُهدف بعض الطلاب الدوليين بإجراءات الهجرة في قضايا بدت مرتبطة بممارستهم حرية التعبير. كما أن تأشيرات الدراسة التي كانت تُمنح عادة خلال بضعة أشهر أصبحت تستغرق وقتًا أطول بكثير لبعض الجنسيات. وقد واجه باحثون من روسيا والصين وإيران تأخيرات طويلة؛ أحدهم انتظر أكثر من عام للحصول على تأشيرته، بينما اضطر آخر إلى تأجيل بداية برنامج الدكتوراه بسبب ذلك. كما طرحت الإدارة الأميركية مقترحات لتقييد مدة هذه التأشيرات وشروطها، بل هددت بإلغاء تأشيرات طلاب صينيين يدرسون بالفعل في الولايات المتحدة قبل أن تتراجع لاحقًا عن هذا التوجه.
إذا أصبح التعاون الحر بين العلماء مهددًا بسبب بلد المنشأ، فإن على العلماء أن يتكاتفوا للدفاع عن هذا المبدأ.
ومع ذلك، فإن تصاعد التوترات الدولية ليس ظاهرة جديدة بدأت في عام 2025، كما أنه لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها. فقد فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ سنوات قيودًا على تصدير الشرائح الإلكترونية المتقدمة إلى دول مثل الصين. كما استخدمت دول أخرى، مثل المملكة المتحدة، اعتبارات الأمن القومي لتبرير فرض قيود على العلماء الأجانب. ويبدو أن ما نشهده اليوم جزء من اتجاه عالمي أوسع يعكس تزايد القلق من آثار العولمة.
من الطبيعي أن يدافع العلماء عن المبادئ التي يؤمنون بها، لكن من المهم أيضًا التفكير بواقعية والاستعداد للتغيرات القادمة. وقد يعني ذلك أن يستعد المجتمع العلمي لمرحلة جديدة تختلف عن تلك التي اعتادها.
ومن الخطوات المهمة في هذا الاتجاه تعزيز مفهوم العلم المفتوح وتقوية الروابط العلمية داخل كل بلد. فعندما يُذكر العلم المفتوح يتبادر إلى الذهن عادة النشر في المجلات ذات الوصول المفتوح وإزالة الحواجز المالية أمام نشر الأبحاث. غير أن هذا المفهوم أوسع من ذلك بكثير. ففي علوم الحاسوب مثلًا يسهل الوصول إلى الأبحاث نسبيًا بفضل خوادم المسودات المفتوحة مثل arXiv، حيث يستطيع الباحثون نشر أعمالهم قبل صدورها رسميًا. أما في مجالات أخرى فما تزال مشاركة الأبحاث الحديثة أكثر صعوبة. ومع ذلك يمكن نشر المعرفة والمواد التعليمية والتدريبية الخاصة بالباحثين الشباب بصورة مفتوحة حتى في هذه الحالات.
في الجامعات التي تعاني محدودية في الموارد قد يكون عدد المشرفين المؤهلين قليلًا، وقد لا يجد الأساتذة الوقت الكافي لتوجيه جميع الطلاب الموهوبين. لذلك فإن نشر المواد التعليمية عبر الإنترنت مثل الخطط الدراسية أو الكتب المفتوحة يمكن أن يسهم في تحسين جودة التعليم العلمي في أماكن كثيرة. وإذا تعذر ذلك، يمكن للعلماء أن يخصصوا جزءًا من وقتهم لتقديم إرشاد افتراضي أو جلسات استشارة مفتوحة للطلاب والباحثين الراغبين في التعلم. فحتى إذا تراجعت فرص التعاون المباشر، يجب أن تبقى المعرفة متاحة.
وفي الوقت نفسه ينبغي للعلماء أن يعززوا شبكات التعاون داخل بلدانهم. صحيح أن الفرق الدولية توفر تنوعًا غنيًا في الخبرات والبيانات، لكن التعاون المحلي يظل ذا قيمة كبيرة أيضًا. كما أن بناء هذه الروابط يساعد الباحثين على الصمود في مواجهة الضغوط. ففي مجتمع الباحثين في علم التشفير مثلًا تُنظم لقاءات دورية لمناقشة الأبحاث في New York City وفي مناطق أخرى. مثل هذه اللقاءات ضرورية للحفاظ على الروابط المهنية بين الباحثين في المجال نفسه، وقد تصبح أكثر أهمية إذا ازدادت صعوبة التعاون الدولي.
حتى الآن لم يصل الوضع إلى مرحلة الانهيار. فالعلم سيستمر، وسيواصل الباحثون العمل مع شركاء من مختلف أنحاء العالم. لكن التجارب الأخيرة تظهر أن المجتمع العلمي لا يستطيع تجاهل التهديدات التي تواجهه. فالتعامل الجاد مع هذه التحديات الآن قد يكون السبيل الوحيد لتجنب خسائر أكبر في المستقبل.
