ملخص: في مقال نشره موقع The Conversation، توضح إيمي غرانت أن نحو ثلث المصابين بالتوحد لا يستطيعون الاعتماد على الكلام للتعبير عن احتياجاتهم، وأن ما يُعرف بـ«الصمت الانتقائي» غالبًا ما يكون غير دقيق، إذ يفضل الخبراء استخدام مصطلح «التحدث الجزئي» ليشمل من يمكنهم التحدث أحيانًا أو بضع كلمات فقط. وتشير إلى أن قدرة الشخص على الكلام تتأثر بالبيئة المحيطة، وأن عدم القدرة على التعبير قد يؤدي إلى ضيق شديد أو نوبات انفعال، وقد يستفيد المصابون بالتوحد من وسائل التواصل البديلة مثل لغات الإشارة، ونظام تبادل الصور، والتطبيقات الرقمية التي تقرأ النصوص بصوت عالٍ. كما تؤكد أن هذه الوسائل ليست مجرد خيار إضافي، بل ضرورية لتمكين الأشخاص من التواصل والتعبير عن أنفسهم، وأن فهم قدراتهم الفكرية والميل لقراءة وكتابة النصوص يثبت أنهم يمتلكون أفكارًا ورغبات يمكن إيصالها بطرق غير لفظية.
بقلم: إيمي غرانت
نحو ثلث الأشخاص المصابين بالتوحد، من الأطفال والبالغين على حد سواء، لا يستطيعون التعبير عما يريدونه باستخدام الكلام.
ربما سمعت وصفهم بأنهم «غير ناطقين»، لكن هذا الوصف غالبًا غير دقيق. فكثير من الأشخاص الذين لا يعتمدون على الكلام بشكل موثوق ما زالوا يصدرون أصواتًا يمكن للمقربين منهم فهمها. وبعضهم يستخدم عددًا محدودًا من الكلمات أو العبارات.
وقد تكون سمعت أيضًا بمصطلح «الصمت الانتقائي». ويُقصد به العجز عن التحدث في بعض المواقف، وهو لا يقتصر على الأشخاص المصابين بالتوحد. وتشير الخدمات الصحية في بريطانيا إلى أن هذه الحالة ترتبط غالبًا بالقلق لدى الأطفال.
لكن كلمة «انتقائي» قد تكون مضللة؛ فهي توحي بأن الشخص يختار عدم الكلام، وهذا ليس صحيحًا في كثير من الحالات. فبالنسبة إلى العديد من المصابين بالتوحد، قد يكون التحدث أمرًا مستحيلًا، أو شديد الصعوبة، أو مرهقًا للغاية. كما أن ما يسمى بالصمت الانتقائي لا يقتصر على مرحلة الطفولة.
لهذا السبب يفضل بعض الخبراء والأشخاص المعنيين استخدام مصطلح «التحدث الجزئي». ويشمل هذا المصطلح طيفًا واسعًا من الحالات، بدءًا من الأشخاص الذين يستطيعون قول بضع كلمات بين الحين والآخر، وصولًا إلى أولئك الذين يمكنهم التحدث بطلاقة في معظم الأوقات ولكن ليس دائمًا.
كما أن القدرة على الكلام قد تتغير بحسب البيئة المحيطة. فالتواجد في مكان صاخب ومضيء مثل المستشفى، أو الشعور بالألم، قد يجعل التحدث أكثر صعوبة. ويجد كثير من الأشخاص المصابين بالتوحد أن التحدث عبر الهاتف أكثر صعوبة وإزعاجًا من التحدث وجهًا لوجه.
وتُعد القدرة على التواصل أمرًا أساسيًا، لأنها تمكّن الشخص من التعبير عن احتياجاته. وعندما لا تُلبّى هذه الاحتياجات، قد يؤدي ذلك إلى شعور شديد بالضيق. لدى الأشخاص المصابين بالتوحد قد يظهر هذا الضيق في شكل نوبات انفعال حادة، وقد يؤدي على المدى الطويل إلى ما يسمى بالإنهاك المرتبط بالتوحد، وهو حالة قد يصاحبها فقدان بعض المهارات.
بدائل للكلام
عندما يصبح الكلام مستحيلًا أو مرهقًا للغاية، يمكن الاستعانة بوسائل مختلفة للتواصل المعزز أو البديل. فهناك لغات الإشارة، بما في ذلك الأنظمة المبسطة مثل نظام ماكاتون. غير أن هذه الوسائل تعتمد على وجود شخص آخر يفهم هذه اللغة، ما قد يحد أحيانًا من فعاليتها.
وتوجد أيضًا طرق تعتمد على الورق، مثل نظام تبادل الصور، حيث تُستخدم بطاقات تمثل مفاهيم أو أشياء معينة مثل «طعام» أو «موز». لكن هذه الطريقة قد تكون مزعجة؛ إذ تخيل أنك تحتاج إلى البحث في مجموعة كبيرة من البطاقات للعثور على الكلمة المناسبة قبل أن تتمكن من التعبير عما تريد، مع العلم أن شخصًا آخر هو من اختار هذه الكلمات لك.
وقد أحدث انتشار الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية تحولًا كبيرًا في وسائل التواصل البديلة. فبعض التطبيقات تتيح للمستخدم الضغط على أزرار تمثل كلمات، أو كتابة رسائل يقوم الجهاز بقراءتها بصوت مرتفع. وتوفر أنظمة أندرويد وآبل نسخًا بسيطة من هذه الأدوات ضمن أنظمتها.
ومع ذلك، لا يجد بعض الأشخاص المصابين بالتوحد هذه الوسائل مناسبة لهم. فقد يحتاجون إلى شخص يشاركهم عملية التواصل باستخدام لوحة حروف لتهجئة الكلمات. وعلى الرغم من أن بعض المنتقدين يزعمون أن الشريك في التواصل قد ينسب كلمات إلى الشخص المصاب بالتوحد بشكل غير دقيق، فإن الدراسات التي استخدمت تتبع حركة العين تشير إلى أن هذا الادعاء غير صحيح.
تشير الأبحاث إلى أن وسائل التواصل البديلة تفيد المراهقين والبالغين المصابين بالتوحد. ومع ذلك، لا يزال كثير من الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الكلام يفتقرون إلى وسائل تواصل فعالة. ويرجع ذلك جزئيًا إلى نقص أخصائيي علاج النطق واللغة القادرين على مساعدة الآباء ومقدمي الرعاية في دعم عملية التواصل.
ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة الاعتقاد بأن الأشخاص المصابين بالتوحد الذين لا يتحدثون لا يفهمون ما يحدث حولهم أو ليس لديهم ما يريدون قوله. لكن قدرًا كبيرًا من الأبحاث يبين أن كثيرًا منهم قادرون على القراءة والكتابة ولديهم أفكارهم الخاصة. كما تظهر الدراسات التي أجريت مع أمهات أطفال غير ناطقين أن روابط عميقة يمكن أن تنشأ حتى من دون كلمات منطوقة.
لذلك من الضروري أن يمتلك الأشخاص المصابون بالتوحد، في جميع الأعمار، وسيلة للتواصل. ولا ينبغي اعتبار الكلام الطريقة الوحيدة أو الأفضل للتعبير. كما يجب ألا تُحرم وسائل التواصل البديلة من قبل الآباء أو المعلمين أو مقدمي الرعاية. فبالنسبة إلى كثير من المصابين بالتوحد، ليست هذه الوسائل خيارًا إضافيًا، بل هي وسيلة أساسية للحياة والتواصل مع العالم.
