القائمة الرئيسية

هل يمكن للأحذية أن تؤثر في ذهنك؟ ماذا يقول علم الأعصاب عن إحساس القدم والتركيز

هل يمكن للأحذية أن تؤثر في ذهنك؟ ماذا يقول علم الأعصاب عن إحساس القدم والتركيز
ملخص المقال

بدأت بعض العلامات التجارية، مثل Nike، تطرح ادعاءات أكثر جرأة، إذ تقول إن أحذيتها يمكن أن تنشط الدماغ وتعزز الوعي الحسي

ملخص: المقال بقلم أتوم ساركر لموقع The Conversation يتناول تصاعد الطموح التسويقي في صناعة الأحذية الرياضية، حيث بدأت بعض الشركات الادعاء بأن أحذيتها لا تحسن الراحة والأداء البدني فقط، بل قد تنشّط الدماغ وتعزز التركيز عبر تحفيز المستقبلات الحسية في باطن القدم. ويشرح المقال أن القدمين بالفعل غنيتان بالمستقبلات التي ترسل إشارات حسية إلى الدماغ وتؤثر في التوازن ووضعية الجسم والإحساس بالمكان، وأن نوع الحذاء قد يغيّر كمية المعلومات الحسية التي تصل إلى الجهاز العصبي. لكن علم الأعصاب يشير إلى أن زيادة الإحساس في القدمين لا تعني بالضرورة تحسن القدرات المعرفية مثل الانتباه والتركيز، لأن هذه الوظائف تعتمد على شبكات دماغية معقدة وعوامل أخرى مثل النوم والحركة والصحة العامة. كما يوضح أن بعض الفوائد التي يبلغ عنها المستخدمون قد تعود جزئيًا إلى تأثير التوقع أو “البلاسيبو”، ما يكشف فجوة بين اللغة التسويقية والنتائج العلمية الفعلية: فالأحذية قد تغيّر الإحساس بالحركة والراحة، لكنها على الأرجح لا تملك قدرة مباشرة على تحسين الأداء الذهني.

بقلم: أتوم ساركر

دخلت الأحذية الرياضية مرحلة جديدة من الطموح. لم تعد الشركات تكتفي بالحديث عن الراحة أو تحسين الأداء، بل بدأت بعض العلامات التجارية، مثل Nike، تطرح ادعاءات أكثر جرأة، إذ تقول إن أحذيتها يمكن أن تنشط الدماغ وتعزز الوعي الحسي وربما تساعد على تحسين التركيز من خلال تحفيز باطن القدمين.

وقد صرّح كبير المسؤولين العلميين في الشركة، Matthew Nurse، في بيان صحفي بأن دراسة الإدراك والانتباه والتغذية الراجعة الحسية تفتح طرقًا جديدة لفهم العلاقة بين الدماغ والجسم. ويقول إن المسألة لا تتعلق بالجري بسرعة أكبر فحسب، بل بالشعور بقدر أكبر من الحضور الذهني والتركيز والقدرة على التكيف.

وفي السياق نفسه، تبيع علامات تجارية أخرى مثل Naboso منتجات تصفها بأنها تحفّز الجهاز العصبي، مثل النعال الحسية والجوارب المصممة لتنشيط الإحساس في القدم.

تبدو الفكرة جذابة للوهلة الأولى. فالقدمان غنيتان بالمستقبلات الحسية، ما يثير تساؤلًا مشروعًا: هل يمكن أن يؤدي تحفيز هذه المستقبلات إلى تحسين أداء الدماغ وزيادة التركيز؟

لكن علم الأعصاب يرسم صورة أكثر تعقيدًا وأقل إثارة مما توحي به اللغة التسويقية.

العلاقة الوثيقة بين القدمين والدماغ

يحتوي باطن القدم على آلاف المستقبلات الميكانيكية التي تستشعر الضغط والاهتزاز والملمس والحركة. تنتقل الإشارات الصادرة عن هذه المستقبلات عبر الأعصاب الطرفية إلى الحبل الشوكي ثم إلى منطقة في الدماغ تعرف بالقشرة الحسية الجسدية. وتحتفظ هذه المنطقة بخريطة تمثيلية للجسم، وتشغل القدمان جزءًا مهمًا منها، وهو ما يعكس دورهما الأساسي في التوازن ووضعية الجسم والحركة.

كما يؤثر نوع الحذاء في ما يسمى بالإحساس العميق، وهو قدرة الدماغ على إدراك موقع الجسم في الفضاء. يعتمد هذا الإحساس على معلومات تأتي من العضلات والمفاصل والأوتار. وبما أن وضعية الجسم والحركة ترتبطان ارتباطًا وثيقًا بدرجة الانتباه واليقظة، فإن أي تغيير في الإشارات الحسية القادمة من القدمين قد يؤثر في شعور الإنسان بالثبات أو اليقظة أو الارتكاز.

ولهذا يولي أطباء الأعصاب والمعالجون الفيزيائيون اهتمامًا كبيرًا بنوع الحذاء لدى المرضى الذين يعانون اضطرابات في التوازن أو اعتلال الأعصاب أو مشكلات في المشي، لأن تغيير المدخلات الحسية يمكن أن يغيّر طريقة حركة الإنسان.

لكن تغيير طريقة الحركة لا يعني بالضرورة تحسين القدرات الذهنية.

الأحذية البسيطة وزيادة الوعي الحسي

تسمح الأحذية ذات النعال الرقيقة والمرونة العالية، التي يطلق عليها غالبًا الأحذية البسيطة، بوصول قدر أكبر من المعلومات الحسية إلى الدماغ مقارنة بالأحذية ذات التبطين السميك. وقد أظهرت دراسات مخبرية أن تقليل التبطين يمكن أن يزيد وعي الشخص بمكان قدمه وباللحظة التي تلامس فيها الأرض، وهو ما قد يحسن أحيانًا التوازن أو استقرار المشي.

لكن زيادة الإحساس ليست دائمًا ميزة. فالدماغ يرشّح باستمرار ما يصله من معلومات حسية، فيحتفظ بما هو مفيد ويتجاهل ما يمكن أن يشتت الانتباه. وعندما ينتقل شخص غير معتاد على هذا النوع من الأحذية إلى استخدامه فجأة، فإن التدفق المتزايد للمعلومات الحسية قد يرفع العبء الذهني بدلًا من تقليله، لأن الانتباه قد ينصرف إلى الإحساس في القدمين بدلًا من أن يتفرغ للتركيز في المهام الأخرى.

بعبارة أخرى، قد يزيد التحفيز الحسي من الوعي، لكنه إذا تجاوز حدًا معينًا يتحول إلى ضوضاء حسية.

هل يمكن للأحذية أن تحسن التركيز؟

هنا يصبح موقف علم الأعصاب أكثر حذرًا. فالإشارات الحسية القادمة من القدمين تنشط مناطق معينة في الدماغ، لكن مجرد تنشيط هذه المناطق لا يعني بالضرورة تحسن القدرات المعرفية.

فالتركيز والانتباه والوظائف التنفيذية تعتمد على شبكات دماغية واسعة تشمل مناطق مثل القشرة الجبهية الأمامية والفص الجداري والمهاد. كما تعتمد على مواد كيميائية تنظم نشاط الجهاز العصبي مثل الدوبامين والنورإبينفرين.

حتى الآن لا توجد أدلة قوية تشير إلى أن التحفيز الحسي البسيط أسفل القدم، سواء عبر النعال المحببة أو تصميمات الرغوة الجديدة أو الخصائص الميكانيكية الدقيقة، يمكن أن يحسن التركيز بصورة واضحة لدى البالغين الأصحاء.

وتشير بعض الدراسات إلى أن التحفيز الحسي الخفيف قد يساعد على زيادة اليقظة لدى فئات محددة، مثل كبار السن الذين يتدربون لتحسين التوازن أو الأشخاص الذين يخضعون لإعادة تأهيل بعد فقدان الإحساس. لكن هذه التأثيرات محدودة وتعتمد بدرجة كبيرة على الظروف والسياق.

بكلمات بسيطة، الشعور بإحساس أكبر في القدمين لا يعني بالضرورة أن نظام الانتباه في الدماغ أصبح أكثر كفاءة.

دور الاعتقاد والتوقع

مع ذلك، فإن التقارير التي يتحدث فيها بعض الناس عن تحسن في التركيز أو الأداء لا ينبغي تجاهلها بالكامل. فالاعتقاد والتوقع يلعبان دورًا مهمًا في التجربة الإنسانية وفي الطب أيضًا.

تأثير الدواء الوهمي، المعروف بتأثير البلاسيبو، موثق جيدًا في علم الأعصاب. فإذا اعتقد شخص أن حذاء معينًا يمنحه تركيزًا أو أداءً أفضل، فقد يؤدي هذا الاعتقاد وحده إلى تغيير إدراكه وسلوكه، وأحيانًا بدرجة يمكن قياسها.

كما يتزايد الاهتمام في العلوم المعرفية بفكرة الإدراك المتجسد، وهي الفكرة التي تقول إن حالات الجسم تؤثر في العمليات الذهنية. فطريقة الوقوف والحركة والشعور بالثبات الجسدي يمكن أن تؤثر في المزاج والثقة والشعور بوضوح التفكير. لذلك قد يؤدي الحذاء الذي يغيّر طريقة الوقوف أو الحركة إلى تأثير غير مباشر في إحساس الشخص بتركيزه، حتى لو لم يغيّر قدراته المعرفية بشكل مباشر.

وفي كثير من الأحيان قد يكون الشعور بأن المنتج يمنحك أفضلية هو التأثير الأقوى الذي يحققه.

الفجوة بين العلم والتسويق

المشكلة ليست في أن الأحذية تؤثر في الجهاز العصبي، فهي تفعل ذلك بالفعل. المشكلة تكمن في المبالغة في تفسير هذا التأثير. فعندما يقال إن الحذاء قادر على تغيير العقل، فإن الخط الفاصل بين تعديل الإحساس وتحسين القدرات المعرفية يصبح ضبابيًا.

يدعم علم الأعصاب فكرة أن الأحذية يمكن أن تغير الإشارات الحسية ووضعية الجسم وطريقة الحركة. لكنه لا يقدم أدلة قوية على أن الأحذية تستطيع تحسين التركيز أو الانتباه بصورة موثوقة لدى عموم الناس. ولو كان هذا التأثير قويًا فعلًا لكان واضحًا وقابلًا للقياس والتكرار في الدراسات العلمية، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

يمكن للأحذية أن تؤثر في إحساسنا بأجسادنا وفي طريقة حركتنا وفي مدى وعينا ببيئتنا الجسدية. وهذه أمور قد تنعكس على شعورنا بالراحة والثقة والإدراك العام للتجربة.

لكن أكثر العوامل التي تؤثر في صفاء الذهن وتغير الحالة العقلية ما زالت مرتبطة بالحركة المنتظمة والتدريب والنوم الجيد والانتباه، وليس بالإحساس الجسدي وحده. قد يؤثر الحذاء في كيفية شعورك أثناء الرحلة، لكنه على الأرجح لن يغير وجهتها.

المصدر

مقالات ذات صلة